الفيدرالية المكانية تقترح معمارًا سياسيًا يعيد توزيع السلطة والثروة والمسؤولية داخل ليبيا، من دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها. جوهرها تقريب القرار من المواطن، وتجاوز المركزية الوطنية أو الإقليمية، عبر مقاطعات قابلة للإدارة ومدن وبلديات ذات صلاحيات حقيقية. نجاحها يتطلب دستورًا واضحًا، وتوزيعًا عادلًا للموارد، وبرلمانًا بغرفتين، حتى تصبح الوحدة...
لم تكن "دولة المدينة" في التاريخ الإنساني مجرّد مرحلة عابرة في تطوّر التنظيم السياسي، بل كانت أحد المختبرات الأولى التي تشكّلت فيها مفاهيم المواطنة، والمشاركة السياسية، وإدارة الشأن العام. فقد ارتبطت المدينة، منذ التجارب اليونانية والرومانية، بفكرة أنّ المجتمع السياسي لا يقوم على الأرض والسكان فحسب، وإنّما على مشاركة المواطنين في إدارة المجال الذي يعيشون فيه، وتحمّلهم مسؤولية شؤونه ومصالحه.
ففي أثينا ظهر نموذج مبكّر للديمقراطية المباشرة، وأصبحت المشاركة في الشأن العام جزءًا من مفهوم المواطنة، وإن كان هذا المفهوم في عصرها محدودًا بفئات معيّنة من السكان وفق معايير ذلك الزمن. وفي الجمهورية الرومانية تطوّرت، بصورة أكثر تعقيدًا، فكرة التوازن المؤسّسي من خلال توزيع السلطات بين القضاة ومجلس الشيوخ والمجالس الشعبية، بما أوجد نظامًا سياسيًا استطاع إدارة مجتمع آخذ في الاتساع، قبل أن تقود الصراعات الداخلية والتحوّلات السياسية والعسكرية إلى نهاية الجمهورية وقيام الإمبراطورية.
وفي مدن إيطاليا خلال العصور الوسطى وعصر النهضة، مثل البندقية وفلورنسا وجنوة، استعادت المدينة قدرًا كبيرًا من الاستقلال السياسي والاقتصادي، وأصبحت التجارة والموانئ والمؤسسات المحلية عناصر أساسية في صناعة القوة والازدهار. ولم تكن هذه التجارب متطابقة، لكنها اشتركت في حقيقة أساسية، هي أنّ المدينة يمكن أن تكون إطارًا فعّالًا لتنظيم المجتمع، وإدارة موارده، وتحقيق قدر من المشاركة والمسؤولية السياسية.
وليس المقصود من استحضار هذه التجارب التاريخية الدعوة إلى إعادة إنتاج "دولة المدينة" في العصر الحديث؛ فالدولة الوطنية المعاصرة تجاوزت ذلك النموذج من حيث السيادة والحدود والمؤسسات والعلاقات الدولية. وإنّما المقصود هو استعادة روح المدينة السياسية: قرب القرار من المواطن، والمشاركة في إدارة الشأن العام، وتحمّل المسؤولية المحلية، والقدرة على معالجة مشكلات المكان من داخل المكان نفسه.
ومن هنا يبرز السؤال الليبي المعاصر: هل يمكن نقل هذه الروح السياسية من دولة المدينة القديمة إلى دولة وطنية حديثة، من خلال نظام اتحادي يجعل المجال المكاني وحدة أساسية للحكم والتنمية، من دون أن يمسّ وحدة الدولة وسيادتها؟
إنّ الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى مشكلة أعمق تتعلّق بالعلاقة بين اتساع الدولة وبين طبيعة نظام الحكم فيها. فكلّما اتسعت الدولة جغرافيًا، وتباعدت مراكزها السكانية، وتنوّعت بيئاتها الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت إدارة جميع شؤونها من مركز واحد أكثر صعوبة. وقد يمتلك المركز السلطة القانونية، لكنّه لا يمتلك بالضرورة المعرفة الدقيقة باحتياجات كل منطقة، ولا القدرة على الاستجابة السريعة لمشكلاتها، ولا الكفاءة اللازمة لإدارة تفاصيل حياتها اليومية.
وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في الدولة الحديثة: كيف يمكن الجمع بين وحدة الدولة من جهة، وكفاءة الإدارة المحلية من جهة أخرى؟ فالمركزية المفرطة قد تنتج دولة موحّدة على الورق، لكنّها ضعيفة في أطرافها؛ إذ تتراكم القرارات والموارد في العاصمة، بينما تتحوّل المدن والمناطق الأخرى إلى وحدات تنتظر المخصّصات والقرارات والخدمات من المركز.
غير أنّ معالجة هذه المشكلة لا تكون بالضرورة بالعودة إلى تقسيم البلاد إلى عدد محدود من الولايات الكبرى. فالفيدرالية، إذا قامت على ثلاث وحدات واسعة المساحة، قد تنقل المركزية بدل أن تلغيها؛ إذ تنتقل السلطة من العاصمة الاتحادية إلى عواصم الولايات، ثم تعيد هذه العواصم إنتاج المركزية داخل نطاقاتها الجغرافية الواسعة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات التي ينبغي الانتباه إليها: قد تنجح الدولة في التخلص من مركزية الدولة، لكنها تقع في مركزية الولاية. وإذا كانت الولاية شاسعة المساحة، ومتباعدة المدن، ومتفاوتة الاحتياجات، فإنّ المواطن في أطرافها قد يجد نفسه أمام مركز جديد بعيد عنه، وقد تتحول عاصمة الولاية إلى بوابة وحيدة للموارد والخدمات والقرار، بينما تتحول بقية المدن إلى أطراف تابعة لها.
بل إنّ مركزية الولاية قد تكون، في بعض الحالات، أشدّ تأثيرًا على الأطراف؛ لأنّها تجمع بين السلطة السياسية والإدارية والمالية في مركز واحد، داخل إقليم واسع لا يملك سكان أطرافه القدرة اليومية على الوصول إلى مؤسسات القرار أو التأثير فيها. ولذلك فإنّ القضية ليست في عدد الوحدات الاتحادية وحده، وإنّما في حجم المجال الذي تتركّز فيه السلطة، والمسافة التي تفصل المواطن عن مركز القرار.
ومن هنا ينبغي أن تقوم الفيدرالية الليبية، إذا أُريد لها أن تكون حلًا حقيقيًا، على مبدأ مختلف: تفكيك التركّز الإداري والسياسي، لا مجرّد نقل موقعه. فالمطلوب ليس استبدال مركزية وطنية بمركزيات إقليمية، وإنّما إنشاء دولة اتحادية متعدّدة المراكز، تكون فيها السلطة أقرب إلى السكان، وتكون المدن والمناطق قادرة على إدارة شؤونها ضمن إطار وطني واحد.
وهذا هو المعنى الذي يمكن أن يُبنى عليه مفهوم "الفيدرالية المكانية"؛ فهي ليست مجرد تقسيم إداري جديد، وليست عودة إلى نظام الولايات التاريخية في صورة معاصرة، بل هي محاولة لإعادة توزيع السلطة على أساس قابلية المجال الجغرافي للإدارة، وقرب مركز القرار من السكان، وتوازن الإمكانات الاقتصادية والخدمية، مع المحافظة على وحدة الدولة وسيادتها.
وفي هذا السياق تكتسب الفلسفة السياسية القديمة والحديثة أهمية خاصة. فالفارابي، في حديثه عن المدينة والاجتماع الإنساني، جعل المدينة إطارًا أساسيًا لتنظيم الحياة المشتركة وتحقيق غايات الاجتماع السياسي. وليس من الدقّة تحويل فلسفته إلى نظرية حديثة في الفيدرالية أو اللامركزية، لكنّ أهميتها بالنسبة إلى هذا النقاش تكمن في وضع الاجتماع السياسي والمدينة في قلب التفكير في الدولة.
أما ابن خلدون، فقد قدّم في (المقدّمة) تحليلًا عميقًا للعمران والدولة والجباية وعلاقة السلطة بالمجتمع، وأظهر كيف يمكن لسياسات الدولة المالية والإدارية أن تؤثّر في ازدهار العمران أو انحساره. ومن هنا يمكن الاستفادة من فكره في فهم العلاقة بين العمران المحلي وقوة الدولة، من دون إسقاط المفاهيم الدستورية الحديثة على نصوصه بصورة مباشرة.
وفي الفكر الأوروبي، قدّم مونتسكيو إسهامًا مهمًا في دراسة العلاقة بين شكل الحكم وحجم الدولة، كما تناول فكرة الجمهورية الاتحادية باعتبارها وسيلة للجمع بين مزايا النظام الجمهوري واتساع المجال الجغرافي. وفي تجربة روسو برزت المواطنة والإرادة العامة باعتبارهما عنصرين أساسيين في بناء المجتمع السياسي.
ثم جاءت التجارب الفيدرالية الحديثة، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا وكندا وغيرها، لتقدّم نماذج مختلفة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن لدولة واسعة ومتنوّعة أن تحافظ على وحدتها، من دون أن تجعل كل قرار سياسي أو إداري رهينًا بالعاصمة أو بمركز إقليمي بعيد؟
وهنا تحديدًا تلتقي فلسفة المدينة مع الفيدرالية الحديثة؛ ليس في الشكل السياسي، وإنّما في مبدأ جوهري هو تقريب السلطة من المجتمع الذي تُمارس عليه، مع إبقاء الاختصاصات التي تتطلّب وحدة الدولة ضمن المستوى الاتحادي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الليبية؛ فليبيا دولة شاسعة المساحة، تقارب مساحتها 1.77 مليون كيلومتر مربّع، وتتميّز بتفاوت واضح في الكثافة السكانية، وتباعد مراكزها الحضرية، وتوزّع مواردها الطبيعية، واختلاف خصائصها الاقتصادية والبيئية والتنموية. ولهذا فإنّ السؤال لا ينبغي أن يكون: كيف نُخضع كل ليبيا لمركز واحد؟ ولا كيف نقسّمها إلى ثلاثة مراكز كبرى؟ وإنّما: كيف نبني دولة واحدة، متعدّدة المراكز، قادرة على إدارة هذا الاتساع والتنوّع بكفاءة، من دون أن تتحوّل الجغرافيا إلى سبب للصراع؟
ومن هنا يصبح تقسيم ليبيا إلى عدد أكبر من المقاطعات وسيلة وظيفية، لا غاية في ذاته. فالمعيار ليس عدد المقاطعات، وإنّما مدى قدرتها على تحقيق القرب الإداري، والتوازن التنموي، وكفاءة الإدارة، ومنع إعادة إنتاج المركزية على مستوى أصغر.
وبناءً على معايير الجغرافيا والسكان والقدرة الاقتصادية والترابط الخدمي والمواصلاتي، يمكن طرح تصوّر أوّلي يتكوّن من إحدى عشرة مقاطعة. وهذا العدد ليس رقمًا مقدّسًا، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره تقسيمًا نهائيًا، بل هو إطار قابل للدراسة والمراجعة من خلال دراسات سكانية واقتصادية وجغرافية دقيقة.
تأتي في مقدّمة هذا التصوّر مقاطعة البطنان، وعاصمتها طبرق، بما تمثّله من بوابة شرقية للدولة، وموقع حدودي وبحري استراتيجي، وإمكانات في الموانئ والتجارة والخدمات اللوجستية والتنمية الحدودية.
وتليها مقاطعة الجبل الأخضر، وعاصمتها البيضاء، بما تضمه من مجال يمتد حول البيضاء والمرج ودرنة وشحات، وما تتمتّع به من مقوّمات زراعية ومائية وسياحية وأثرية تؤهّلها لبناء اقتصاد أكثر تنوّعًا.
ثم تأتي مقاطعة بنغازي، وعاصمتها بنغازي، باعتبارها أحد أكبر المراكز الحضرية والاقتصادية والخدمية والثقافية في البلاد، مع مجالها المحيط، بما يمنحها قدرة كبيرة على أداء دور اقتصادي وطني وإقليمي.
أما مقاطعة الواحات، وعاصمتها أجدابيا، فتضم المجال الممتد نحو واحات جالو وأوجلة واجخرة والكفرة، وترتبط بأهمية استثنائية بسبب الموارد النفطية والمائية، الأمر الذي يجعل إدارتها جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الاقتصادي والمائي للدولة.
وتأتي بعدها مقاطعة خليج السدرة، وعاصمتها سرت، التي تتمتّع بموقع جغرافي يجعلها حلقة وصل بين شرق البلاد وغربها، ويمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في تحقيق التوازن الجغرافي والسياسي بين مكوّنات الدولة.
أما مقاطعة مصراتة، وعاصمتها مصراتة، فتشكّل أحد أهم المراكز الصناعية والتجارية والبحرية في البلاد، بما تمتلكه من قاعدة اقتصادية وميناء وقدرات بشرية وإنتاجية، تجعلها مؤهّلة للاضطلاع بدور محوري في الاقتصاد الوطني.
وتأتي مقاطعة طرابلس، وعاصمتها طرابلس، التي تضم المجال الحضري الأكثر كثافة سكانية، مع بقاء طرابلس عاصمة الدولة الاتحادية ومقر مؤسساتها السيادية. غير أنّ كونها العاصمة لا ينبغي أن يعني احتكارها للإدارة الوطنية أو الموارد العامة، بل تؤدي وظيفة العاصمة الاتحادية ضمن نظام تتوزّع فيه السلطات دستوريًا بين المركز والمقاطعات.
أما مقاطعة جبل نفوسة، وعاصمتها غريان، فتضم المجال الممتد عبر مدن جبل نفوسة وباطنه، وتستند خصوصيتها إلى موقعها الجغرافي وترابطها السكاني والاقتصادي، وإلى الحاجة إلى تنمية متوازنة للمناطق الداخلية.
وتأتي مقاطعة الزاوية، وعاصمتها الزاوية، بما تتمتّع به من موقع تجاري وصناعي مهم، وامتداد ساحلي وحدودي يجعلها ذات أهمية في التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.
وفي الجنوب تأتي مقاطعة سبها، وعاصمتها سبها، التي تمثّل مركزًا عمرانيًا وخدميًا وتجاريًا رئيسيًا للمجال الممتد نحو أوباري والشاطئ وغات، وتؤدي دورًا مهمًا في ربط الجنوب بالشمال.
أما مقاطعة مرزق، وعاصمتها مرزق، فتكتسب أهميتها من موقعها الحدودي، وإمكاناتها النفطية، ودورها المحتمل في إعادة بناء اقتصاد الجنوب وتعزيز أمن الحدود.
وهذه المقاطعات لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى مراكز مغلقة تعيد إنتاج المشكلة نفسها على نطاق أصغر. فجوهر الفيدرالية المكانية أن تكون المقاطعة نفسها قائمة على توزيع داخلي للسلطة، بحيث تتمتّع المدن والبلديات بصلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها، ضمن اختصاصات المقاطعة، ودون أن تتحول عاصمتها إلى مركز مهيمن على بقية المدن.
وبذلك يصبح النظام المقترح متعدد المستويات: اتحاد يختص بالسيادة والمسائل الوطنية الكبرى، ومقاطعات تدير شؤونها الإقليمية، ومدن وبلديات تتمتّع بصلاحيات محلية حقيقية. وهذه البنية هي التي تمنع عودة المركزية في صورة جديدة، وتحوّل القرب من المواطن إلى مبدأ دستوري، لا إلى مجرد شعار إداري.
وعلى المستوى الاتحادي، ينبغي أن تكون الحكومة محدودة الاختصاص، فتتولّى المسائل التي لا يمكن إدارتها بكفاءة إلا على المستوى الوطني، وفي مقدّمتها الدفاع والأمن القومي، والسياسة الخارجية، والجنسية والهجرة، وحماية الحدود، والعملة والسياسة النقدية، والمصرف المركزي، والتجارة الخارجية والجمارك، والقضاء الاتحادي، وإدارة الموارد السيادية التي يحدّد الدستور طبيعتها، والمشروعات الاستراتيجية العابرة للمقاطعات.
أما ما عدا ذلك، فينبغي أن يكون الأصل فيه اختصاص المقاطعات أو المدن والبلديات، أو اختصاصًا مشتركًا بينها وبين الاتحاد، وفق توزيع دستوري واضح. وبهذا لا تصبح الفيدرالية مجرد نقل إداري للصلاحيات، وإنّما إعادة تأسيس للعلاقة بين المواطن والسلطة على قاعدة المسؤولية والمساءلة.
ولا يمكن أن تنجح هذه الصيغة من دون معالجة دستورية لمسألة الثروة. فالموارد الطبيعية، وفي مقدّمتها النفط، ملك لجميع الليبيين، ولا يجوز أن تتحوّل مناطق وجودها أو إنتاجها إلى كيانات مالية مستقلة عن بقية الدولة، كما لا يجوز أن يبقى توزيع عوائدها خاضعًا للمساومات السياسية المتكرّرة.
ولهذا ينبغي أن ينصّ الدستور على معادلة مالية واضحة وشفّافة لتوزيع الإيرادات العامة بين الاتحاد والمقاطعات، بحيث تراعي عدد السكان، والمساحة، ومستوى التنمية، وتكلفة تقديم الخدمات، والظروف الجغرافية والحدودية. وبهذه الطريقة تتحوّل الثروة من مصدر للتنافس على المركز إلى وسيلة لتمويل الوحدة الوطنية وتحقيق التنمية المتوازنة.
ولضمان عدم تحوّل النظام الاتحادي إلى صراع بين المقاطعات، ينبغي كذلك إنشاء برلمان اتحادي ذي غرفتين. تمثّل الغرفة الأولى السكان على أساس ديموغرافي، بحيث يكون التمثيل متناسبًا مع عدد السكان، بينما تمثّل الغرفة الثانية المقاطعات، بحيث تضمن للمقاطعات الأقل سكانًا حماية مصالحها، ومنع طغيان الكثافة السكانية للمقاطعات الكبرى.
وهنا يتحقّق توازن بين مبدأين أساسيين: المواطنون متساوون في الحقوق السياسية، والمقاطعات متساوية في الكرامة الدستورية. وهذا التوازن يمنع الفيدرالية من التحوّل إلى حكم الأغلبية العددية المطلقة، كما يمنع المقاطعات الصغيرة من امتلاك قدرة غير متوازنة على تعطيل الإرادة الوطنية.
وقد يثير طرح الفيدرالية في ليبيا مخاوف مشروعة من احتمال تحوّلها إلى خطوة نحو التفكّك. غير أنّ هذه المخاوف لا ينبغي أن تُحسم بالشعارات، بل بتصميم دستوري يجعل الوحدة الوطنية مصلحة مشتركة لجميع مكوّنات الدولة. فالدولة التي تمنح مناطقها نصيبًا دستوريًا واضحًا من السلطة والثروة والخدمات، وتضمن في الوقت نفسه وحدة الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والسيادة، قد تكون أكثر تماسكًا من دولة شديدة المركزية يشعر فيها جزء من البلاد بأنّه مهمّش أو تابع للمركز.
فالمشكلة ليست في تعدّد مراكز الإدارة، وإنّما في غياب قواعد واضحة لتوزيع السلطة والثروة والمسؤولية. والفيدرالية الناجحة لا تسأل: "من يملك الدولة؟"، وإنّما تسأل: "من يملك أيّ سلطة، وفي أيّ نطاق، وبأيّ ضوابط، وتحت أيّ رقابة دستورية؟".
وهنا تعود فلسفة "دولة المدينة" إلى الظهور، ولكن بصورة مختلفة تمامًا. فالمدينة الحديثة لم تعد دولة مستقلة كما كانت أثينا أو فلورنسا أو البندقية، ولم يعد ممكنًا فصل المدن والمناطق عن الدولة الوطنية في عالم يقوم على الحدود والسيادة والاقتصاد العالمي. لكن روح المدينة السياسية ما زالت قابلة للحياة داخل الدولة الحديثة: المواطنة، والمشاركة، والمسؤولية المحلية، وقرب القرار من المواطن.
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الفيدرالية المكانية باعتبارها امتدادًا حديثًا لتلك الروح؛ فهي لا تعيد دولة المدينة، وإنّما تستخلص منها مبدأً جوهريًا: أن السياسة تصبح أكثر فاعلية كلما اقتربت من المجتمع الذي تُمارس عليه، ما لم تكن طبيعة الاختصاص تستوجب إدارته على المستوى الوطني.
وبذلك لا تعود الجغرافيا الليبية عبئًا على الدولة، ولا تتحوّل المدن إلى مراكز متنافسة على العاصمة أو عواصم الولايات، بل تصبح كل مدينة ومقاطعة جزءًا من معمار وطني واحد، تتكامل فيه المصالح بدل أن تتصارع، وتتوزّع فيه السلطة والثروة والمسؤولية وفق قواعد دستورية معلومة.
إنّ بناء الدولة الليبية لا يحتاج بالضرورة إلى مركز أقوى، ولا إلى استبدال مركزية بأخرى، وإنّما يحتاج إلى دولة أكثر توازنًا، وأكثر تعدّدًا في مراكز القرار، وأقرب إلى مواطنيها؛ دولة يعرف فيها المركز حدوده، وتعرف فيها المقاطعة اختصاصاتها، وتعرف فيها المدن والبلديات حقوقها، ويعرف فيها المواطن الجهة المسؤولة عن حقوقه وخدماته.
وعندها تتحوّل المدينة من حاشية تنتظر ما تجود به العاصمة إلى حجر زاوية في بناء الدولة الوطنية، وتتحوّل الفيدرالية من هاجس تقسيم إلى أداة لإعادة توزيع السلطة والثروة والمسؤولية على أساس المكان، مع الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها.
وهنا تكمن فلسفة "الفيدرالية المكانية": ليست تفكيك الدولة الوطنية، ولا نقل مركزيتها من العاصمة إلى عاصمة ولاية، بل إعادة هندستها بحيث تصبح السلطة أقرب إلى المجتمع، والتنمية أقرب إلى المكان، والوحدة الوطنية نتيجةً للتوازن، لا ثمرةً للإكراه المركزي.



اضف تعليق