تواجه كوردستان العراق أزمة تتجاوز تعثر تشكيل الحكومة إلى ضعف وحدة القرار وتراجع فاعلية المؤسسات وتعدد مراكز القوة وتعقّد العلاقة مع بغداد، مع أزمات الرواتب والوقود والبيشمركة والموارد. ويرى المقال أن استمرار الانقسام يهدد وظيفة الكيان السياسي وثقة المواطنين، وأن المعالجة تتطلب حكومة قادرة، ومعارضة بمشروع، ومؤسسات موحدة، واقتصادًا...
لم تعد الأزمة التي يعيشها إقليم كوردستان العراق مجرد أزمة تشكيل حكومة جديدة، ولا خلافًا عابرًا بين الأحزاب حول توزيع المقاعد والوزارات والمواقع؛ فلو كانت المشكلة محصورة في تشكيل الحكومة، لكان من الممكن التعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من العملية السياسية، مهما طال التفاوض حولها. لكن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو أن أزمة تشكيل الحكومة جاءت في سياق أوسع تتراكم فيه أزمات السياسة والاقتصاد والأمن والعلاقة مع بغداد والثقة الشعبية، بحيث أصبح كل ملف ينتج أثرًا في ملف آخر.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: متى تتشكل الحكومة؟ بل: ما طبيعة الكيان السياسي الذي ستديره هذه الحكومة، وما مقدار القرار الذي ما زال يمتلكه، وما المشروع الذي تستطيع تقديمه لشعب يزداد شعوره بالقلق واليأس؟
إن الصراع على تشكيل الحكومة يكشف في جوهره مشكلة تتجاوز توزيع المقاعد؛ فعندما يصبح التفاوض منصبًا بصورة أساسية على الحصص والمناصب والنفوذ، تتحول الحكومة من مؤسسة يُفترض أن تكون أداة لإدارة المصلحة العامة إلى مساحة لتوزيع القوة بين الأحزاب؛ والنتيجة المباشرة هي أن تشكيل الحكومة يصبح هدفًا بحد ذاته، بينما يتراجع السؤال المتعلق بما ستفعله هذه الحكومة بعد تشكيلها. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل يجري التنافس على السلطة من أجل بناء مؤسسات أكثر كفاءة، أم أن المؤسسات نفسها أصبحت مجالًا لإعادة توزيع النفوذ السياسي؟ فالحكومة التي تولد من صراع طويل على المقاعد قد تجد نفسها منذ اليوم الأول مقيدة بالتوازنات التي أنتجتها، وعندها تصبح قدرتها على اتخاذ قرارات صعبة ومستقلة محدودة بطبيعة الاتفاق الذي قامت عليه.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن طبيعة العلاقة بين القوى السياسية الكوردية وبغداد؛ فالعلاقة مع الحكومة الاتحادية ليست في حد ذاتها مشكلة، بل هي جزء من النظام الدستوري والسياسي الذي يُفترض أن ينظم العلاقة بين الإقليم وبغداد. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع الإقليم إنتاج موقف موحد في القضايا التي تمس حقوقه ومصالحه وموقعه الدستوري؛ وحين تصبح حسابات بعض القوى السياسية مرتبطة بصورة أقوى بمصالحها الحزبية وعلاقاتها الخاصة مع بغداد من ارتباطها بموقف كوردستاني مشترك، فإن الموقف التفاوضي للإقليم يضعف تلقائيًا، لا سيما أن قوات التحالف التي يتمسك الإقليم بها على وشك الخروج من العراق والإقليم – احتمال خطر قادم –؛ وذلك ما سيفرض واقعًا جديدًا. فبغداد، إذا استمرت الأوضاع كما هي الآن، لا تعود تتعامل بالضرورة مع كيان سياسي يتحدث بصوت واحد، بل مع بيئة سياسية متعددة المواقف يمكن أن تتحول خلافاتها الداخلية إلى عناصر ضغط في التفاوض.
وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات المرحلة الراهنة: تراجع وحدة القرار. فالكيان السياسي لا يُقاس فقط بوجود حكومة وبرلمان وحدود ومؤسسات رسمية، وإنما يُقاس أيضًا بقدرته على اتخاذ قرار واحد في القضايا التي تحدد مستقبله. وكلما تعددت مراكز القرار في الملفات المصيرية، أصبحت وحدة الكيان أضعف من الناحية السياسية، حتى لو بقيت قائمة من الناحية القانونية. فالانقسام لا يبدأ عندما تُرسم حدود جديدة، بل قد يبدأ عندما يصبح القرار المشترك رهنًا بتفاهمات بين مراكز سياسية متنافسة، وعندما تصبح المؤسسة أضعف من القوى التي يُفترض أن تعمل من خلالها.
وهنا ينبغي التمييز بين بقاء الكيان من الناحية القانونية، وبقاء مؤسساته من الناحية الشكلية، وبقاء قدرته على الفعل من الناحية السياسية؛ فقد يبقى الإقليم قائمًا بحدوده ومؤسساته واسمه، بينما تتراجع تدريجيًا قدرته على إنتاج قرار موحد. وهذه هي النقطة التي تجعل الخطر الحالي مختلفًا عن مجرد أزمة حكومية أو خلاف حزبي؛ فالكيان السياسي لا يفقد قوته بالضرورة عندما تختفي مؤسساته، بل قد يبدأ ضعفه عندما تبقى المؤسسات قائمة، بينما تصبح قدرتها على صناعة القرار محدودة أو موزعة بين مراكز قوة متعددة. وبمعنى آخر، قد يبقى الشكل السياسي للكيان، بينما تتآكل وظيفته السياسية.
وتزداد خطورة هذه المسألة في الملف الأمني، ولا سيما ملف البيشمركة؛ فمن حيث المبدأ، لا يمكن أن يكون هناك اعتراض على بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تخضع لمرجعية مؤسسية واحدة؛ لأن توحيد البيشمركة هو في جوهره جزء من بناء دولة قوية وقادرة على حماية نفسها. لكن القضية ليست في مبدأ التوحيد، بل في طبيعة التوحيد ومرجعيته ووظيفته السياسية؛ فالدمج الذي لا يستند إلى مشروع وطني واضح قد يتحول من توحيد لمؤسسة وطنية إلى مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: هل ستندمج البيشمركة؟ بل: تحت أي قرار ستندمج، ومن يملك قرارها، وما طبيعة المؤسسة التي ستنتج عن هذا الدمج، وهل ستكون مؤسسة وطنية تعبر عن إرادة كوردستان الموحدة، أم مجرد مؤسسة يُعاد توزيع نفوذها ضمن ترتيبات سياسية أوسع؟ لا سيما إذا خضعت إدارة البيشمركة لبغداد.
إن أزمة البيشمركة تكشف في الحقيقة عن أزمة القرار السياسي نفسه؛ فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تكون موحدة بصورة كاملة إذا كانت المرجعيات السياسية التي تقف خلفها غير موحدة. ولذلك فإن استمرار تعدد مراكز القرار السياسي ينعكس بالضرورة على المجال الأمني، ويجعل أي أزمة مستقبلية أكثر حساسية؛ لأن قوة المؤسسة لا تتحدد فقط بعدد أفرادها وتسليحها، بل أيضًا بوضوح المرجعية التي يصدر القرار عنها. وعندما تكون وحدة القوة منفصلة عن وحدة القرار، تصبح وحدة الأرض وحدها غير كافية لضمان وحدة الكيان.
ولا تتوقف المشكلة عند السياسة والأمن، بل تمتد إلى الموارد التي تمثل جوهر القدرة على الحكم؛ فالنفط والمنافذ والإيرادات ليست مجرد ملفات مالية أو إدارية، وإنما هي أدوات من أدوات القرار السياسي. وكلما انتقلت إدارة هذه الملفات إلى ترتيبات مركزية أوسع، تراجع هامش القرار المحلي إذا لم يقابله تصور سياسي واضح يحمي مصالح الإقليم ضمن إطار دستوري متوازن. ولا يعني ذلك أن كل تفاهم مع بغداد يمثل انتقاصًا من الإقليم، ولا أن كل إجراء اتحادي يعني إلغاء خصوصية كوردستان، لكن من الضروري التمييز بين الشراكة الاتحادية وبين تراجع القدرة الفعلية على اتخاذ القرار؛ فالقدرة السياسية لا تُقاس فقط بوجود المؤسسات والرموز، بل تُقاس أيضًا بمقدار القدرة على إدارة الموارد واتخاذ القرارات المؤثرة في مستقبل المجتمع.
ومن هنا ينبغي النظر إلى النفط والمنافذ والعلاقة المالية مع بغداد ضمن سؤال واحد: هل ما زال الإقليم قادرًا على إدارة موارده والتفاوض عليها من موقع مؤسسي موحد، أم أن الخلافات الداخلية جعلت هذه الملفات تتحول إلى ساحات إضافية للصراع السياسي؟ فكلما اختلفت القوى الكوردية حول هذه القضايا، أصبحت قدرة الإقليم على التفاوض أضعف، وكلما ضعفت القدرة على التفاوض، ازدادت قابلية القرار المحلي للتأثر بموازين القوى الخارجية. وهذه هي الطريقة التي يتآكل بها القرار السياسي تدريجيًا: ليس من خلال قرار واحد يلغي وجود الإقليم، وإنما من خلال تراكم ترتيبات تجعل مساحة القرار الذاتي أضيق من السابق.
وفي الداخل، تظهر نتائج هذا المسار في أزمات تمس الحياة اليومية للمواطن مباشرة. فأزمة الرواتب وأزمة البنزين ليستا مجرد مشكلتين اقتصاديتين منفصلتين، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما أزمتين خدماتيتين عابرتين. فحين يتكرر العجز عن ضمان انتظام الراتب أو توفير الوقود أو معالجة الاختناقات الاقتصادية، يتحول المواطن من متلقٍ للسياسة إلى ضحية مباشرة لها. المواطن لا يعيش تفاصيل الخلافات الحزبية، ولا يعنيه كثيرًا من حصل على الوزارة أو من ربح جولة التفاوض، لكنه يعرف ما إذا كان راتبه يصل في موعده، وما إذا كان يستطيع شراء الوقود، وما إذا كانت مؤسسات الدولة قادرة على تلبية احتياجاته الأساسية.
ومن هنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة؛ فعندما تتكرر الوعود ولا تتحقق النتائج، يصبح المواطن أكثر شكًا في الخطاب السياسي. وعندما تتكرر الأزمات نفسها دون حلول مستدامة، يفقد المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على معالجة مشكلاته. ومع استمرار هذا الوضع، ينتقل المجتمع من الاحتجاج إلى الإرهاق، ومن الإرهاق إلى اللامبالاة، ومن اللامبالاة إلى اليأس، وهذه المرحلة أكثر خطورة من الغضب نفسه؛ لأن المواطن الغاضب ما زال يؤمن بأن التغيير ممكن، بينما المواطن اليائس يبدأ بفقدان الإيمان بإمكانية الإصلاح.
وفي هذه النقطة تحديدًا تظهر مسؤولية الأحزاب التي تقدم نفسها بوصفها معارضة؛ فالمعارضة السياسية ليست مجرد رفض للعوائل الحاكمة، وليست مجرد انتقاد يومي للحكومة، وليست مجرد محاولة لتغيير الأشخاص الذين يحتلون مواقع السلطة. المعارضة التي لا تقدم مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا وإداريًا وأمنيًا لا تقدم بديلًا حقيقيًا، وإنما تعيد إنتاج الصراع نفسه من موقع مختلف. فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف ماذا ستفعل المعارضة إذا وصلت إلى السلطة، وكيف ستعالج الرواتب، وكيف ستتعامل مع النفط والمنافذ، وكيف ستوحد البيشمركة، وكيف ستعيد بناء العلاقة مع بغداد، وكيف ستواجه الفساد، وكيف ستعيد الثقة بالمؤسسات.
إذا لم تقدم المعارضة إجابات عن هذه الأسئلة، فإنها تظل جزءًا من أزمة النظام السياسي، حتى لو كانت خارج الحكومة؛ فالسلطة التي لا تقدم حلًا، والمعارضة التي لا تقدم بديلًا، تضعان المجتمع أمام انسداد مزدوج: لا إصلاح من داخل السلطة، ولا مشروع واضح للتغيير من خارجها. وفي مثل هذه البيئة يصبح المواطن محاصرًا بين واقع لا يرضيه ومستقبل لا يعرف كيف يمكن الوصول إليه.
أما الحكومة، فإن الخطر عليها لا يكمن فقط في فشلها في حل الأزمات، بل في تحولها تدريجيًا إلى واجهة لإدارة التوازنات؛ فالحكومة التي لا تستطيع اتخاذ القرار المستقل تصبح أقرب إلى مساحة لتوزيع النفوذ منها إلى مركز للقرار العام. ويمكن أن تتشكل الحكومة فعلًا، وأن تعلن برنامجها، وأن تعقد الاجتماعات، وأن تصدر البيانات، وأن تعرض مشاريعها، لكن كل ذلك لا يكفي إذا كانت القرارات الكبرى تحتاج في كل مرة إلى موافقات ومساومات خارج إطار المؤسسة الحكومية.
ولهذا فإن تشكيل الحكومة لا يمثل حلًا بحد ذاته؛ فقد تكون هناك حكومة مكتملة من الناحية الشكلية، لكنها عاجزة عن إنتاج سياسة عامة متماسكة، وقد يكون هناك مجلس وزراء، لكن القرار الفعلي موزع بين مراكز أخرى. وفي هذه الحالة تصبح الحكومة مجرد إطار لإدارة التوازنات، لا مؤسسة قادرة على قيادة المرحلة. وهذه هي المشكلة التي يجب الانتباه إليها قبل الاحتفال بمجرد الوصول إلى اتفاق على توزيع المناصب.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الخطاب الذي تركز فيه الحكومة على الإنجازات الكونكريتية باعتبارها دليلًا نهائيًا على نجاح التجربة؛ فالطرق والجسور والمباني والمشاريع العمرانية مهمة بلا شك، ولا يمكن التقليل من قيمتها في حياة الناس، لكن التنمية المادية لا تعني وحدها قوة الدولة، والكونكريت لا يمكن أن يكون بديلًا عن المؤسسة. يمكن بناء شارع جديد في وقت تعاني فيه المؤسسة من ضعف، ويمكن تشييد مبنى حديث في وقت تتراجع فيه الثقة، ويمكن افتتاح مشروع جديد في وقت يواجه فيه المواطن أزمة راتب أو وقود.
لذلك فإن معيار النجاح السياسي لا ينبغي أن يكون عدد المشاريع المنجزة فقط، بل قدرة النظام على بناء مؤسسات مستقرة، وإدارة الموارد بكفاءة، وتوحيد القرار، وحماية حقوق المجتمع، والحفاظ على مساحة القرار الكوردستاني، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل. فالطريق والجسر والمبنى تثبت أن هناك قدرة على الإنجاز المادي، لكنها لا تثبت وحدها أن هناك مشروعًا سياسيًا متماسكًا.
والمشكلة تصبح أكثر عمقًا عندما تقترن هذه الصورة باستمرار الوعود والشعارات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ؛ فالسياسة لا تعيش على الوعد إلى ما لا نهاية. الوعد الذي لا يتحول إلى نتيجة يفقد قيمته، والوعد المتكرر من دون تنفيذ يتحول إلى عامل من عوامل فقدان الثقة. وعندما يسمع المواطن كل مرة عن إصلاحات قادمة، وعن حلول قريبة، وعن خطط استراتيجية، ثم يجد نفسه بعد فترة أمام الأزمة نفسها، يصبح الخطاب السياسي نفسه جزءًا من المشكلة.
هنا تتشكل دائرة مغلقة: أزمة سياسية تؤخر القرار، وتأخر القرار يفاقم الأزمات الاقتصادية، والأزمات الاقتصادية تضعف ثقة المجتمع، وتراجع الثقة يزيد اليأس، واليأس يضعف الضغط المجتمعي من أجل الإصلاح، وضعف الضغط يسمح باستمرار النظام على حاله، واستمرار الحال يعيد إنتاج الأزمة السياسية من جديد. وعندما تستمر هذه الدائرة طويلًا، لا تعود الأزمة ظرفًا مؤقتًا، بل تتحول إلى نمط في إدارة الحكم.
ومن هنا يمكن فهم الخطر الحقيقي الذي يواجه إقليم كوردستان اليوم. الخطر ليس أن تختفي كوردستان غدًا من الخريطة، ولا أن يصدر قرار مفاجئ بإلغاء وجودها – وهذا احتمال وارد –، بل الخطر الأكثر واقعية هو أن يتآكل الكيان من الداخل عبر فقدان وحدة القرار، وتراجع استقلالية المؤسسات، وتعدد مراكز القوة، وضعف القدرة على إدارة الموارد، وتراجع الثقة الشعبية. فالكيانات السياسية لا تزول دائمًا بضربة واحدة، بل يمكن أن تفقد وظائفها تدريجيًا حتى يبقى الاسم، بينما تتراجع القدرة على الفعل.
وهذا يعني أن بقاء الكيان قانونيًا لا يكفي وحده للحكم على قوته السياسية؛ فقد يبقى الاسم، وتبقى الخريطة، وتبقى المؤسسات، بينما تتراجع القدرة على اتخاذ القرار في القضايا المصيرية. وعندما يصبح الفرق كبيرًا بين وجود الكيان من الناحية الشكلية وقدرته على الفعل من الناحية السياسية، فإن الأزمة لا تعود أزمة حكومة، بل تصبح أزمة في الوظيفة التي يُفترض أن يؤديها الكيان نفسه.
وهنا تتضح العلاقة بين الملفات كلها؛ فالصراع على المقاعد يعرقل تشكيل حكومة مستقرة، وتعثر الحكومة يضعف مركز القرار، وتعدد مراكز القرار يضعف الموقف التفاوضي مع بغداد، وضعف الموقف التفاوضي يضيق مساحة القرار في الملفات الاستراتيجية، وتعدد المرجعيات السياسية ينعكس على المؤسسة الأمنية، بينما تستمر أزمات الرواتب والبنزين والخدمات في دفع ثمن هذا الانقسام إلى المواطن، فتتراجع الثقة وينتشر اليأس. وفي المقابل، تستمر الحكومة والأحزاب في تقديم الخطابات والوعود والمشاريع الكونكريتية، وكأن الأزمة يمكن قياسها بما بُني من مبانٍ وطرق، لا بما فُقد من ثقة وقرار ومشروع.
لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟ وليس فقط: من سيحصل على الوزارات؟ وليس فقط: من هو المسؤول عن أزمة الرواتب أو البنزين؟ بل السؤال الأكبر هو: هل ما زال لدى الطبقة السياسية الكوردستانية مشروع واضح لحماية كوردستان ككيان سياسي، أم أن الجميع انشغل بإدارة السلطة إلى درجة نسيان الغاية من وجودها؟
إذا كان هناك مشروع، فعليه أن يظهر في القرارات لا في الشعارات، وفي توحيد المؤسسات لا في توزيع المناصب، وفي بناء اقتصاد قادر على الصمود لا في معالجة الأزمات بعد وقوعها، وفي بناء مؤسسة أمنية وطنية موحدة لا في إدارة الانقسام، وفي علاقة متوازنة مع بغداد لا في الارتهان لمواقف متفرقة، وفي استعادة ثقة المواطن لا في مخاطبته بالوعود.
أما إذا استمر المشهد كما هو، فإن الخطر لن يكون في أن تسقط كوردستان دفعة واحدة، بل في أن تبقى موجودة في الاسم والخريطة بينما تتآكل في الواقع. وقد تبقى الحكومة موجودة بينما تتراجع وظيفتها، وقد تبقى البيشمركة موجودة بينما تصبح مرجعيتها موضع إعادة ترتيب – كأن تُدمج مع الجيش العراقي –، وقد تبقى الأحزاب تتحدث باسم الشعب بينما يتزايد ابتعاد الشعب عنها، وقد تستمر المشاريع الكونكريتية بينما تتراجع الثقة بالمشروع السياسي نفسه.
وهنا تصل الأزمة إلى جوهرها الحقيقي: كوردستان لا تواجه فقط أزمة حكومة، وإنما تواجه اختبارًا لقدرتها على البقاء ككيان يمتلك قرارًا ومؤسسات ومشروعًا وثقة شعبية. ولهذا فإن اللحظة الراهنة تحتاج إلى شجاعة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية والعائلية، وإلى مراجعة صريحة لا تبحث فقط عن المسؤول عن الأزمة، بل عن النظام الذي يعيد إنتاجها.
المطلوب ليس حكومة جديدة بالاسم، وإنما حكومة قادرة على الحكم، وليس معارضة جديدة في الاسم، وإنما معارضة تملك مشروعًا، وليس دمجًا إداريًا للبيشمركة، وإنما مؤسسة وطنية موحدة بقرار واضح، وليس تفاهمات جديدة مع بغداد، وإنما استراتيجية تحمي حقوق الإقليم ومصالحه ضمن الدستور، وليس مزيدًا من الوعود، وإنما نتائج يمكن للمواطن أن يلمسها في حياته اليومية.
فالكرسي يمكن أن يبقى، والمبنى يمكن أن يبقى، والخريطة يمكن أن تبقى، والشعار يمكن أن يبقى، لكن الكيان السياسي لا يبقى قويًا إلا إذا بقي القرار موحدًا، والمؤسسات فاعلة، والموارد قابلة للإدارة، والأمن خاضعًا لمرجعية وطنية، والمواطن مؤمنًا بأن المستقبل لا يزال ممكنًا. وهنا تكمن لحظة الحقيقة: إما أن تتحول الأزمة الراهنة إلى فرصة لإعادة بناء مشروع كوردستان على أسس سياسية ومؤسسية جديدة، وإما أن يستمر الجميع في إدارة الأزمة حتى يصبح ما نعده اليوم مجرد أزمة مؤقتة واقعًا دائمًا يصعب تغييره.
فالمشكلة في النهاية ليست من يجلس على كرسي الحكومة، بل ما إذا كان هذا الكرسي ما زال قادرًا على صناعة القرار، وليست المشكلة فقط في مستقبل البيشمركة، بل في مستقبل المؤسسة التي تحمي الكيان، وليست المشكلة فقط في الراتب والبنزين، بل في علاقة المواطن بالدولة، وليست المشكلة فقط في بغداد، بل في مقدار ما تستطيع كوردستان أن تقرره بنفسها؛ لأن الكيان لا يحيا بالخرائط وحدها، ولا تحميه الشعارات وحدها، ولا تنقذه المشاريع الكونكريتية وحدها. الكيان يحيا عندما يمتلك قرارًا، ومؤسسات، ومشروعًا، وشعبًا يؤمن بأن هذا المشروع يستحق أن يدافع عنه.



اضف تعليق