الشرق الأوسط ليس مجرد مساحة جغرافية متجاورة، بل هو فضاء بشري تتداخل فيه المصالح... وتعتمد هذه الرؤية على ثلاثية تبدأ بالإنسان أولاً؛ فالمواطنة مجال المساواة والهوية مجال التعدد، والمصلحة المشتركة تحول السلام إلى ضرورة اقتصادية، والأمن المشترك يبحث عن ترتيبات تجعل زيادة أمن طرف ممكنة من دون رفع تهديد الآخر...
ليس الشرق الأوسط مجرد مساحة جغرافية تتجاور فيها دول وشعوب مختلفة، وليس قدره أن يبقى ساحة مفتوحة للصراعات والحروب والتحالفات المتغيرة. إنه فضاء بشري وحضاري تتشابك فيه حياة مئات الملايين من البشر، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والبيئية، بحيث لم يعد ممكنًا لأي دولة فيه أن تبني أمنها وازدهارها بمعزل عن بقية دول المنطقة.
ومن هنا أقترح النظر إلى مستقبل الشرق الأوسط من خلال ثلاثية مترابطة: المواطنة الشرق أوسطية، وفضاء المصالح المشتركة، ومنظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك.
هذه الثلاثية لا تقترح دولة شرق أوسطية واحدة، ولا تدعو إلى إلغاء الدول الوطنية أو الهويات القومية والدينية والثقافية، ولا تفترض إزالة الخلافات السياسية القائمة. إنها تنطلق، على العكس، من الاعتراف بالتعدد بوصفه حقيقة تاريخية واجتماعية، ثم تسأل: كيف يمكن تحويل هذا التعدد من مصدر دائم للصراع والهدر إلى إطار للتعارف والتعاون والمراكمة الحضارية؟
الإنسان قبل المكان والهوية
تبدأ الثلاثية من حقيقة تبدو بسيطة، لكنها عميقة الدلالة: الإنسان هو الإنسان في كل مكان. فالإنسان في العراق ليس نوعًا من البشر مختلفًا عن الإنسان في إيران، والإنسان في إيران ليس مختلفًا في إنسانيته عن الإنسان في تركيا أو سوريا أو السعودية أو مصر أو باكستان او فلسطين الكبرى أو أي مكان آخر. الذي يختلف هو المكان الذي يعيش فيه الإنسان، والدولة التي يحمل جنسيتها، واللغة التي يتكلم بها، والثقافة التي ينتمي إليها، والدين أو المذهب الذي يعتنقه، والتجربة التاريخية والاجتماعية التي تشكل جانبًا من هويته.
أما كلمة «الإنسان» نفسها فتشير إلى المشترك الأول والأعمق الذي يسبق هذه الاختلافات جميعًا.
فالإنسان، أينما كان، كائن ذو كرامة وحاجات وقدرات وتطلعات؛ يريد الأمن، ويبحث عن الغذاء والمسكن والصحة والتعليم، ويتطلع إلى الحرية والعدالة والاحترام، ويحب ويخاف ويأمل ويتألم، ويعمل من أجل نفسه وأسرته، ويسعى، بدرجات وصور مختلفة، إلى حياة يراها أفضل. ومن منظور الفلسفة الحضارية، لا ينبغي أن تتحول الصفات اللاحقة للإنسان إلى حواجز تحجب الحقيقة السابقة عليها: أننا نتحدث أولًا عن الإنسان.
ولهذا يمكن صياغة إحدى القواعد المؤسسة لهذه الرؤية بالقول: الإنسان واحد في إنسانيته، متعدد في هوياته وأمكنة وجوده وانتماءاته.
وحدة الإنسان لا تعني إلغاء اختلافاته، كما أن اختلاف هوياته لا يلغي وحدة إنسانيته. وهذه النقطة هي المدخل الضروري لفهم المواطنة الشرق أوسطية؛ لأنها لا تريد صناعة «إنسان شرق أوسطي» جديد، وإنما تريد بناء فضاء يستطيع فيه الإنسان الموجود في هذه المنطقة أن يرى في الإنسان الموجود في الدولة الأخرى شريكًا في الإنسانية قبل أن يراه حاملًا لهوية قومية أو دينية أو سياسية مختلفة.
الإنسان: المواطنة الشرق أوسطية
فالإنسان في العراق وإيران وتركيا وسوريا والسعودية ومصر وباكستان وغيرها من دول المنطقة يعيش داخل دول وطنية مختلفة، ويحمل هويات قومية ودينية وثقافية متعددة، لكنه يعيش أيضًا داخل فضاء إقليمي واحد تتداخل فيه آثار الحرب والسلام والاقتصاد والبيئة والمياه والطاقة والهجرة والتجارة.
ومن هنا تنشأ فكرة المواطنة الشرق أوسطية بوصفها مستوى إضافيًا من الانتماء والحقوق والمسؤوليات، لا بديلًا عن المواطنة الوطنية.
ويمكن اختصار القاعدة التي تقوم عليها هذه الفكرة بالقول: المواطنة مجال المساواة، والهوية مجال التعدد.
ليس مطلوبًا من العربي أن يتخلى عن عروبته، ولا من الكردي عن كرديته، ولا من التركي أو الفارسي أو البلوشي عن هويته، ولا من المسلم أو المسيحي أو غيرهما عن معتقده. المطلوب بناء فضاء يستطيع فيه المختلفون أن يحتفظوا بهوياتهم، بينما يلتقون في مجال مشترك من الحقوق والمصالح والمسؤوليات.
فالمواطنة الشرق أوسطية، بهذا المعنى، لا تقوم على إزالة الحدود النفسية والثقافية بالقوة، وإنما على إعادة ترتيب العلاقة بين المشترك الإنساني والتعدد الهوياتي: المشترك الإنساني يؤسس المساواة، والتعدد الهوياتي يثري المجال الحضاري.
والشرق الأوسط لن يصبح أكثر استقرارًا بمجرد عقد الاتفاقات بين حكوماته إذا ظل الإنسان نفسه غريبًا عن الإنسان الذي يعيش وراء الحدود.
المصلحة: فضاء المصالح المشتركة
لكن المواطنة وحدها لا تكفي. فالمشروعات الإقليمية لا تعيش بالشعارات، وإنما تحتاج إلى مصالح حقيقية يشعر الإنسان والدولة بأن حمايتها وتنميتها أفضل من تبديدها في الصراع. وهنا يأتي الضلع الثاني: فضاء المصالح المشتركة.
فالشرق الأوسط يملك شبكة هائلة من المصالح المتداخلة: الطاقة، والمياه، والتجارة، والموانئ، والممرات البحرية والبرية، والنقل، والاستثمار، والأمن الغذائي، والبيئة، والتكنولوجيا، والاتصالات، وسلاسل التوريد، ومواجهة الكوارث والتغير المناخي.
والمفارقة أن المنطقة التي تتقاسم كل هذه المصالح ما زالت تنفق قدرًا هائلًا من قدراتها في إدارة الصراع أكثر مما تنفقه في تنظيم التعاون.
ليس المطلوب أن تتفق دول الشرق الأوسط على كل شيء حتى تتعاون. وقد يكون انتظار الاتفاق السياسي الشامل وصفة لاستمرار الانتظار إلى ما لا نهاية. المطلوب اكتشاف المجالات التي توجد فيها مصلحة مشتركة قابلة للبناء والمراكمة. وبهذا يتحول السؤال من: أين نختلف؟ إلى: ما الذي نستطيع أن ننجزه معًا رغم اختلافنا؟ وحين تصبح المصالح المشتركة واسعة وعميقة ومتشابكة، ترتفع كلفة الحرب وينمو العائد المتحقق من الاستقرار. وهنا تتحول المصلحة نفسها إلى قوة دافعة للسلام.
الأمن: منظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك
أما الضلع الثالث فهو الأمن. لقد بُني جانب كبير من التفكير الأمني في الشرق الأوسط على سؤال: من عدونا؟ ومن هذا السؤال تشكلت محاور وتحالفات واستقطابات كثيرة. لكن بناء مستقبل مختلف للمنطقة يقتضي إضافة سؤال آخر أكثر قدرة على فتح أبواب التعاون: ماذا نحمي؟ نحمي الإنسان، والدولة، والسيادة، والمدن، والمياه، والطاقة، والممرات التجارية، والاستثمارات، والبنية التحتية، والبيئة، والاقتصاد، ومستقبل الأجيال.
ومن هنا تأتي فكرة منظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك. وقد يتيح اتفاق مكة فرصة عملية للتفكير في هذا الاتجاه إذا لم يُحصر في كونه تحالفًا دفاعيًا مغلقًا أو محورًا موجهًا ضد دولة بعينها. فقيمته التاريخية المحتملة لا تكمن فقط في عدد الدول التي وقعت عليه، وإنما في إمكان أن يشكل نواة قابلة للتوسع والتطور باتجاه منظومة أمن إقليمية أرحب.
لكن ذلك يقتضي الانتقال من مفهوم أمن الحلفاء في مواجهة الخصوم إلى مفهوم الأمن المشترك للدول التي تعيش في فضاء واحد.
فالأمن المستدام لا يتحقق حين يشعر طرف بأنه أصبح أكثر أمنًا لأن الطرف الآخر أصبح أكثر خوفًا. هذه معادلة تنتج سباقات تسلح وتحالفات مضادة، ثم تعيد إنتاج الخوف نفسه. أما الأمن المشترك فيبحث عن ترتيبات تجعل زيادة أمن طرف ممكنة من دون أن تعني بالضرورة زيادة تهديد الطرف الآخر.
العلاقة بين الأضلاع الثلاثة
هنا تظهر أهمية النظر إلى الأفكار الثلاث لا بوصفها مشروعات منفصلة، وإنما بوصفها أجزاء مترابطة من بناء واحد. المواطنة الشرق أوسطية تجعل الإنسان شريكًا في الفضاء الإقليمي. وفضاء المصالح المشتركة يجعل التعاون ذا قيمة مادية محسوسة. ومنظومة الأمن المشترك توفر البيئة التي تستطيع فيها المواطنة والمصالح أن تنموا وتتراكما.
فلا مواطنة إقليمية قابلة للحياة إذا لم يلمس الإنسان مصالح حقيقية من ورائها، ولا مصالح مشتركة قابلة للمراكمة في فضاء تهدده الحروب بصورة دائمة، ولا أمن مستدام إذا بقي الإنسان والمجتمع والمصلحة الاقتصادية خارج المعادلة الأمنية.
إنها، باختصار، ثلاثية:
الإنسان: المواطنة الشرق أوسطية.
المصلحة: فضاء المصالح المشتركة.
الأمن: منظومة الأمن الشرق أوسطي المشترك.
لكن ترتيب هذه الكلمات ليس اعتباطيًا. فالإنسان يأتي أولًا، لأن المصلحة في النهاية مصلحة الإنسان، والأمن في النهاية أمن الإنسان. والدولة والاقتصاد والمؤسسة والتحالف أدوات ينبغي أن تُقاس قيمتها بما تضيفه إلى قدرة الإنسان على أن يعيش حياة آمنة وكريمة ومنتجة.
من إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل
عانى الشرق الأوسط طويلًا من استنزاف الإنسان والأرض والزمن والعلم والعمل في الصراعات والحروب والانقسامات. وهذا، بمنظور الفلسفة الحضارية، شكل واسع من أشكال الهدر الحضاري؛ لأن الموارد التي كان يمكن تحويلها إلى علم وإنتاج وعمران ورفاه وقوة حضارية استُهلك جانب كبير منها في الصراع وإعادة بناء ما دمره الصراع.
ولهذا فإن الانتقال إلى فضاء إقليمي للمواطنة والمصالح والأمن ليس مجرد مشروع دبلوماسي. إنه انتقال من منطق الهدر إلى منطق المراكمة. ولا يعني ذلك تصور شرق أوسط بلا خلافات. فهذا غير واقعي. إنما يعني بناء مؤسسات وقواعد ومصالح تجعل إدارة الخلاف أقل كلفة من تحويله إلى صراع، وتجعل التعاون أكثر نفعًا من القطيعة، والسلام أكثر إنتاجًا من الحرب.
ومن هنا لا أطرح «ثلاثية الشرق الأوسط» باعتبارها مخططًا سياسيًا جاهزًا، وإنما باعتبارها إطارًا للتفكير والعمل: يبدأ بالإنسان، ويتجسد في المصلحة، وتحميه منظومة للأمن المشترك. وقد تكون البداية متواضعة: اتفاق أمني يتوسع، مشروع اقتصادي عابر للحدود، شبكة نقل، تعاون في المياه والطاقة، تسهيلات للحركة، مؤسسة للحوار الإقليمي. لكن الحضارات لا تُبنى بقفزة واحدة. إنها تُبنى بالتراكم. والسؤال الذي يواجه شعوب المنطقة ودولها ليس ما إذا كانت مختلفة؛ فهذا أمر محسوم. السؤال هو: هل تستطيع هذه الشعوب والدول أن تجعل اختلافها قابلًا للحياة المشتركة؟ هنا تبدأ ثلاثية الشرق الأوسط. وهنا يمكن أن يبدأ الانتقال من شرق أوسط يدير صراعاته إلى شرق أوسط يصنع مستقبله.



اضف تعليق