قبل أيام كنت في السيارة بالطريق من بيتي إلى الباب المعظم، وفي الطريق اشترى السائق قنينة ماء، وبعد أن أفرغها في جوفه ألقى بها من نافذة السيارة في الشارع! وبلطف قلت له إن هذا لا يجوز، فردّ علي بما أفحمني؛ إذ قال: ألا ترى الشارع؟ وأردف: أين هي النظافة؟...

قبل أيام كنت في السيارة بالطريق من بيتي إلى الباب المعظم، وفي الطريق اشترى السائق قنينة ماء، وبعد أن أفرغها في جوفه ألقى بها من نافذة السيارة في الشارع! وبلطف قلت له إن هذا لا يجوز، فردّ علي بما أفحمني؛ إذ قال: ألا ترى الشارع؟ وأردف: أين هي النظافة؟

لم أجد ما أجيبه به، فالشارع في المنطقة التي أسكنها، والذي يتصل بشارع رئيسي كبير يوصل إلى المحافظات الشمالية، جرى العمل على توسعته وتبليطه منذ نحو عامين، لكنه لم يكتمل حتى الآن، ومنظره يثير القرف حقاً؛ إذ باتت الجزرات الوسطية التي تنتظر اكتمال تعبيد الشارع لردمها وزراعتها، صارت أشبه بمكبات للنفايات، ونهر الشارع عبارة عن حفر ومطبات وأتربة يعبث بها الريح حين تجف الأرض، ومستنقعات صغيرة مليئة بالطين عندما تمطر.

نعم، هذا هو حال الشارع الذي أريد أن لا يرمي به المواطن البسيط قنينة الماء أو ورق “الكلينكس” أو أعقاب السكائر.. إلخ. لا أريد هنا أن أبرر السلوك غير الحضاري هذا، لكني أقول وبصدق إن هؤلاء البسطاء أنفسهم حين يكونون في شوارع نظيفة ومعبدة يترددون كثيراً قبل أن يقدموا على ما يفعلونه في المناطق التي يرون أن الجهات المعنية في مؤسسات الدولة لا تحترمها، فيترجمون ذلك بأنها لا تحترمهم؛ مما يدفعهم لتسريب ثقافة “اللا احترام” هذه من خلال هذه التصرفات التي تنم في ظاهرها عن فقدان حس النظافة وغياب لمسة المدنية التي يبدو أنها غادرت مدننا منذ تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم، ولعلها استشرت بشكل مرعب في العقدين الأخيرين، والسبب هو أن المؤسسات المعنية لا تقوم بواجباتها بالشكل الذي يجعل المواطن يشعر بأنه محترم وأن الدولة تهتم بتفاصيل حياته المهمة، ومنها نظافة الشارع وإدامته.

سيقول البعض: ما علاقة الدول القوية بهذه الأمور؟ وسنقول إن قوة الدول تتأتى من قوة المجتمع، وهذه القوة يصنعها حرص المواطن على ممتلكات بلاده، وهنا تكمن روح المواطنة الحقيقية التي ما إن يصلها أي مجتمع فإنه سيكون قوياً ومحصناً ضد كل محاولات تدميره، وبالضرورة يكون مستعداً للتضحية من أجل بلاده التي يرى فيها عزّه وكرامته، وبخلاف ذلك يكون موقفه السلبي من مؤسسات الدولة مدخلاً لتخريب روح المواطنة بداخله، ويصبح مستعداً لأن يكون سلبياً في ممارساته ومنها هذه التفاصيل التي ذكرناها.

المواطن العراقي صار يرى من خلال “اليوتيوب” والفضائيات كيف أصبحت مدن العالم، بما فيها بعض الدول المجاورة التي كانت تتمنى لو أنها بلغت ما كنا عليه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وباتت اليوم في مصاف العالم الأول، وصار يقارن حياته في ظل هذا الإهمال بحياة أبناء تلك الدول التي يراها وكأنها جنان، فيصاب بالإحباط ويكبر بداخله سؤال ويبقى يكبر: هل نحن دولة مثل بقية الدول؟ ولماذا لم نكن في مقدمتها وليس مثلها فقط، كوننا نمتلك أسباب التقدم كلها؟

قوة الدول لا تتأتى من خلال الشعارات المكتوبة على الحيطان ولا الخطب الرنانة، وإنما من خلال ما يتحقق للمواطن فيها من خدمات وإتاحة الفرصة له للتعبير عن قدراته لا تعطيلها، وهذه الثقافة لم تصبح ثقافة مؤسسية لدينا، ولا يبدو أنها ستصبح قريباً.

اضف تعليق