هل ما زال العراقيون يعيشون في الكوفة؟ بل السؤال الأكثر أهمية: هل بقيت في الاجتماع العراقي بعض البنى الثقافية والسياسية، التي تجعل أنماطاً معينة من التفكير والممارسة قابلة للتكرار، حتى بعد أن تغيرت الدولة والمجتمع والاقتصاد والأيديولوجيات؟ وهنا تبدأ عملية الحفر ...
حين نتحدث عن الأزمات السياسية والاجتماعية التي عاشها العراق وما يزال يعيشها، فإننا غالباً ما نذهب إلى تفسيرها من خلال الأحداث القريبة: الاحتلال، بناء الدولة بعد 2003، الطائفية السياسية، ضعف المؤسسات، الصراع على السلطة، التدخلات الخارجية، أو فساد النخب السياسية. وكل هذه التفسيرات لها أهميتها، لكنها تظل عاجزة عن الإجابة عن سؤال أعمق: لماذا تبدو بعض الأنماط السياسية والاجتماعية وكأنها تعود إلى الظهور في مراحل تاريخية مختلفة، رغم تغير الأشخاص والأنظمة والظروف؟.
من هنا تأتي الحاجة إلى ما يمكن تسميته «الحفر المعرفي» في البيئة الاجتماعية العراقية؛ أي العودة إلى طبقات أعمق من الوعي والتكوين الاجتماعي، للبحث عن البنى التي يمكن أن تساعدنا في فهم بعض السلوكيات التي تتكرر، لا بوصفها قدراً تاريخياً محتوماً، وإنما بوصفها أنماطاً ثقافية واجتماعية قابلة لإعادة الإنتاج.
وليس اختيار الكوفة عودة رومانسية إلى الماضي، ولا محاولة لإثبات أن العراقي المعاصر هو «كوفي» بالمعنى الحرفي للكلمة، فهذا سيكون تبسيطاً للتاريخ وإساءة إلى المنهج. إنما تعود أهمية الكوفة إلى أنها كانت واحدة من أكثر البيئات الاجتماعية والسياسية كثافة في التاريخ العراقي المبكر، وفيها تداخلت القبيلة والعقيدة والسياسة والسلطة والاقتصاد والهوية والصراع على الشرعية بصورة استثنائية.
كانت الكوفة مدينة جديدة نشأت في سياق الفتح الإسلامي، واستقبلت جماعات وقبائل عربية متعددة، ولا سيما من اليمن والحجاز، ثم أصبحت سريعاً مركزاً سياسياً وعسكرياً وفكرياً بالغ التأثير. وفيها لم تكن السياسة نشاطاً منفصلاً عن المجتمع، بل كانت متداخلة مع البنية القبلية والدينية والرمزية ومع علاقات القوة والمصالح.
ولهذا فإن العودة إلى الكوفة لا تعني البحث عن «صفات ثابتة» في الإنسان العراقي، وإنما البحث عن كيفية تشكل اجتماع سياسي معين، وكيف أنتج هذا الاجتماع أنماطاً من التفكير والممارسة يمكن أن نفهم من خلالها بعض جذور الظواهر التي ستظهر لاحقاً في التاريخ العراقي.
فالذي يستحق الدراسة ليس فقط ما حدث في الكوفة، وإنما الكيفية التي كان المجتمع يتعامل بها مع السلطة، ومع الشرعية، ومع الاختلاف، ومع الهزيمة، ومع الزعامة، ومع فكرة العدالة. هل كان الاختلاف يتحول بسهولة إلى انقسام؟ وهل كانت الزعامة السياسية قادرة على إنتاج مؤسسة مستقرة، أم أنها كانت تميل إلى التمركز حول الأشخاص والجماعات؟ وكيف تحولت بعض المقولات العقدية والفكرية إلى مواقف سياسية وصراعات على السلطة؟.
هذه الأسئلة تجعل الكوفة مختبراً تاريخياً مهماً لدراسة العلاقة بين الاجتماع والسياسة في العراق. لكن الأهم أن التاريخ لا ينتقل من جيل إلى جيل بالدم أو بالجينات، وإنما يمكن أن تنتقل بعض أنماطه عبر الذاكرة والثقافة والرموز وطرق التنشئة والبنى القرابية والسياسية. وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم «الهابيتوس» عند بيير بورديو، ومن دراسات الذاكرة الجمعية والأنثروبولوجيا السياسية، لفهم الطريقة التي تتحول بها الخبرات التاريخية المتراكمة إلى استعدادات ذهنية وسلوكية تبدو في بعض الأحيان طبيعية وتلقائية.
وبهذا المعنى فإن «النمط الكوفي» الذي نبحث عنه ليس شخصية عراقية أزلية، ولا قانوناً يفسر كل شيء، وإنما نموذج تحليلي يساعدنا على اكتشاف بعض العلاقات بين البيئة الاجتماعية والسلوك السياسي.
إن السؤال إذن ليس: هل ما زال العراقيون يعيشون في الكوفة؟ بل السؤال الأكثر أهمية: هل بقيت في الاجتماع العراقي بعض البنى الثقافية والسياسية، التي تجعل أنماطاً معينة من التفكير والممارسة قابلة للتكرار، حتى بعد أن تغيرت الدولة والمجتمع والاقتصاد والأيديولوجيات؟ وهنا تبدأ عملية الحفر .



اضف تعليق