في دولة المسلمين الأعظم والأكثر عدلا، كانت الأموال والذهب والفضة والأنعام والحنطة والشعير والتمر وغيرها تجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيتولى بنفسه توزيعها على الناس كافة دون استثناء أو تفرقة بين المؤمنين والمؤمنات ولا المنافقين والمنافقات وحتى المشركين والمشركات ولم يكن يبقي لنفسه منها شيئاً.
(الزعيم والرئيس ينبغي له أن لا يستفيد مما يستفيده غيره من سائر المحتاجين)
سماحة المرجع الشيرازي
في دولة المسلمين الأعظم والأكثر عدلا، كانت الأموال والذهب والفضة والأنعام والحنطة والشعير والتمر وغيرها تجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيتولى بنفسه توزيعها على الناس كافة دون استثناء أو تفرقة بين المؤمنين والمؤمنات ولا المنافقين والمنافقات وحتى المشركين والمشركات ولم يكن يبقي لنفسه منها شيئاً.
كان صلى الله عليه وآله يوزعها بالعدل التام والإنصاف المطلق على مستحقيها لحاجة أو تأليف لقلوبهم وكان هذا السلوك العظيم والمنهج النبوي الفريد يجسد أعلى معايير الزهد والنزاهة والتجرد عن حطام الدنيا وزخرفها الفاني، ليمثل مدرسة متكاملة ونبراساً منيراً ودرساً بليغاً لا يُنسى لكل الحكام والزعماء والقادة في الحكومات الإسلامية المتعاقبة على مر التاريخ والعصور حتى يدركوا أن السلطة تكليف عظيم وليست تشريفاً.
ولا هي غنيمة لتحقيق المصالح الشخصية أو جمع الثروات والمكاسب الدنيوية على حساب الشعوب المستضعفة، وأن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات بحيادية تامة هي الأساس الأنسب لشرعية أي حكم عادل يحترم إنسانية الإنسان ويحفظ حقوق الرعية برمتها بغض النظر عن عقائدهم أو مواقفهم السياسية أو الدينية، ليظل القدوة الحسنة والنموذج الأمثل للإدارة الرشيدة التي تقدم مصلحة المجتمع والفقراء والمحتاجين على كل اعتبار ضيق، أو هوى شخصي متمثلاً في قمة الإيثار والرحمة المهداة للعالمين أجمعين في كل زمان ومكان.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها (ليعتبر زعماء وحكام المسلمين):
(لقد كانت الأموال والذهب والفضّة والأنعام والحنطة والشعير والتمر وغير ذلك، تجتمع كلّها عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ويوزّعها على الناس، وعلى المؤمنين والمؤمنات، والمنافقين والمنافقات، وحتى على المشركين والمشركات، ولا يبقي لنفسه شيئاً وهذا درس لكل الزعماء في الحكومات الإسلامية).
عدم تكريس المنصب للمناصب الشخصية
إن الزعيم الحقيقي والرئيس الحق ينبغي له ألا يستفيد مما يستفيده سائر المحتاجين من أموال ومقدرات، بل عليه أن يكون أبعد الناس عن استغلال منصبه للمكاسب الشخصية، علماً بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في كثير من الأوقات في حالة احتياج، وهكذا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كان في ذلك الوقت يعيش حالة الاحتياج وتنطبق عليه شرعاً حيث كان لا يجد ما يأكله في بعض الأحيان.
ومع ذلك كله كانا صلوات الله عليهما وآلهما يترفعان عن أكل أموال بيت المال أو الانتفاع منها لأنفسهما تورعاً وزهداً وورعاً رغم حاجتهما أحياناً، ليعلما الأمة جمعاء أن الولاية والقيادة مسؤولية ثقيلة وأمانة عظيمة وليست وسيلة للثراء أو العيش الرغيد على حساب الفقراء والمحتاجين، فكان هذا السلوك الراقي والمنهج العلوي والنبوي الفريد درساً لكل الحكام في كيفية التعامل بنزاهة تامة مع المال العام وحمايته من كل شبهة أو استغلال ضيق.
لهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(الزعيم والرئيس ينبغي له أن لا يستفيد مما يستفيده غيره من سائر المحتاجين. علماً بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان مصداقاً للمحتاج، وهكذا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان في ذلك اليوم مصداقاً للمحتاج شرعاً الذي ليس عنده ما يأكل، ولكن ومع ذلك كانا صلوات الله عليهما وآلهما، لا يأكلان من بيت المال).
عندما يطالع الباحث صفحات الأيام والسنين بتمعن، يقع في تفاصيلها على شواهد حية لرجال عظام من قادة الأمة وأعلام الفتوى والتقليد الذين حفظت سيرتهم الأجيال، بل إن الشاهد على ذلك قد عاين بنفسه نماذج نيرة منهم في سالف الزمان، إذ عُرفوا بأنهم كانوا ينفقون بسخاء على من حولهم ممسكين أيديهم عن الابتزاز أو الاستفادة الشخصية.
وقد اعتمدوا في تأمين حياتهم وتوفير ما يحتاجونه على جهدهم الخاص بعيدا عن نفوذهم، ومن ثم تحقيق ذلك عبر موارد مستقلة تنأى كل النأي عن خزينة المسلمين وأموال العامة، ولا تقربها مطلقا، وقد جسدت هذه المواقف أسمى معاني التعفف والنزاهة، لتكون منارة هداية تؤكد أن القيادة الراشدة تقوم على البذل والتضحية لا على الاستحواذ والتكسب.
حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي قائلا:
(عندما يقرأ الإنسان التاريخ يجد في ثناياه، العديد والعديد من زعماء المسلمين، وعظماء مراجع التقليد، الذين ينقل عنهم، وأنا شخصياً قد رأيت بعضهم في ماضي التاريخ، إنّهم كانوا يعطون للآخرين ولا يأخذون لأنفسهم، بل يستفيدون من غير أموال بيت المال).
السلطة أمانة وتضحية ترفض الاستئثار
إن قائد الأمة والزعيم الإسلامي يفترض به أن يبتعد عن استثمار مقدرات الرعية لمصلحته الشخصية وإن كان يحق له ذلك قانوناً في أحوال معينة، فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان مأذوناً بأخذ جزء من الواردات، وكذا الإمام علي عليه السلام امتلك الصلاحية الشرعية للانتفاع من خزينة الدولة، بيد أن سيرتهما العطرة قامت على التورع التام والترفع عن هذا الحق امتناعاً واختياراً.
لقد اعتاد هذان العظمان تجنب المال العام تماماً رغم إباحته لهما شرعا وحقا، ليؤسسا بذلك مدرسة في النزاهة والاحتياط الشديد للذمم، هذا النهج الفريد يعلّم المسؤولين أهمية التخلي عن المكاسب الشخصية المشروعة زهدًا وورعًا، حفاظاً على الثقة العامة وتقديم القدوة الحسنة للجميع في الأمانة والإخلاص، فما بالك عندما ينحدر المسؤول للسطو على مال الناس.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إنّ الزعيم الإسلامي، ورئيس المسلمين، ينبغي له أن لا يتصرّف، ولا يستفيد من أموال المسلمين، وإن كان يجوز ذلك له في بعض الأحيان. فرسول الله صلى الله عليه وآله، كان يجوز له أن يأخذ من الأموال التي تأتيه، وهكذا بالنسبة إلى الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كان يجوز له أن يستفيد من أموال بيت المال، ولكن كان من عادتهم أن لا يستفيدوا).
هذه وصية ناطقة لكل ملوك وسلاطين وساسة العالم الإسلامي عبر العصور، فمتى بلغت هذه المبادئ السامية آذان غير المسلمين فسيدخل أفواج منهم في الدين الحنيف طوعاً، منبهرين بعدالة تشريعاته، فهذا السلوك العملي الذي انتهجه قائد المسلمين يمثل حالة فريدة غير مسبوقة في سجل الإنسانية.
حين يرى العالم زعيماً يزهد في مغانم السلطة ويرفض استغلال النفوذ لمآربه الخاصة، تنجذب القلوب تلقائياً نحو مبادئ الحق، وهذا النموذج الفريد يشكل أعظم دعوة صامتة لتعاليم السماء، حيث تتكلم الأفعال بأعلى من الكلمات وينطبق عليها القول المأثور (الأعمال أعلى صوتا من الأقوال)، فتمنح البشرية بأسرها برهانًا ساطعًا على طهارة المنهج الإلهي ونقاء رموزه الذين فضّلوا خدمة شعوبهم على حطام الدنيا وزخارفها.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(هذه رسالة للحكّام المسلمين، في كل زمان ومكان، وهذه الرسالة إذا وصلت إلى غير المسلمين، فيقيناً، سيقبل الكثير والكثير منهم على الإسلام ويرضون به ويسلمون، لأنّ هذا النوع من الممارسة لزعيم المسلمين، هو فريد في التاريخ).
بالنتيجة فإن سيرة النبي الأعظم وآله الأطهار تجسد الأنموذج الأسمى للقيادة الرشيدة التي تنأى عن الاستئثار بكل أشكاله المادية أو سواها، إذ اقترن فيها الزهد الفائق بقمة النزاهة والعدل، ليشكل هذا المنهج الأخلاقي المعجز رسالة أو وصية تطبيقية إلى حكام الأرض قاطبة لاسيما المسلمين منهم، تذكرهم بأن السلطة أمانة وتضحية، وخدمة للرعية برمتها دون استئثار، وأن البذل الصامت هو أبلغ دعوة لسمو الإسلام وعظمة تعاليمه.



اضف تعليق