لا يبدأ التحول الرقمي في العراق من فراغ، فقد أُنجزت منصات ومشروعات عديدة مثل بوابة أور، ومنصة تبادل البيانات، ومنظومات الجمارك كـ "أسيكودا". لكن تعدد الأعمال لا يعني حكومة رقمية متكاملة؛ فالقيمة الحقيقية تكمن في قدرة الوزارة الجديدة على العمل ضمن منظومة موحدة تختصر الإجراءات، وتحد من الازدواجية، وتعيد هندسة العمليات قبل رقمنتها...

لا يبدأ التحول الرقمي في العراق من فراغ؛ فقد أُنجزت منصات ومشروعات حكومية في الخدمات الإلكترونية، وتبادل البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والتوثيق، والمدفوعات، والجمارك. لكن تعدد هذه الأعمال لا يعني بالضرورة قيام حكومة رقمية متكاملة؛ فالقيمة الحقيقية لا تتحدد بعدد المنصات، بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة موحدة تختصر الإجراءات، وتحد من الازدواجية، وتحسن الرقابة، وتخفض كلفة المعاملات.

لا تتمثل مهمة وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة والعلوم والتكنولوجيا في إعادة إنشاء ما هو قائم أو انتزاع اختصاصات المؤسسات، بل في توحيد السياسات والمعايير، وربط الأنظمة والبيانات، وإعادة هندسة الإجراءات، وتوجيه الاستثمار الرقمي نحو نتائج قابلة للقياس.

السؤال المركزي : ما الذي ينبغي أن تضيفه الوزارة إلى الأعمال القائمة، وما الذي ينبغي أن تعيد تنظيمه، كي يصبح التحول الرقمي أداة لإصلاح الدولة والاقتصاد، لا مجرد تحديث تقني للإدارة؟

 الموجود القائم — قاعدة للتحول الرقمي ومواطن تحتاج إلى التكامل

1. المركز الوطني للتحول الرقمي

يمثل المركز الوطني للتحول الرقمي قاعدة مؤسسية لتنسيق مشروعات التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية. وتتمثل الأولوية في تحديد علاقته بالوزارة الجديدة: ما المهام التي تستمر لديه، وما المهام التي تتطلب قيادة وطنية أو صلاحيات تنسيقية أوسع، وكيف تُمنع ازدواجية التخطيط والتنفيذ؟

المطلوب ليس إلغاء المركز أو تكرار دوره، بل تنظيم العلاقة المؤسسية على أساس واضح للمسؤوليات والمساءلة.

 2. بوابة أور للخدمات الحكومية

تتيح بوابة أور الوصول إلى خدمات حكومية إلكترونية، وتمثل مدخلا مهما لتوحيد تجربة المستفيد. لكن اكتمال التحول لا يتحقق بنشر الخدمة إلكترونيا إذا ظلت تتطلب وثائق ورقية، أو مراجعات متكررة، أو إدخال البيانات نفسها في أكثر من جهة.

دور الوزارة المقترح.. تطوير أور بوصفها واجهة موحدة للخدمات، بالتوازي مع ربطها بالأنظمة الحكومية المختصة، وإعادة تصميم الإجراءات قبل رقمنتها.

 3. منصة X-Data وتبادل البيانات

تدعم منصة X-Data تبادل البيانات بين المؤسسات الحكومية. ووفق الأرقام المنشورة في آب 2026، شملت المنصة 37 مؤسسة حكومية، ونحو 48.3 مليون سجل وبيان، و205 خدمات رقمية.

هذه مؤشرات على وجود قاعدة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على اكتمال التكامل. المطلوب معرفة مدى انتظام تحديث البيانات، ونسبة الخدمات التي تستفيد فعليا من تبادلها، وحجم المعاملات التي أُنجزت دون مطالبة المواطن بتقديم وثائق متوافرة لدى الدولة.

لذلك يمكن للوزارة وضع إطار وطني ملزم لتبادل البيانات، يحدد مسؤولية كل جهة عن سجلاتها، وقواعد الوصول إليها، وضوابط حمايتها، ومعايير جودتها وتحديثها.

 4. الشبكة الحكومية المؤمنة والسحابة الوطنية

تشكل الشبكة الحكومية المؤمنة والسحابة الوطنية بنية تحتية يمكن البناء عليها لتقليل تشتت الاستضافة وتحسين أمن الخدمات واستمراريتها. لكن التوسع فيها يجب أن يرتبط بمعايير تشغيل وأمن وكلفة واضحة، وخطط لاستمرارية الأعمال والتعافي من الأعطال.

وتتمثل مهمة الوزارة في تنسيق المعايير الوطنية، وتقييم الاستخدام والكلفة والمخاطر، ومنع التوسع المتكرر في بنى متشابهة من دون مبرر تشغيلي.

5. التوثيق الإلكتروني وإلغاء صحة الصدور

يمثل التوثيق الإلكتروني وإجراءات الاستغناء عن صحة الصدور مثالا على إمكانية تقليل المعاملات الورقية والمراسلات بين المؤسسات. لكن نجاح هذه الإجراءات يتطلب اعتمادا متبادلا موثوقا للسجلات والتوقيعات والوثائق الإلكترونية، وتحديد المسؤولية القانونية عن إصدارها والتحقق منها.

ويمكن للوزارة تعميم هذا المنهج على الإجراءات الحكومية التي تستنزف وقت المواطنين والموظفين من دون إضافة قيمة رقابية حقيقية.

 6. الدفع الإلكتروني والتجارة الرقمية

توجد أعمال قائمة في مجال الدفع الإلكتروني، إلى جانب منصات مرتبطة بالتجارة والتاجر الإلكتروني. وتوفر هذه البنية فرصة لتوسيع المعاملات غير النقدية، وتحسين التوثيق المالي، وتيسير النشاط الاقتصادي.

لكن تطوير الاقتصاد الرقمي يتطلب أكثر من إتاحة الدفع؛ إذ يحتاج إلى بيئة تنظيمية واضحة، وربط آمن بين الخدمات، وحماية للمستهلك والبيانات، وتيسير دخول المشروعات الصغيرة إلى السوق الرقمية، بالتنسيق مع البنك المركزي والجهات القطاعية.

7. أسيكودا وعبور: الحوكمة الرقمية للمنافذ الحدودية

تمثل منظومة أسيكودا (ASYCUDA)، التي تنفذها الهيئة العامة للجمارك بالتعاون مع الأونكتاد، تطبيقا قطاعيا مهما للرقمنة الجمركية. وتشمل وظائفها التخليص الإلكتروني، وإدارة القيمة والإعفاءات، وتقييم المخاطر، والتدقيق اللاحق، والدفع الإلكتروني، وربط البيانات ذات الصلة بالتجارة والجمارك.

[30/10/2026 10:26 م] م.م كمال علي حسين مدير تحرير شبكة النبأ المعلوماتية: وتوفر منصة عبور مجالا للتنسيق الرقمي للإجراءات المرتبطة بحركة البضائع عبر الحدود. وتكمن الفرصة في تحقيق التكامل بين المنظومتين والجهات ذات العلاقة، من دون إلغاء استقلال الأنظمة المتخصصة أو دمجها شكليا في تطبيق واحد.

ما ينبغي أن تضيفه الوزارة هو إطار تنسيقي يضمن تبادل البيانات، ويمنع تكرار إدخالها، ويوضح مسؤوليات الجمارك والمنافذ والجهات الرقابية والمالية. ويجب قياس النتائج من خلال زمن التخليص، ودقة احتساب الرسوم وتحصيلها، ونسبة المعاملات المنجزة إلكترونيا، وتراجع الأخطاء والتدخلات اليدوية.

يعد هذا الملف اختبارا عمليا لقدرة الحوكمة الرقمية على تحسين الإيرادات العامة، وتسريع التجارة، وتعزيز الرقابة، والحد من فرص الفساد.

 ما الذي يمكن أن تضيفه الوزارة وفق أفضل الممارسات؟

بعد تحديد الأعمال القائمة، ينبغي الانتقال من جرد التطبيقات إلى تحديد الفجوات التي تستدعي تدخلا وطنيا. ويمكن تنظيم دور الوزارة في ستة مسارات مترابطة:

1. قيادة وطنية موحدة للتحول الرقمي. إعداد استراتيجية ملزمة تحدد الأولويات، والمعايير الفنية، ومسؤوليات التنفيذ، وعلاقة الوزارة بالمراكز والهيئات القائمة. وتكون الوزارة مرجعا لتنسيق السياسة والتكامل، لا جهة تشغيل بديلة لكل الأنظمة.

2. إدارة محفظة المشروعات الرقمية. إنشاء سجل وطني للمنصات والعقود والكلف والجهات المالكة ومراحل التنفيذ. وتُراجع المشروعات الجديدة قبل تمويلها للتأكد من الحاجة إليها، وإمكان دمجها مع الموجود، وعائدها المتوقع. ويُربط التمويل بتحقيق نتائج، لا بمجرد شراء الأنظمة أو إطلاقها.

3. إعادة هندسة الإجراءات قبل رقمنتها. تحديد الخدمات ذات الكلفة الإدارية الأعلى أو الأثر المباشر على المواطنين والأعمال، ثم حذف الخطوات غير الضرورية وتوحيد المتطلبات وربط السجلات. فالرقمنة التي تنقل الروتين الورقي إلى شاشة لا تحقق إصلاحا إداريا.

4. إطار وطني لحوكمة البيانات والثقة الرقمية. تحديد ملكية السجلات، ومسؤولية تحديثها، وضوابط مشاركتها وحمايتها، وقواعد الهوية والتوقيع والتوثيق الإلكتروني. ويجب أن يصاحب التكامل حق واضح في المساءلة والتدقيق، لا أن يكون مبررا لتوسيع الوصول إلى البيانات بلا ضوابط.

5. سياسة اقتصادية للسوق الرقمية. تطوير بيئة التجارة الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والخدمات الرقمية، وتمكين المشروعات الصغيرة من الاستفادة منها، بالتنسيق مع الجهات التنظيمية والمالية والتجارية. ويُقاس النجاح بتراجع كلفة المعاملات، واتساع النشاط المنظم، وتحسن وصول الأعمال إلى الخدمات والأسواق.

6. توظيف الذكاء الاصطناعي في الإصلاح الإداري. توجيهه إلى مهام محددة، مثل تحليل الاختناقات الإدارية، وكشف التكرار والتناقض في البيانات، وتصنيف المعاملات عالية المخاطر، وتحسين توزيع الموارد. ويجب أن تسبق أي عملية شراء تقنية دراسة للمشكلة والعائد، مع ضوابط للخصوصية والدقة والمراجعة البشرية.

 من امتلاك التطبيقات إلى امتلاك القدرة على إدارة الدولة:

يمتلك العراق أعمالا رقمية قابلة للتطوير: أور للخدمات، وX-Data لتبادل البيانات، وبنية حكومية مؤمنة، وأعمالا في التوثيق والدفع الإلكتروني، ومنظومات قطاعية مثل أسيكودا وعبور. لكن القيمة العامة لهذه الاستثمارات تظل محدودة إذا بقيت منفصلة في التخطيط والمعايير وتدفق البيانات.

لذلك، لا تُقاس جدوى وزارة الاقتصاد الرقمي بعدد المنصات التي تنشئها، بل بقدرتها على توحيد قواعد العمل، وربط الأنظمة القائمة، وإزالة الإجراءات غير الضرورية، وضبط الإنفاق الرقمي، وتوسيع الاقتصاد الرقمي على أساس الثقة والمساءلة.

والقرار الاستراتيجي هو أن تبدأ الوزارة بإصلاح العلاقة بين الموجود، ثم تسد الفجوات التي يكشفها التقييم، بدلا من إنشاء منظومات موازية. بذلك تنتقل الدولة من رقمنة معاملات متفرقة إلى إدارة عامة أكثر تكاملا وكفاءة وشفافية.

اضف تعليق