يكون المجتمع صامتًا لأنه خائف، وأحيانًا لأنه متعب، وأحيانًا لأنه فقد الثقة في قدرة السياسة على تغيير حياته. وهنا تكمن مسؤولية الوعي. فالشعب لا يستعيد حريته بمجرد أن يكره السلطة، وإنما حين يستعيد قدرته على التفكير خارج حدود الخوف الذي زرعته السلطة في داخله. فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها...
في الفلسفة السياسية، تبدو السلطة، في أصل نشأتها الحديثة، ثمرة لنضال الجماعة من أجل تنظيم حياتها وحماية وجودها وصيانة حقوقها. فالحكومات، في صورتها المثالية، لا تنشأ لتكون فوق المجتمع، بل لتكون تعبيرًا عن إرادته، والسياسيون ليسوا سوى أبناء ذلك المجتمع، يحملون في بداياتهم ذاكرته وآلامه ومطالبه، وينهلون من النبع ذاته الذي ينهل منه الناس.
غير أن المأساة تبدأ حين ينفصل هذا الابن عن النبع الذي أنجبه، وحين تتحول السلطة من أداة لخدمة المجتمع إلى بنية مستقلة عنه، تنظر إليه لا بوصفه مصدر شرعيتها، بل بوصفه موضوعًا لإدارتها وسيطرتها. هنا يتحول النبع المشترك إلى نهرين منفصلين: شعب يجرع كأس العوز والانتظار والهوان، وسياسة تجرع كأس الامتياز والنفوذ والحصانة.
تاريخيًا، لم تولد السلطة السياسية من فراغ. كثيرًا ما كانت ثمرة كفاح طويل، وتضحيات جماعية، ودماء سالت من أجل الحرية والكرامة والاعتراف بالإنسان. وفي اللحظات التأسيسية، كان السياسي يبدو امتدادًا طبيعيًا للجماعة، لسانًا لمطالبها، وصوتًا لآلامها، وحاملًا لذاكرتها. لكن المفارقة المأساوية أن السلطة، بعد أن تستقر، قد تنقلب على اللحظة التي أنجبتها؛ فيتحول من كان صوت الشعب إلى وصي عليه، ومن كان جزءًا من معاناته إلى جزء من امتيازاته، ومن كان يطالب بالكرامة إلى من يوزعها كما لو كانت منحة شخصية. ومن هنا يظهر السؤال الفلسفي الأعمق: كيف يتحول ابن الشعب، بمجرد جلوسه على كرسي السلطة، إلى سلطة فوق الشعب؟
لا تكمن الإجابة في فساد الفرد وحده، ولا في ضعف أخلاق السياسي فحسب، بل في طبيعة السلطة حين تتحول من وظيفة عامة إلى مصلحة ذاتية. فالسلطة لا تغير الإنسان فقط؛ إنها قد تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين. وحين تغيب الرقابة والمساءلة، وتفرغ المؤسسات من مضمونها، يبدأ الحاكم في رؤية بقاء السلطة بوصفه بقاءً لذاته، ويرى في النقد تهديدًا، وفي الاختلاف خطرًا، وفي المواطن المستقل مصدرًا محتملًا لعدم الطاعة. عندها يحدث الانقلاب الحقيقي: لا يعود السياسي يرى نفسه خادمًا للسلطة العامة، بل تصبح السلطة خادمة لبقائه، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها أكل الأبناء.
في عدد من التجارب السياسية المعاصرة في الشرق الأوسط، لم تعد السلطة تعبّر بصورة صادقة عن إرادة المجتمع، بل تحولت إلى منظومات مغلقة تستطيع أن تحمي نفسها من الأزمات التي يعيشها المواطن. فبينما يواجه الناس الفقر والبطالة، وأزمات الماء والكهرباء والوقود والسكن والرواتب والأمن والاستقرار، فضلًا عن أزمات المواطنة والإعلام والوعي والخدمات، تبقى قطاعات واسعة من النخب السياسية محصنة داخل دوائر الامتياز والنفوذ والمصالح المتشابكة.
المشكلة هنا ليست في وجود الأزمات وحدها؛ فالأزمات يمكن أن تصيب أكثر الدول تقدمًا، وإنما في كيفية توزيع عبء الأزمة. حين يتحمل المواطن وحده كلفة الفشل السياسي والاقتصادي، بينما تبقى الطبقة الحاكمة محمية من نتائجه، تتحول الأزمة من خلل عابر إلى بنية اجتماعية غير عادلة، وهنا يظهر مفهوم اقتصاد الإذلال.
فالإذلال السياسي لا يعني فقط إهانة المواطن أو انتهاك كرامته بصورة مباشرة، وإنما يعني أن يعيش الإنسان في حالة احتياج دائم إلى السلطة من أجل الحصول على ما يُفترض أنه حق له. حين تصبح الوظيفة منحة، والراتب وسيلة للولاء، والخدمة العامة امتيازًا، والسكن مرتبطًا بالنفوذ، والأمن مكافأة، والمواطنة علاقة قرب من أصحاب القرار، فإن الدولة لا تعود تدير الحقوق، بل تبدأ بإدارة حاجات الناس إليها. وأخطر ما تفعله السلطة بالمواطن ليس أن تسلبه حقًا، بل أن تجعله يطلب حقه كما لو كان منحة.
في هذه النقطة يتحول الفقر من مشكلة اقتصادية إلى علاقة سياسية، ويتحول الاحتياج من حالة اجتماعية إلى وسيلة للسيطرة. فالإنسان الذي يخشى فقدان راتبه لا يستطيع أن يكون حرًا تمامًا، والذي يخشى فقدان وظيفته لا يستطيع أن يقول "لا" بسهولة، والذي يحتاج إلى واسطة للحصول على حقه يتعلم تدريجيًا أن الحقوق لا تُستحق، بل تُستجدى. وهكذا لا يحتاج الاستبداد دائمًا إلى السجن والعنف المباشر؛ يكفي أحيانًا أن يجعل الإنسان خائفًا من خسارة القليل الذي يملكه.
لهذا فإن اقتصاد الإذلال هو، في جوهره، اقتصاد لإنتاج التبعية. إنه يجعل المواطن متعلقًا بالسلطة حتى عندما يكرهها، وخائفًا منها حتى عندما يدرك ظلمها، ومحتاجًا إليها حتى عندما يعرف أنها سبب جزء من أزماته. وبذلك تصبح السلطة قادرة على إعادة إنتاج نفسها ليس بالقوة وحدها، وإنما عبر إنتاج شروط اجتماعية تجعل الخضوع يبدو أحيانًا أكثر أمانًا من الحرية.
وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات السياسة إيلامًا: قد لا يحتاج الحاكم إلى إقناع المواطن بأنه عادل؛ يكفيه أن يقنعه بأن مقاومته أكثر كلفة من الخضوع له. ومن هذه الزاوية، لا تكون الدولة مجرد مؤسسات وقوانين، بل تصبح أيضًا طريقة في تنظيم حياة الإنسان وعلاقته بالخوف والكرامة والحق. فالإنسان لا يُستعبد فقط حين تُقيد حركته، وإنما حين يفقد القدرة على تصور نفسه بوصفه صاحب حق مستقل عن رضا السلطة. وهذا هو البعد الوجودي للمسألة.
فالكرامة ليست رفاهية سياسية، وليست قيمة تجميلية يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل المشكلات الاقتصادية، إنها شرط أولي لوجود الإنسان بوصفه ذاتًا حرة. وحين يُجبر الإنسان على أن يستأذن كي يعمل، وأن يشكر كي يحصل على حقه، وأن يصمت كي يأمن، وأن يساوم على كرامته كي يحافظ على مصدر رزقه، فإن السلطة لا تكون قد سيطرت على سلوكه فقط، بل تكون قد بدأت بإعادة صياغة علاقته بذاته وبالعالم. عندها يصبح الإذلال أكثر من ممارسة سياسية؛ يصبح نمطًا في إنتاج الإنسان المطيع.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض الحلول السياسية شديدة السذاجة أمام أزمات عميقة تمس العدالة والحرية والكرامة والخبز اليومي. فالمشكلة ليست دائمًا في نقص الخبرة أو غياب الإمكانات، وإنما في أن السلطة قد تفقد الحافز الحقيقي لإنتاج حل جذري إذا كان استمرار الأزمة يوفر لها أدوات إضافية للسيطرة. الحل المؤقت قد يصبح أكثر فائدة للسلطة من الحل النهائي؛ فالوظيفة المؤقتة تبقي الموظف محتاجًا، والمنحة المؤقتة تبقي المواطن منتظرًا، والمعالجة الجزئية تبقي الأزمة قائمة، والخطاب السياسي المؤجل يبقي المستقبل رهينة للوعود. وبذلك تتحول الأزمة من شيء ينبغي إنهاؤه إلى مورد سياسي يمكن استثماره.
إن السلطة التي تستفيد من الأزمة لا تنظر إليها باعتبارها فشلًا يجب تجاوزه، بل قد تنظر إليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باعتبارها فرصة لإعادة توزيع الولاءات وترسيخ النفوذ. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل تستطيع السلطة أن تحل أزمة أنتجت لها جزءًا من شرعيتها؟
في هذه الحالة، لا يعود المواطن أمام سلطة تخدمه، بل أمام سلطة تعيش جزئيًا على استمرار حاجته إليها. وهذا يفسر أيضًا لماذا تتحول بعض النخب السياسية، مع مرور الوقت، من خادمة للمجتمع إلى طبقة منفصلة عنه. إنها لا تعيش الأزمة نفسها، ولا تستخدم الخدمات نفسها، ولا تواجه المخاطر نفسها، ولا تنتظر الراتب بالطريقة نفسها التي ينتظره بها المواطن. وبمجرد أن تنفصل التجربة اليومية لصاحب القرار عن التجربة اليومية للمجتمع، يبدأ انقطاع السلطة عن الواقع.
فالسياسي الذي لا يعيش الخوف الذي يعيشه المواطن، ولا الانتظار الذي يعيشه الموظف، ولا العجز الذي يعيشه العاطل، قد يفقد تدريجيًا القدرة على فهم المجتمع الذي يحكمه. وهنا لا يعود الانفصال مجرد مسافة اجتماعية؛ بل يتحول إلى انفصال وجودي بين من يملك القرار ومن يتحمل نتائجه. ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في أن السلطة تملك أكثر، وإنما في أنها تستطيع أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن ما تفعله هي.
إن السلطة، حين تفقد حساسيتها الأخلاقية، تتحول من أداة لتنظيم الحياة المشتركة إلى جهاز لإدارة الفوارق بين من يملك ومن لا يملك، بين من يستطيع أن يرفض ومن لا يستطيع، بين من يحتمي بالقانون ومن يحتاج إلى صاحب نفوذ كي يحميه. وهنا تصبح المواطنة نفسها غير متساوية. قد يتساوى الناس أمام النصوص، لكنهم لا يتساوون بالضرورة أمام القوة، وقد تكون الحقوق مكتوبة في الدساتير، لكنها تفقد معناها حين يحتاج صاحب الحق إلى وسيط كي يحصل عليها. فالمواطنة الحقيقية ليست أن تكون لك حقوق مكتوبة فحسب، وإنما أن تستطيع ممارسة هذه الحقوق دون خوف ودون إذلال ودون أن تتحول إلى تابع لمن يمنحك إياها.
ومن هنا فإن مقاومة الاستبداد لا تبدأ فقط من تغيير الحاكم، وإنما من إعادة تعريف علاقة الإنسان بالحق؛ أن يفهم المواطن أن الوظيفة ليست فضلًا من السياسي، وأن الراتب ليس هدية، وأن الخدمة العامة ليست منّة، وأن الحرية ليست مكافأة، وأن الكرامة ليست امتيازًا يمنحه الأقوى للأضعف. إنها حقوق سابقة على السلطة نفسها. ولهذا فإن السلطة التي تنسى أصلها تقع في مفارقة تاريخية كبرى: فهي تحاول حماية وجودها بواسطة القوة، بينما أصل وجودها كان المجتمع، وتحاول أن تجعل نفسها فوق الشعب، بينما شرعيتها المفترضة مستمدة منه، وتحاول أن تجعل الخوف أساسًا للاستقرار، بينما الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم طويلًا على الخوف. فالخوف قد يصنع الصمت، لكنه لا يصنع الشرعية، وقد يصنع الطاعة، لكنه لا يصنع الانتماء، وقد يؤجل الانفجار، لكنه لا يحل أسباب الغضب.
ولهذا لا ينبغي أن نخطئ في فهم صمت المجتمعات، فالصمت ليس دائمًا قبولًا، والخضوع ليس دائمًا رضا، والاستقرار الظاهري لا يعني بالضرورة وجود عقد اجتماعي سليم. أحيانًا يكون المجتمع صامتًا لأنه خائف، وأحيانًا لأنه متعب، وأحيانًا لأنه فقد الثقة في قدرة السياسة على تغيير حياته. وهنا تكمن مسؤولية الوعي. فالشعب لا يستعيد حريته بمجرد أن يكره السلطة، وإنما حين يستعيد قدرته على التفكير خارج حدود الخوف الذي زرعته السلطة في داخله. فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش أيضًا حين يعتاد الناس وجوده، وحين يصبح الظلم مألوفًا، والخوف طبيعيًا، والفساد قدرًا، والامتياز حقًا مكتسبًا للحاكم.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: متى يسقط الحاكم؟ بل: متى يسقط المعنى الذي يجعل الخضوع للحاكم أمرًا طبيعيًا؟ حين يستعيد الإنسان وعيه بأنه مواطن لا تابع، وصاحب حق لا طالب منحة، وذاتًا سياسية لا مجرد رقم في سجلات الدولة، تبدأ العلاقة بين السلطة والمجتمع في التغير. عندها فقط يمكن أن يعود النهر إلى النبع.
فالسلطة لم تُخلق كي تبتلع المجتمع، ولم يولد السياسي كي يصبح سيدًا على من أنجبوه. وكل سلطة تنسى أصلها تتحول في النهاية إلى سلطة تأكل أبناءها؛ لأنها حين تنفصل عن المجتمع تفقد المعنى الأخلاقي لوجودها، وحين تجعل الإذلال وسيلة للحكم، فإنها لا تحافظ على الاستقرار، بل تؤجل أزمتها. والتاريخ لا يضمن أن الظلم يزول لمجرد أنه ظلم؛ فكثيرًا ما يطول عمره لأن الخوف يعيد إنتاج نفسه في وعي المظلومين، ولأن الإنسان قد يعتاد القيد إلى درجة يخشى معها فقدانه أكثر مما يخشى بقاءه. لهذا لا يبدأ سقوط الاستبداد حين يضعف الحاكم، بل حين يفقد الخوف قدرته على تفسير العالم، وحين يستعيد الإنسان حقه في أن يرى الحقيقة من دون إذن، وأن يقول "لا" من دون أن يشعر بأنه يرتكب جريمة.



اضف تعليق