يعيش العراق حاجة ملحّة إلى تغيير إيجابي شامل، لكنه يواجه في الوقت نفسه مقاومة عميقة لهذا التغيير، لا تنبع فقط من ضعف الإدارة أو الفساد، بل من شبكة معقدة من الخوف وفقدان الثقة والمحاصصة والمصالح المستفيدة والاقتصاد الريعي وتراجع الضمير العام. فالمجتمع والدولة يبدوان عالقين بين إدراك الحاجة إلى الإصلاح...
عقد ملتقى النبأ الأسبوعي جلسته الحوارية الأسبوعية تحت عنوان: (التغيير العراقي: تفتيت مقاومة التحول وإعادة بناء الضمير العام)، وذلك يوم السبت الموافق 30 /5 /2026، بحضور عدد من الباحثين والأكاديميين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الحقوقي والثقافي والفكري.
وتنبع أهمية الموضوع من كونه يعالج واحدة من أعمق إشكاليات الواقع العراقي، وهي أن التغيير أصبح ضرورة تمس بنية الدولة والمجتمع والإنسان، وترتبط بقدرة العراقيين على الانتقال من التكيف مع الخلل إلى صناعة الإصلاح. فالعراق يمتلك موارد وثروات وطاقات بشرية وعمقاً حضارياً، لكنه ما يزال يواجه صعوبة في تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع تغيير إيجابي مستدام.
أما مشكلة الموضوع فتتمثل في أن العراقيين يدركون حاجتهم إلى الإصلاح، لكن هذا الإدراك يصطدم بمقاومة عميقة للتغيير، تتغذى من الخوف، وفقدان الثقة، والإحباط، والمصالح المتجذرة، والاقتصاد الريعي، وتراجع الضمير العام. ومن هنا يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن تفتيت مقاومة التحول، وإعادة بناء الضمير العام، حتى يتحول الإصلاح من خطاب أو مطلب إلى واقع عملي ومؤسسي؟
وفي البدء قبل المناقشة، قدّم الشيخ مرتضى معاش ورقة بحثية، قال فيها:
يعيش العراق حاجة ملحّة إلى تغيير إيجابي شامل، لكنه يواجه في الوقت نفسه مقاومة عميقة لهذا التغيير، لا تنبع فقط من ضعف الإدارة أو الفساد السياسي، بل من شبكة معقدة من الخوف، وفقدان الثقة، والمحاصصة، والمصالح المستفيدة، والاقتصاد الريعي، وتراجع الضمير العام. فالمجتمع والدولة يبدوان عالقين بين إدراك الحاجة إلى الإصلاح وبين العجز عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع عملي مستدام.
ومن هنا تنطلق الإشكالية من سؤال مركزي: كيف يمكن تفتيت مقاومة التغيير في العراق وإعادة بناء الضمير العام بوصفهما شرطين أساسيين لتحقيق تحول عراقي إيجابي؟
ويتفرع عن ذلك البحث في أسباب مقاومة التغيير، ودور السياسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، في تحويل التغيير من شعار سياسي أو مطلب احتجاجي إلى ثقافة عامة وممارسة مؤسسية راسخة.
إن موضوع التغيير العراقي نشأ من سؤال طُرحه علي أحد الاخوة: هل هناك أمل في التغيير في العراق؟ وهل سيحدث تغيير فعلي أم لا؟ وقد أجبت حينها بجواب عام، غير أن الفكرة بدت لي أعمق من جواب عابر، وتحتاج إلى بحث مستقل؛ لأن العراق بحد ذاته تجربة تستحق قراءة عميقة ومركزة.
فقد مررنا بهذه التجربة خلال العقدين الماضيين، ولم نشهد تغييراً جوهرياً وأساسياً يقودنا إلى الأمام. وحين نتحدث عن التغيير العراقي، فإننا لا نتحدث عن قضية سياسية مجردة، ولا عن شعار، ولا عن حالة عاطفية، ولا عن رغبة في تبديل الوجوه، بل نتحدث عن قضية جوهرية تمس الدولة والإنسان العراقي في الصميم.
العراقيون يدركون حاجتهم إلى الإصلاح، ويدركون حاجتهم إلى التغيير، لكن المشكلة أنهم يعجزون عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع تغيير مستدام. وهذه هي إشكالية الموضوع في جوهرها: العراق بحاجة إلى تغيير إيجابي شامل، والتغيير الإيجابي مهم جداً؛ لأن التغيير قانون الحياة. فإذا لم يتحرك الإنسان باتجاه عمل إيجابي، تحقق ضده بالضرورة. فإذا لم يتجه الإنسان إلى الغنى، اتجه إلى الفقر؛ وإذا لم يحدث تغيير إيجابي، وقع تغيير سلبي. وهذه هي سنة حتمية في نهاية المجتمعات الأمم وفلسفة الانحدار والانحطاط في الحضارات.
العراق يواجه مشكلة جوهرية تتمثل في مقاومة عميقة لهذا التغيير الايجابي. هذه المقاومة هي أساس القضية، وهي مقاومة كبيرة تحدث على مستوى الإنسان والمجتمع والدولة على حد سواء. وليست هذه المقاومة مجرد فساد إداري، أو محاصصة، أو أحزاب متنفذة، أو مصالح متجذرة، بل هي أيضاً شبكة معقدة، أو عقدة مركبة، أو منظومة تتشكل من الخوف، وفقدان الثقة، وفقدان اليقين بالمستقبل.
وفقدان اليقين بالمستقبل يؤدي إلى انتشار الإحباط وفقدان الأمل. فكثير من الناس كانوا يحبون الوطن، لكنهم حين فقدوا الأمل انحدروا وانخرطوا في هذه المنظومة السيئة. وحين يرى الإنسان أمامه ما أسميه دائماً بالعدمية، سواء كانت عدمية سياسية أو اجتماعية، فإنه إذا فقد الأمل قد يصبح فاسداً أو شريراً. وهذه مشكلة كامنة في الإنسان. ومن هنا فإن مقاومة التغيير ترتبط بفقدان الأمل وفقدان الثقة بإمكان حدوث تغيير إيجابي.
وهذا كله يؤدي في النهاية إلى تراجع الضمير العام أو موته. فالمجتمع إنما تحركه منظومة الضمير العام، بما تتضمنه من رقابة ومحاسبة وأخلاق وقيم. فإذا مات هذا الضمير، أصبح المجتمع فوضوياً متوحشاً فاقداً للقيمة. ففقدان الأمل والثقة، وانتشار الإحباط، كلها تقود إلى موت الضمير العام، ومن ثم إلى العجز عن إنتاج العلاج. فالإنسان يفقد القدرة على العلاج، مع أن العلاج موجود، كما هو حال المريض الذي يمتلك قابلية العلاج لكنه لا يعالج نفسه لأنه أصبح يائساً مستسلماً للأمر الواقع. وبالنتيجة يموت الإنسان تدريجياً؛ لأنه استسلم ولم يطلب العلاج.
والعراق لا ينقصه شيء. لديه موارد، ونخب، وموقع جغرافي، وعمق حضاري عظيم، ومن أكثر الحضارات قدماً وعمقاً وعراقة، ولديه طاقات شبابية هائلة، وثروات كبيرة. فهو يمتلك قابلية التغيير والتحول، لكن المشكلة الأساسية أنه تكيف مع المشكلة، ففقد القدرة على الإصلاح. تكيف مع الخلل والمرض، ففقد القدرة على الإصلاح.
أولاً: ما معنى التغيير العراقي؟
حين نتحدث عن التغيير العراقي، لا نقصد هدم كل شيء أو تحطيم كل شيء، ولا نقصد الذهاب إلى المجهول، وإن كان بعض الناس يؤمن بذلك من خلال منطق تدمير كل شيء، وهو منطق الثورات والانقلابات. إنما نقصد محاولة إنقاذ الدولة والمجتمع من حالة العجز ومن اعتيادهما وإدمانهما على الخلل.
إن إدمان الخلل يشبه حال المريض النفسي الذي يؤخذ إلى الطبيب، لكنه تعود على مرضه وتكيف معه، حتى صار لا يرى نفسه مريضاً ولا يرى أن لديه مشكلة. وهذا من أسوأ ما يصيب الشخصية الفردية، وينطبق كذلك على الشخصية الاجتماعية. فعندما يصبح المجتمع كله مريضاً ويتكيف مع المرض والخلل، فإنه يحتاج إلى إخراج من هذه الحالة.
نريد أن نخرج المجتمع العراقي من حالة التكيف مع الخلل والمرض، إلى حالة الوعي بأنه يعاني مشكلة لا بد أن يغيرها. وهذا هو المقصود: أن نتخلص من الأمراض الموجودة في المجتمع والدولة.
تغيير شامل لكل المستويات
أما مستويات التغيير، فهي متعددة. هناك المستوى المؤسسي المتعلق بالدولة، وهناك المستوى الثقافي والاجتماعي المتعلق ببناء وعي عام يؤمن بالمواطنة، وهناك المستوى الأخلاقي، وهو الأهم بالنسبة إلى الدولة والمجتمع؛ لأنه يقوم على إعادة بناء الضمير العام.
هذه نقطة مهمة؛ لأن الضمير العام هو الذي يعيد معنى المصلحة العامة، ويخلصنا من الأمراض الأنانية المتفشية. ولذلك فإن التغيير العراقي هو تغيير شامل يشمل كل المستويات: الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، والشارع، والمجتمع، والمدرسة، والتعليم، والمؤسسات التي تتولى الإعداد النفسي والفكري والعقائدي والديني والتربوي للمجتمع. كل ذلك يحتاج إلى إعادة تشكيل بما يؤدي إلى انتشال الإنسان من حالة التكيف مع الخلل.
ثانياً: ما معنى مقاومة التغيير؟
مقاومة التغيير هي ميل فردي أو جماعي أو مؤسسي إلى رفض التحول الجديد، أو عرقلته، أو الالتفاف عليه، بسبب الخوف من المجهول. وهذا سبب عام يشترك فيه الجميع. وقد تكون المقاومة بسبب الخوف من فقدان المصالح، وهذا سبب يشترك فيه كثير من المتنفذين وأصحاب الامتيازات، سواء كانت امتيازات صغيرة أم كبيرة. وقد تكون بسبب ضعف الثقة بالتغيير، أو الشعور العدمي وعدم الإيمان بجدوى التغيير، أو بسبب الإحباط وفقدان الأمل.
والتجارب السيئة التي تمر بها المجتمعات تؤدي غالباً إلى تكريس هذا التفكير، إذ يقول الناس: لقد مررنا بتجارب تغيير كثيرة، وكلما حدث تغيير ذهبنا إلى الأسوأ. وفعلاً، كثير من المجتمعات تغيرت نحو الأسوأ؛ لأنها لم تفكك الخلل الجوهري، بل غيرت الوجوه والشخصيات، ولم تغير أسلوب التفكير أو أصل المشكلة.
ثالثاً: ما معنى الضمير العام؟
الضمير العام هو الحس الأخلاقي المشترك الذي يجعل المجتمع قادراً على التمييز بين الصالح العام والمصلحة الخاصة. وهذا الضمير ليس مجرد حالة وعظية يمارسها رجل دين أو نخبة في ملتقى أو محاضرة، بل هو رقابة داخلية اجتماعية، تحتاج إلى أن تترسخ في البنية التحتية للمجتمع.
ومن أهم أسباب موت الضمير العام الحروب والانقلابات والحروب الأهلية. فالحروب عموماً تدمر الحس الأخلاقي عند الإنسان، أو تسلبه. ومشكلة العراق، في جوهرها، هي تراكم مجموعة من الحروب التي أدت إلى سلب الإحساس الأخلاقي العام، وإلى فقدان الضمير العام بصورة ما.
ثقافة غياب الضمير العام تعني أن يقول كل فرد: أنا أنجو، وليس مهماً أن ينجو الآخرون. أنا أعيش، وليس مهماً أن يعيش الآخرون. هذا هو موت الضمير العام؛ أن يعيش كل فرد لنفسه، وأن يأخذ حقه بأي طريقة، دون وجود منطق مؤسساتي أو منطق دولة أو قانون أو دين أو أخلاق. وعندما يفتقد المجتمع هذا المنطق، تصبح كل القضايا شكلية فاقدة للمضمون والجوهر الذي يحركها.
رابعاً: لماذا يقاوم العراق التغيير؟
هناك أسباب كثيرة لمقاومة التغيير في العراق. منها الخوف من المجهول وذاكرة الانهيار الموجودة لدى الشعب العراقي، بسبب الحروب والأنظمة الاستبدادية والانقلابية والقمع وغير ذلك من التجارب القاسية. ومنها ضعف الثقة بين المواطن والدولة، ومنها المصالح المستفيدة من الوضع القائم.
ويمكن للإخوة أن يتحدثوا عن الاقتصاد الريعي، وكيف يروّج للزبائنية والاعتماد على الدولة. فالدولة حين تصبح فاسدة وريعية، يصبح الناس معتمدين على هذا الفساد في عملية متبادلة. وهناك أيضاً المحاصصة وضعف الثقافة المؤسسية.
خامساً: عناصر التغيير العراقي
أولاً: الوعي بالمشكلة. الغضب لا يكفي. إخراج الكلام، والنقد الحاد، والسب والشتم للدولة والمسؤولين والوطن، لا يفيد. هذا الغضب قد يفجر ثورات زائفة تنتهي بمزيد من المشكلات، أو ينتج انتفاضات واحتجاجات لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى وعي بأصل المشكلة. فالوعي هو الذي يتحول في النهاية إلى عملية حل، كما قلنا في مثال المريض النفسي.
ثانياً: الرؤية البديلة. المعارضة غالباً تفتقد الرؤية البديلة. نحن لا نملك معارضة حقيقية، ولا نملك رؤية بديلة تمنح المواطن الاستقرار النفسي والاطمئنان بأهمية التغيير. يقول المواطن: أموري الآن ماشية، فلماذا أحتاج إلى تغيير؟ وما يهمني هو اليوم، أما المستقبل فالله كريم. لكنه لا يدرك أن تراكم الخلل يؤدي في النهاية إلى الانهيار.
فالناس غالباً لا يقبلون تحمل الألم. والتغيير له كلفة، وله ألم ومعاناة. والسؤال: من يقبل أن يتحمل هذه الكلفة؟ وهل يتحملها الفقير أم الغني؟ هذه مشكلة حقيقية؛ لأن التغيير يحتاج إلى كلفة، ولا بد أن يتحملها الجميع حتى يكون التغيير مهماً وعادلاً.
ثالثاً: القيادة الأخلاقية والمؤسسية. نحتاج إلى قيادة تصنع النموذج الجيد، بحيث يسير الناس خلفها. وهذه مشكلة كبيرة في واقعنا؛ فالقيادة عموماً تفككت، وأصبحت سلطوية، بلا مبدأ ولا رؤية ولا مفهوم لأهمية المستقبل أو الدور الذي تؤديه. وحين يدرك الناس أن القيادة مصلحية وسلطوية، يتعاملون معها على هذا الأساس.
رابعاً: المشاركة المجتمعية. المشاركة المجتمعية مهمة جداً في عملية التغيير. ولا يمكن أن نجعل التغيير مسؤولية الدولة وحدها.
خامساً: العدالة في توزيع كلفة التغيير. لا بد من توزيع كلفة التغيير على الجميع. فلا فرق بين مسؤول وغيره. المسؤول الذي يتمتع بامتيازات ينبغي أن يكون أول من يتنازل عنها. كلفة التغيير تبدأ من الجميع، ولا يجوز أن يحملها طرف دون آخر.
سادساً: كيف نفتت مقاومة التغيير؟
أولاً: تحويل الخوف إلى فهم. هذه نقطة مهمة جداً؛ لأن الإنسان الخائف لا يمتلك القدرة على اتخاذ القرار ولا الشجاعة اللازمة له. لابد أن يتحول الخوف إلى فهم؛ أن يفهم الإنسان المعادلة، ويدرك أهمية الإصلاح. نحن نعيش اليوم، لكننا لا ندرك أن الغد سيصل. تمر خمس سنوات، ثم عشر سنوات، ثم عشرون سنة، ونحن لا نزال في المكان نفسه؛ لأننا لم نفهم الحاجة إلى الجرأة في اتخاذ القرار.
ثانياً: تحقيق مكاسب جزئية ونموذجية. من النقاط التي تؤدي إلى التغيير تحقيق مكاسب نموذجية جزئية؛ كمدينة نموذجية، أو مدرسة نموذجية، أو مؤسسة نموذجية. الناس يحبون التقليد الناجح. وما حدث عندنا أن التقليد أصبح تقليداً للنموذج الاستهلاكي، لا للنموذج الإنتاجي، وهذا جعل الأمور أسوأ. نحن نحتاج إلى مدارس نموذجية، ودوائر حكومية نموذجية، بحيث تنتقل آثارها إلى بقية المؤسسات.
ثالثاً: التدرج لا الصدمة. التدرج مهم جداً، لأن صدمة التغيير مؤذية ومؤلمة، وتؤدي إلى رد فعل انفعالي عكسي، قد يقود إلى مزيد من السوء. أما التدرج، بخطوات مدروسة ومخطط لها، فيؤدي إلى تغيير جيد.
رابعاً: تحويل الإصلاح إلى عادة. هذه نقطة مهمة على المستوى الفردي والجماعي. كما أن الإنسان يتخلص من عاداته السيئة بتحويلها إلى عادات جيدة، ويعتاد على ممارسة الرياضة مثلاً بدل الاستسلام للتكنولوجيا أو الهاتف، كذلك يحتاج المجتمع إلى أن يجعل الإصلاح عادة. أن يدمن الإصلاح كما ورد في الرواية: “عليكم بإدمان الحج”. أي اجعلوا العبادة عادة مستمرة. وكذلك المجتمع يحتاج إلى الإدمان على الإصلاح، بحيث يصبح الإصلاح عادة في كل شيء.
سابعاً: خلاصة الموضوع
نحن بحاجة إلى تغيير يعيد العلاقة بين المواطن والدولة والقانون والمصلحة العامة. ونحتاج إلى علاج الذاكرة السلبية وتصحيح الأفكار المرتبطة بها. ونحتاج إلى وعي بالمشكلات، ومنها أن الاقتصاد الريعي غير جيد، بل هو مرض خطير. ونحتاج إلى رؤية حول الضمير العام وأهميته في علاج مشكلاتنا وتربية أبنائنا.
الأهم هو إزالة الخوف من التغيير، والانتقال إلى جرأة في عملية التغيير، لكن جرأة عقلانية حكيمة، لا جرأة متهورة تؤدي إلى مزيد من التدمير. نحن بحاجة إلى بنية أخلاقية تعيد بناء المجتمع وتحقق التغيير العراقي.
والنقطة الأخيرة هي تحرير الإنسان من التكيف مع الخلل. هذه هي القضية الأساسية: أن نحرر الإنسان من التكيف مع المرض النفسي والاجتماعي والأخلاقي، كما قال الله تعالى في وصف رسالة رسوله الاكرم صلى الله عليه وآله: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). هذا هو التحرير الحقيقي للإنسان من أمراضه، فإذا تحقق هذا التحرير، أمكن بناء الإصلاح وتحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي والنفسي والتربوي.
وللمزيد من الفائدة نطلب من الحاضرين الإجابة عن هذين السؤالين:
السؤال الأول: لماذا يواجه العراق مقاومة مستمرة للتغيير رغم وضوح الحاجة إلى الإصلاح؟
السؤال الثاني: كيف يمكن تفتيت مقاومة التغيير وإعادة بناء الضمير العام لتحويل الإصلاح إلى واقع عملي؟
المداخلات
- الدكتور صلاح البصيصي، باحث اكاديمي في القانون الدولي:
كثيراً هناك حديث في الصحف والإعلام عن التغيير وأن التغيير قادم، لكن الحقيقة أنه غالباً ما يبقى في حدود الشعارات، والسؤال: هل تحول إلى واقع عملي؟ للأسف الشديد لا.
حتى المواطن العادي يشعر بضرورة الإصلاح، لكن لماذا لا يتحقق الإصلاح؟ أرى أن السؤال المهم هو: هل ينبغي أن يبدأ التغيير من القاعدة أم من قمة الهرم؟
من وجهة نظري، ينبغي أن يبدأ التغيير من قمة الهرم؛ أي من الحكومة والقائمين على الشأن العام. فالمواطن حتى يغير نفسه، ويستجيب لمتطلبات الحكومة من ضرائب وواجبات، يحتاج أن يرى الحكومة نفسها ملتزمة بالقوانين والأنظمة، ومكافحة للفساد.
قرأت عبارة جميلة تقول: هناك فرق بين “تغيير الإدارة” و“إدارة التغيير”. وفي العراق حدث عندنا تغيير في الإدارة، لكنه لم يتحول إلى إدارة للتغيير. الحكومات تأتي بشخوص جديدة، لكن برامجها تكاد تكون مستنسخة، والأدوات تبقى هي نفسها.
لدينا مؤسسات رقابية كثيرة؛ هيئة النزاهة، والبرلمان بوصفه سلطة تشريعية، وغيرها. لكننا، للأسف، لم نجد رغبة حقيقية في الإصلاح أو مكافحة الفساد. نعم، هناك إعلانات كثيرة ووعود كثيرة، لكن من دون نتيجة ملموسة.
نحن دائماً نقول في المجتمع والصحافة: أين حيتان الفساد الكبار؟ عاقبوا واحداً منهم ليكون عبرة للآخرين. أما أن يعاقب الموظف الصغير على رشوة بسيطة، بينما يبقى الموظف الكبير أو المسؤول الكبير بعيداً عن العقاب، فهذا لا يحقق الإصلاح.
كذلك ينبغي أن نؤمن بالتغيير. هناك تغيير ثوري، وهناك تغيير تدريجي. فهل نحن مع تغيير ثوري قد ينتج عنفاً وثورة غير مضمونة العواقب؟ أم نحن مع تغيير تدريجي منهجي يتم عبر المؤسسات، ووسائل جديدة، وأدوات واضحة؟
نحن نأمل أن يكون هناك تغيير تدريجي. فإذا بدأنا بخطوة أولى، فقد تتبعها خطوات أخرى، ونأمل أن يحدث في المستقبل القريب تغيير في العراق.
أبسط مثال على ذلك سلم الرواتب. إذا رأى الموظف أو الأستاذ أن رئيس الجمهورية خفض راتبه، أو أن عضو البرلمان خفّض امتيازاته، فسيكون هذا حافزاً للموظف لكي يقبل بتغيير راتبه. أما أن تمنح المسؤول رواتب وامتيازات وإعانات، ثم تأتي إلى المواطن وتطلب منه التغيير والتضحية، فهنا يطرح السؤال: هل سيكون سلم الرواتب عادلاً لجميع الشرائح أم سيصيب شريحة دون أخرى؟
- الأستاذ حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
لمحنا من خلال الورقة أن الإصلاح ليس شعارات فقط، بل هو معركة عميقة، أحد أركانها الدولة والمجتمع والوعي العام. والمشكلة العراقية ليست في رفض فكرة الإصلاح. فالجميع تقريباً يتفق على أن هناك خللاً في الإدارة، وخللاً في الخدمات، وضعفاً في الثقة بين المواطن والدولة. ولكن معرفة المرض لا تعني وجود إرادة حقيقية لأخذ العلاج.
مقاومة التغيير لا تعالج بالشعارات والمواعظ والخطابات الوعظية فقط، بل هي قائمة على عدة مستويات. منها أن بعض القوى أو الأشخاص يعتبرون أن التغيير قد يضرب أهدافهم ومناصبهم وامتيازاتهم، فيقاومون التغيير لا من حيث المبدأ، بل لأنهم يخشون خسارة المكانة والمصلحة.
ومنها ضعف الثقة بين المواطن والدولة. فالمواطن سمع كثيراً من الخطابات الإصلاحية والوعظية، حتى تولد في نفسه انطباع بأن الخطاب الإصلاحي خطاب مؤقت أو انتخابي، يزول بزوال سببه.
ومنها ضعف المؤسسة الرسمية. فعندما يُطرح إصلاح معين، سياسياً كان أو اجتماعياً، يجد في مقابله اعتراضاً من شخصيات اجتماعية أو عشائرية أو دينية أو سياسية، فيصبح المصلح أمام مؤسسات غير رسمية أو شبه رسمية، لا أمام مؤسسة رسمية واحدة.
ومنها الخوف من المجهول. المجتمع العراقي تعرض لحروب وأزمات وحصار، فصار ينظر إلى التغيير بوصفه عبئاً مجهولاً. وكما يقول المثل: “الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه”. وهذا الخوف أصبح حاجزاً أمام التغيير.
ومن الأسباب أيضاً ضعف الضمير العام. الضمير العام يقول إن المال العام مال الناس، وإن الفساد حالة غير مرحب بها، لا شطارة ولا ذكاء، وإن المنصب تكليف لا تشريف. لكن هذا الضمير أصبح ضعيفاً لدى أغلب المجتمع العراقي، وصار طالب الإصلاح يواجه أحياناً بالاستهانة أو السخرية.
أما ما ينبغي أن نعمل عليه واقعياً، فهو التوجه نحو القانون، واعتبار القانون الضمان الوحيد، لا مجرد معبر شكلي. كذلك يجب تقوية الثقة بين المواطن والدولة عبر مشاريع خدمية ولو محدودة، كمدرسة جيدة، أو مستشفى يقدم خدمات حقيقية، أو طرق خدمية، حتى وإن كانت بسيطة. لكنها ستكون بادرة خير وإصلاح واقعي.
وفي النهاية، يجب أن يكون المجتمع شريكاً في الإصلاح. فإذا بدأ الإصلاح من المجتمع، انعكس على المستويات الأعلى. فالمعوق الأساسي هو: كيف نحول الإصلاح من شعار إلى الشارع، ثم إلى واقع عملي؟
- الأستاذ علاء الكاظمي، باحث اكاديمي:
توجد قصة طريفة عن جحا، إذ خرج يوماً خارج بيته يبحث عن شيء ضائع. مرّ به شخص وسأله: ماذا تفعل يا جحا؟ قال: أبحث عن مفتاح بيتي. فجاء آخر وثالث ورابع، حتى اجتمع معه عدد من الناس يبحثون عن المفتاح. وبعد أن تعبوا، سأله أحدهم: أين أضعت المفتاح بالضبط؟ فقال: أضعته داخل البيت. فقالوا له: إذا كان المفتاح ضائعاً داخل البيت، فلماذا نبحث عنه هنا؟ قال: لأن الداخل مظلم، أما هنا فهناك ضوء.
هذه قصة طريفة، لكنها تعبر عن واقعنا. هناك مراكز ودراسات عالمية تعمل على صناعة الجهل، لا صناعة العلم. أي كيف تُضيّع أصل المشكلة، وتُدفع الناس إلى البحث عنها في مكان آخر. وأفضل من كتب في هذا الموضوع صاحب كتاب نظام التفاهة، والاسم دقيق جداً؛ لأن القضية منظمة وواعية، فإضاعة المشكلات عملية مقصودة، حتى في بعض المؤسسات العلمية التي بدأت تصنع الجهل وتستثمر العقول الكبرى في صناعة الجهل.
في تصوري، لا يمكن أن ننتقل إلى مرحلة الحل إذا لم نشخص المشكلة بدقة، وإذا لم نبحث في الزوايا المظلمة عن أصل المشكلة ومكانها الحقيقي. بعد ذلك يمكن أن ننتقل إلى مرحلة التغيير.
النقطة الثانية: أحياناً تشخيص مشكلة واحدة بدقة يكون كافياً لعلاج مشكلات كثيرة. فإذا كان الماء يتسرب من فتحة معينة، فبدلاً من معالجة الفتحة الأساسية، يذهب الشخص ليبني حواجز ترابية هنا وهناك، ويبقى مشغولاً بصناعة الحواجز. بينما لو عالج مصدر التسرب، لانتهت كثير من المشكلات.
لذلك أرى أن الجهود ينبغي أن تتركز على الوصول إلى المشكلة الأساسية التي تكون سبباً لمشكلات كثيرة. ولا أرى أن القضية متعلقة بالحكومة فقط، بمعنى أنه إذا زالت الحكومة ستحل المشكلات سحرياً. لدينا خلل في الحكومة، وخلل في الوعي، وخلل في فهمنا للتحديات الخارجية والداخلية. والشعب أحياناً يخاف من التغيير أو من السلطة، لأنه لا يشخص المشكلة بدقة، ولا يعرف من أين ينطلق، ولا ما هي العلاجات التي ينبغي العمل عليها.
النقطة الثالثة، وهي في تصوري أهم من النقطتين السابقتين: أحياناً نشخص المشكلة لكننا لا نملك إرادة المعالجة، لا القدرة. وهناك فرق كبير بين القدرة والإرادة. فالمدخن يعرف مضار السيجارة، وهو قادر على تركها، لكنه لا يمتلك الإرادة.
لذلك ينبغي أن نسأل مع كل مشكلة: هل لدينا إرادة معالجتها؟ كثير من الشعوب تصالحت مع مشكلاتها، وبدأت تعيش معها، لأنها تعرف أن الإصلاح مكلف. فعندما نتحدث عن قضية الإصلاح، نتذكر قول الإمام الحسين عليه السلام: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”. ثم ماذا حدث؟ حدثت كربلاء، ووقعت المذبحة، وكانت هناك تضحيات كبيرة جداً. الإمام الحسين عليه السلام كان يدرك قيمة الإصلاح وثمنه، وكان مستعداً لدفع هذا الثمن.
لكن هل نحن، الذين نتحدث عن الإصلاح، مستعدون لدفع ثمنه؟ نيلسون مانديلا قضى سبعة وعشرين عاماً في السجن. وكثير من رجال الإصلاح دفعوا أثماناً باهظة.
وعلى مستوى الشعوب أيضاً، هل الشعوب مستعدة لدفع ثمن الإصلاح؟ إذا قلنا للشعب العراقي إن جزءاً من مشكلتك مرتبط بالاستهلاك، وبمواقع التواصل الاجتماعي والإعلانات التي تصنع حاجات وهمية، فهل يمتلك الإرادة ليتحرر من هذه القيود؟
نحن بحاجة إلى تنمية الإرادة، وإلى وضوح المشكلة، والعمل على تنمية الإرادة. وهذا من أفضل الحلول المطروحة.
- الأستاذ صلاح الجشعمي، باحث قانوني:
هناك نوع من التغيير الطبيعي الذي يسير منذ عام 2003 حتى اليوم. هناك إزاحات جيلية؛ جاءت مواليد التسعينات، ثم الألفينات، وهذا تغيير موجود، لكنه بطيء ولا يظهر أثره بسرعة.
وهناك تغيير ثوري، وتغيير ممنهج، وتغيير اجتماعي. وقد يكون هناك تغيير سياسي أو إداري. والعنوان المطروح يشمل كل هذه الأنواع.
المجتمع العراقي لا يفتقد الرغبة في التغيير، لكنه يخشى التغيير. فإذا ظهرت أي حركة اجتماعية، إما تُتهم بالخيانة، أو تُحسب على هذا الطرف أو ذاك. إضافة إلى ذلك، هناك مجهولية المستقبل: من سيحل محل الفراغ الذي يتركه القديم؟
نحن نستطيع أن نضع مناهج تغييرية، وأتصور أن التغيير المجتمعي، وإن كان بطيئاً ويحتاج إلى وقت طويل، هو أفضل الحلول. أما التغييرات الإدارية أو السياسية التي تأتي عن طريق صندوق الاقتراع، فأرى أن كثيراً من الناس قد فقدوا الأمل بها.
كذلك يخشى العراقيون من التغيير الثوري، والمجتمع لا يمتلك حتى الآن الوعي والإدراك الكافي لتشخيص مصلحته، ولا لتمييز المقالات والمشاريع التي تُعرض عليه من الأطراف والشخصيات الحالية والمستقبلية.
الفرد عندما يكون وحده يفكر بطريقة، لكنه عندما ينخرط في جمهور، يختلف تفكيره ومعاييره. العقل الجمعي ليس كالعقل الفردي.
عملية التغيير في العراق صعبة، وهناك فاعلون يمنعون حالة التغيير، ومنهم فاعلون إقليميون؛ لأن بقاء الوضع في العراق كما هو أفضل لمصالحهم من وجود وعي عراقي يؤدي إلى تغيير نحو الأفضل.
لذلك أرى أن المفتاح هو تغيير المجتمع. في اعتقادي، حركة الأنبياء والأئمة عليهم السلام لم تذهب دائماً إلى تغيير السلطة مباشرة، كما في تجربة الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام، وإنما ذهبت إلى تثقيف المجتمع أكثر من تغيير السلطة. وأعتقد أن الحل حالياً هو توعية الناس، والبدء بتغيير أفكارهم ووعيهم. هذا هو أفضل الحلول.
أما العراقيون، كأفراد ومجتمع، فهم في الغالب يائسون وخائفون من أي تغيير، ولديهم شكوك تجاه أي جهة تريد تغييره.
- الأستاذ علي حسين عبيد، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
لدينا في العراق ماكينة قوية وكبيرة تمتهن صناعة الخوف وغرسه في عقول ونفوس وقلوب العراقيين. والهدف واضح جداً، إذ يتم التركيز على الناس البسطاء، الذين يشكلون طبقة أفقية واسعة، تقارب ثمانين بالمئة من المجتمع العراقي. هذه الطبقة ليست متنورة بما يكفي، ولذلك يسهل على ماكينة الخوف أن تزرع الخوف في عقولها البسيطة. وهذا من أكبر أسباب مقاومة التغيير وعدم القدرة عليه.
وهذه المنظومة التي تصنع الخوف لا تنحصر داخل العراق فقط، بل تمتلك أذرعاً موجهة من خارج العراق، سواء من قوى دولية أو دول إقليمية مجاورة، تساعد على صناعة الخوف لمنع التغيير في العراق.
والحل يكمن في إحياء وتنشيط منظومة القيم. موت الضمير العام ـ وهذا مصطلح دقيق ـ يشمل الضمير عامة. لقد مات هذا الضمير لأن منظومة القيم العظيمة، كالإخلاص والصدق والوفاء، التي كان يتمتع بها أجدادنا بدرجة كبيرة، قد ضعفت لدى الأجيال اللاحقة. وقد جرى العمل على تشويه عقلية الإنسان ونفسيته وأفكاره وقيمه.
لذلك لابد ان ننهض بالقيم من جديد. وهذا يحتاج إلى جهود كبيرة. وبعد إحياء منظومة القيم، يمكن إحياء الضمير العام، ويمكن أن يتحقق التغيير.
- الأستاذ جواد العطار، كاتب وباحث:
طبيعة الإنسان تحب التغيير نحو الأحسن. من لديه بيت صغير يريد توسيعه، ومن لديه سيارة قديمة يريد تجديدها، وهكذا. الإنسان بطبيعته يسعى إلى التغيير، لكن بين الرغبة في التغيير وتحقيقها مسافة واسعة. فهناك معوقات، وهناك كلفة لا يكون الإنسان مستعداً لتحملها.
كأن يكون لدى شخص مشروع صغير، ويريد أن يدخل في مشروع أكبر، لكنه يخاف أن يخسر ما بيده. التجارب الفاشلة تراكمت في وعي الإنسان حتى أصبح يقول: لا أخاطر بما لدي. لذلك فالتغيير مطلب إنساني ينسجم مع فطرة الإنسان وغريزته، لكن الوصول إليه يحتاج إلى وعي.
السيد حسن الشيرازي، في كتابه كلمة الإسلام، وهو كتاب مهم جداً، تحدث عن وسائل وأدوات التغيير. والوعي الإسلامي أو السياسي أو العام، إذا لم يكن موجوداً، لا يمكن أن نحصل على تحول. والوعي لا يعني أن يمتلك الإنسان شهادة في الهندسة أو الطب، بل يعني الإحساس بالمسؤولية.
الخوف من المستقبل، واليأس، والتجارب الفاشلة، كلها صنعت قناعة بأن الإنسان لا يريد أن يخسر ما لديه. أما مشروع التغيير، إذا عدنا إلى تاريخنا الإسلامي، نجد في مسيرة الرسول صلى الله عليه وآله لوحة كبيرة لعملية التغيير التي انسجم فيها النبي مع مجتمعه. كان المجتمع يحتاج إلى وعي، وتحريك، وتنشيط، وبعث الثقة في النفوس، وهذا ما تحقق.
صناعة المجتمع الواعي هي صناعة التغيير. فإذا لم نستطع أن نصنع مجتمعاً واعياً وحاساً بالمسؤولية، لا نستطيع أن نحركه نحو التغيير. وعدم وجود قيادة فاعلة أيضاً يمنع تحقق الهدف.
الرسل جاؤوا في أوقات الأزمات. فالأمم حين تصل إلى الانحطاط والضعة والتسافل تحتاج إلى نبي ينقذها. ونحن في الواقع نحتاج اليوم إلى نبي بهذا المعنى. والنبي صلى الله عليه وآله قال: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
إذن، وجود قيادة إلى جانب شعب واعٍ وجماهير واعية يمكن أن يخلق حالة من التغيير المطلوب والمنشود.
- الأستاذ محمد علاء الصافي، باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:
عندما قرأت العنوان جذبني: التغيير، والعراق، وتفتيت مقاومة التغيير، والضمير. هذه مفردات لها أهمية كبيرة، لكنها اليوم لا تجد صدى كافياً في المجتمع العراقي لأسباب عميقة.
قبل سنة أو أكثر تناولنا موضوع التغيير في مركز الإمام الشيرازي، واستفدنا حينها من كتاب السبيل إلى نهضة المسلمين للسيد محمد الشيرازي رحمه الله. وعندما أعددنا الورقة، وجدنا أن الأسباب التي كانت مطروحة في الستينات والسبعينات هي نفسها تقريباً التي يعاني منها المجتمع العراقي اليوم، مع فارق كبير، وهو تحول العالم نحو ثورة رقمية وحضارية وعلمية.
كان يفترض أن يصبح الجمود الفكري والانغلاق شيئاً من الماضي. في حقبة البعث والاستبداد السياسي كان العراقيون محرومين من الاطلاع، أما اليوم فالعراقيون لا يمتلكون عذراً كافياً لمقاومة التغيير.
منذ عام 2003 حتى اليوم، أرى أن هناك ليس فقط مقاومة للتحول، بل مقاومة للتغيير نفسه، وترسيخاً لهذه المقاومة في جميع مؤسسات الدولة، السياسية والثقافية والدينية والفكرية والشعبية. فلا توجد اليوم مؤسسة في العراق تدعو إلى تغيير عام وتناقشه بحرية حقيقية.
الحكومات والأحزاب السياسية والقوى السياسية، بل حتى بعض العشائر والمؤسسات الاجتماعية، تستخدم القوانين نفسها التي كانت موجودة سابقاً، مثل قانون العقوبات وقوانين البعث، من خلال السجون والمحاكم والملاحقة ومنع الكلمة المعارضة لأي نهج استبدادي في الدولة. ولا يمكن أن يأتي التغيير بهذا النهج.
المواطنون أصبحوا غير مهتمين بالشأن العام، ويعتقدون أن الانتخابات لا تأتي بنتائج. وقد بُرمجوا بهذا الشكل. فقانون انتخابي معين يعطي مخرجات معينة، ومن وضع هذا القانون ومن شرع هذه القوانين التي تمنع التغيير هو الطبقة السياسية نفسها، وهي الطبقة التي تتحكم أيضاً بالواقع الاقتصادي.
السياسة الريعية جعلت المواطن ينتظر الراتب أو الرعاية الاجتماعية من الدولة، ويبقى تحت رحمتها. فإذا أراد أن يثور أو يطالب أو يقاوم هذه السياسة، يخاف أن يُحرم حتى من هذا الفتات.
هذه سياسة تجهيل وسيطرة وقمع واستبداد، ولا يمكن أن تعطينا مخرجات تغييرية. كيف نواجه هذا؟ نواجهه أولاً بالحرية. نحن بحاجة إلى نظام، أو على الأقل فسحة من الحرية، لمواجهة الكوابح والممانعين للتغيير. نحتاج إلى التعددية والشورى. وأسباب مقاومة التغيير تبدأ من غياب الحرية.
- الأستاذ حسين علي حسين، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
النقطة الأولى: تضارب المصالح. وأقصد بذلك الطبقة الحاكمة. أغلب هذه الطبقة قبل عام 2003 كانت تعيش أوضاعاً مادية ضعيفة، وبعد 2003 حدث انفجار مادي كبير في حياتها. فكيف يمكن لشخص لم يكن قد رأى المال والسلطة ثم رآهما فجأة أن يغير تفكيره؟ كيف يمكن أن نغير تفكير دولة كاملة إذا كان بناة الدولة أنفسهم لم تتغير عقليتهم؟
النقطة الثانية: هيمنة الولاءات الفرعية الحزبية والطائفية على المصلحة العامة. وهنا لا يكون الخلل في الدولة فقط، بل في الشعب أيضاً. فالشعب الذي يقتنع بانتخاب شخص فاسد مقابل بطاقة رصيد أو وجبة غداء، كيف يمكن أن نعيد برمجة عقله ليصبح صالحاً في المستقبل؟ هذا لا يحدث بسهولة؛ لأنه اقتنع بهذا النمط وتعايش معه.
النقطة الثالثة، وهي من صلب الاختصاص، هي الاعتماد على الاقتصاد الريعي. نحن في العراق منذ زمن طويل نعتمد على الاقتصاد الريعي. فإذا لم نغير هذا النظام الاقتصادي، فكيف نغير أنفسنا؟ إذا لم نغير النظام الذي نسير عليه، فلا نستطيع أن نغير واقعنا.
أما كيف نفتت مقاومة التغيير، فيكون ذلك من خلال معالجة المشكلات التي ذكرناها: تنويع الاقتصاد، دعم الإنتاج، تغيير النظام الاقتصادي إلى نظام متنوع، وترسيخ المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، إلى جانب الجوانب الأخرى التي ذكرها الإخوة.
- الأستاذ احمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
مفردة “التغيير” تحتاج إلى تحديد: تغيير ماذا؟ هل نغير نظام الحكم؟ أم الشعب؟ أم النظام السياسي؟ أم نظام الانتخابات؟ أم مؤسسات الدولة الفاسدة؟ ثم إن التغيير لا يكون دائماً إيجابياً، فقد يكون تغييراً للأسوأ. ونحن نطمح إلى التغيير نحو الأفضل.
قبل عام 2003 كانت هناك رغبة عامة لدى الشعب العراقي في تغيير النظام السياسي؛ لأن ثمانين بالمئة من المجتمع تقريباً كانوا متضررين. وبعد تغيير النظام وصارت هناك بحبوحة نسبية في العيش، تغيرت المعادلة، وأصبح كثير من فئات المجتمع لا تقبل التغيير، بل تقاومه. فهي لا تريد أن تتحمل كلفة التغيير.
إذن، الإنسان نفسه يقاوم التغيير قبل النظام السياسي وقبل مؤسسات الدولة. وقد يقاوم حتى تغييراً في شكل بناية أو ترتيب مكان اعتاد عليه، ولو كان التغيير نحو الأفضل. وهذه قضايا مرتبطة بالنفس البشرية.
هناك صراع بين التغيير والاستفادة؛ أي كم سيخسر المواطن من التغيير؟ كثيرون يقولون: سنخسر من التغيير. مثال سلم الرواتب واضح؛ فهناك فئات كثيرة من موظفي الدولة تقول: لا نريد تغيير سلم الرواتب، لأن الوضع الحالي أضمن لنا. ولا نعرف إن كان السلم الجديد سينصفنا أم لا. وهذا خوف نابع من عدم ضمان العدالة.
نحن نتحدث عن التغيير باتجاه الإصلاح، خاصة في قضايا الفساد والاستبداد داخل مؤسسات الدولة. وكذلك أفكار المجتمع تحتاج إلى تغيير. مجتمعنا، للأسف، لا يعي كثيراً من قضايا حب الوطن، مثل النظافة، والاعتناء بأوقات الدوام، وأداء الموظف لواجبه الوظيفي، سواء كان مدرساً أو أستاذاً جامعياً أو موظفاً. إذا بدأ الإنسان بنفسه وبحكم وظيفته، يمكن أن نصل إلى تغيير منشود، دون فرض قسري.
أما إذا فرض التغيير فقط بالغرامات والسجون، فإنه بمجرد ارتفاع القوة عن المجتمع أو الفاسد، يعود الوضع كما كان.
- الأستاذ حسين شاكر العطار، باحث قانوني:
ما تفضلتم به هو عين الصواب ولا يحتاج إلى تكرار، لكن أود أن أركز على أن الخوف هو السبب الأول لمقاومة التغيير. وقد قال الإمام علي عليه السلام: “إذا هبت أمراً فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه”.
في مجتمعنا خوف واضح من التغيير. المنظومة الفاسدة والفئات المستفيدة، خاصة من الاقتصاد الريعي، سببت التأقلم مع هذا الوضع من أجل استفادة آنية وشخصية، وعدم التخلي عن الأنا وعدم نكران الذات. وهذه من أهم الأسباب المثبطة والمقاومة للتغيير.
أما الطريق الأسهل للتغيير، هل هو من رأس الهرم إلى القاعدة أم العكس؟ الأسهل بالتأكيد هو من رأس الهرم، بأن تبدأ السلطة بتغيير تصرفاتها. لكن العراق جرب هذا الطريق بالانقلابات والثورات والاحتلال، ولم يحصل التغيير المطلوب.
حتى المرجعية، في مصادرها الخاصة، كانت تشير إلى أن التغيير ينبغي أن يكون من الأسفل إلى الأعلى. نعم، هذا طريق طويل وبعيد المدى، لكنه أسلم؛ لأننا لا نمتلك بديلاً واضحاً. أي ثورة أو تغيير قوي من دون بديل قد يفتح باب الفوضى، كما رأينا في 2019، حيث كنا قاب قوسين أو أدنى من الفوضى.
نحن مجتمع عشائري وقبلي، والقسوة موجودة، والدم قد يصبح رخيصاً. لذلك أرى أن التغيير ينبغي أن يبدأ من القاعدة السفلى.
أما كيف نفتت مقاومة التغيير؟ فهنا أرى أن دور المؤسسات التربوية والأكاديمية غائب تماماً، ويكاد يكون منعدماً بسبب النمطية والعقلية الفاسدة الموجودة في الدولة، والتي انتقلت إلى كل مفاصلها، ومنها المؤسسات الأكاديمية والتربوية.
الجامعات اليوم تنتج طلاباً بعقلية موظفين، متأقلمين مع المنظومة. الطالب يأتي من الإعدادية مبرمجاً على هذا النمط، وهذه مسألة خطيرة جداً. إذا لم تكن هناك صدمات إيجابية توقظنا من هذا السبات، فنحن في خطر كبير.
النموذج الناجح مهم، لكن عندنا الشخص الناجح محارب. وفي كل مؤسسة يوجد شخص ناجح ومجتهد، لكن المنظومة تحاربه حتى يتعب أو يرتكب زلة فيتم إسقاطه. وهذه مشكلة عقلية موجودة في منظومة الفساد: محاربة الناجح.
كما نحتاج إلى منظومة قانونية حديثة ومتطورة. من دونها سنبقى في دوامة مغلقة. نحتاج إلى قوانين جديدة، وفلسفة جديدة، ورؤى جديدة؛ لأن الأجيال تغيرت. وأفضل حل أن نوجه المجتمع إلى المطالبة بقوانين حديثة وتطبيق حقيقي للقانون. نعم لدينا قوانين، لكنها بالية وبيروقراطية، بينما المجتمعات تغيرت وفلسفة القانون تغيرت. لذلك نحتاج إلى نهضة شاملة في هذا الجانب.
- الدكتور حسين السرحان، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
في تصوري، الموضوع عميق جداً، والمختصون في علم الاجتماع السياسي حين يقرأون الحالة العراقية والتغيير فيها يدركون عمق المسألة. لا يمكن أن نسطح الأمور ونقول فقط إن هناك شبكة مصالح مستفيدة من الوضع ولا تسمح بالتغيير، ولا يمكن أيضاً أن نقول إن التغيير سهل ويمكن أن يحدث بمظاهرة أو احتجاج.
لكل وضع اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي بنية. الفشل الذي نعيشه هو بنية، والنجاح أيضاً بنية. كل دولة تعيش فشلاً أو نجاحاً أو خللاً إنما تعيش ضمن بنية مكونة من بنى فرعية: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية. هذه البنى قادتنا إلى هذا الوضع.
أعتقد أن مقدم الورقة حين يقول “التغيير العراقي” يقصد التغيير الشامل في كل شيء. وهذا التغيير الشامل لا يتعلق فقط بالسؤال: هل يكون بثورة، أو من الأعلى، أو من الأسفل؟ القضية قضية بناء. هل تتوفر البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللازمة لهذا التغيير؟
نحن لا نطمح إلى الهدم وإعادة البناء من الصفر، بل إلى بناء البنى الأساسية للوضع العام أو الضمير العام. والسلطات داخل الدولة ليست فقط السلطة السياسية، بل هناك سلطات اجتماعية ودينية وثقافية واقتصادية.
نحن كمجتمع عراقي لدينا بنية اجتماعية ودينية وثقافية، ولدينا سلطة سياسية، ولدينا سلطات اقتصادية متعددة. بصراحة لدينا تركيبة معقدة من البنى السلطوية داخل المجتمع العراقي، تداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالديني بالعشائري، حتى دخل فيها المقاولون وأصحاب الشركات والمصالح، وصاروا جزءاً من البنية التي تدير الدولة.
ضمن هذه البنية صار لدينا عناصر دينية وسياسية وعشائرية وأصحاب مصالح وشركات، وتحول بعضهم إلى جماعات ضغط على الدولة، وبالتالي يقاومون أي تغيير. ومن يغذي هذه البنى؟ في رأيي، الاقتصاد الريعي هو المغذي الأساسي.
هذه الشبكة الزبائنية المصالحية المعقدة، التي تجمع العشيرة ورجل الدين ورجل السياسة وأصحاب المصالح، تدير في فلكها طبقات من موظفين، وفنانين، ورياضيين، وكتاب، وإعلاميين. أصبحنا ندور في فلك هذه الشبكة، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر. بل أصبحنا نحن أنفسنا جزءاً من مقاومة التغيير من حيث لا نشعر.
كيف نفتت هذه المقاومة؟ أتصور أن المغذي الرئيسي لهذه البنى المقاومة للتغيير هو البنية الاقتصادية. ومن تجارب دولية عديدة، لا يتغير الواقع من دون تغيير نمط الإنتاج. من دون تغيير نمط الإنتاج، لن تتغير هذه البنى.
القوى السياسية والدينية والعشائرية الموجودة حالياً ليس من مصلحتها أن يحدث تغيير في السياسة الاقتصادية للدولة. فكل شيء اليوم يدور حول الدولة. حتى الجامعات الأهلية، مثلاً، حين عُيّن عدد كبير من أساتذتها في الحكومة، دخلوا ضمن رحى الاقتصاد الريعي ومنظومة المصالح القائمة. فأصبح الشخص الذي كان يعتقد أنه مستقل عن الدولة مرتبطاً بها وببقاء النظام القائم.
لذلك فإن مقاومة التغيير، ترتبط أساساً بالبنية الاقتصادية.
- الأستاذ صادق الطائي، باحث وكاتب:
النظام الناجح هو الذي يقوده حس وشعور ورغبة وضمير عام. يمكن القول إنه مجتمع قادر على الإصلاح، وله القابلية أن يفتت عمليات التغير وإعادة بناء الضمير، وتحويل الإصلاح إلى واقع عملي، ويتجاوز كل المشاكل من محاصصة أو فساد إداري وتراجع في الضمير العام، وتحويل الشعور والإدراك العام إلى سلاح وقوة اجتماعية بيد الشعب.
عندما نكوّن شعباً طليعياً ونملك أمة واعية لدورها في بناء المجتمع، صاحب قدرة وموقف، يمكن أن نصنع حاجزاً قوياً قادراً أن يكون حاجزاً متمكناً من الوقوف أمام عمليات تخريب الإصلاح.
أما لماذا العراق يمر بحالة فقدان الضمير العام والحرص على البناء؟ أعتقد (المحاصصة) المقيتة التي يُنظر إليها من بعيد على أنها إنجاز ديمقراطي، ولكنها مؤامرة في تفتيت طاقات وقدرات الأمة الواحدة، ويمكن قراءة التجربة خلال أكثر من عشرين سنة كيف كانت وكيف أصبحت؟
(بريمر) تآمر على البلاد بوضع (المحاصصة) واعتبارها ورقة نجاة ونقطة مركزية في الديمقراطية، في الوقت الذي كان الشعب يحمل على كتفه مفتخراً –وهو لا يدري– نعشه.
تعقيبات مقدم الورقة
هذه الإجابات والمداخلات قيمة، والموضوع مهم جداً وعميق، وليس مجرد قضية عابرة. نحن نحتاج إلى ما يمكن أن نسميه علم التغيير، والتعمق فيه أكثر.
كل المفاسد الموجودة اليوم هي بسبب عدم وجود تغيير إيجابي. وعندما يغيب التغيير الإيجابي، تتغير المفاسد سلبياً وتدخل في البنية الثقافية والأخلاقية، حتى يصبح الفساد بنية تحتية متصلبة يصعب تغييرها.
كانت لدينا فرصة في الدول العربية والعراق خاصة، منذ الربيع العربي وأحداث تشرين. كانت هناك أصوات شبابية تطالب بالتغيير. صحيح أن التجارب كانت تتضمن مشكلات كثيرة، لكنها كانت فرصة لو تغير الشرق الأوسط كله تغييراً إيجابياً، لما وصل الآن إلى ما وصل إليه من أنظمة شمولية طاغوتية متصلبة تذل شعوبها.
في العراق وصل الامر إلى مرحلة الإذلال. المواطن حين يذهب إلى الدولة يشعر أن الدولة أصبحت طاغية، وأن المواطن ذليل. وهذا الذل، في يوم من الأيام، سيفجر ثورة؛ فهذه من قوانين الحياة، أن الذل يفجر الثورة.
أما الضمير العام، فعندما يموت تكون المشكلة خطيرة. الإنسان يعيش بضميره، ونحن نعيش في مجتمع آمن مطمئن لأن الإنسان يمتلك ضميراً. فإذا جردت الإنسان من ضميره أصبح متوحشاً ومجرماً. فكيف إذا مات ضمير مجتمع كامل؟ يصبح المجتمع متوحشاً، وتصبح الجريمة طبيعة داخلية فيه.
لا نشعر اليوم أن المجتمع يزداد توحشاً وجريمة؟ ألا ترون ذلك؟ هذا يعني أن الضمير العام تطبع مع الفساد، ومع الحرام، ومع كل ما هو سيئ. وفي الوقت نفسه تزداد الدولة قمعاً وطغياناً وإذلالاً. إلى أين ستقودنا هذه العملية؟
هناك تعايش مع الخلل، ومع المشكلة، ومع المرض النفسي، ومع الانفصام، ومع الجريمة، ومع الفساد. وهذا هو معنى التعايش مع المرض.
أما ما ذكره أحد الإخوة عن أن الإنسان يحب تغيير سيارته وبيته، فقد كتبت في هذا الموضوع تحت عنوان الخوف من التغيير، وقلت فيه إن الإنسان الذي يحب تغيير الأشياء قد يكون هارباً من التغيير الحقيقي. يغير سيارته، لكنه لا يغير نفسه. يغير الأشياء، لكنه لا يغير معناه ولا أخلاقه. مجتمعنا اليوم يهرب إلى التغيير الاستهلاكي حتى يهرب من التغيير الحقيقي الذي يحتاجه، وهو وجود المعنى والغاية. المجتمع الذي يفقد المعنى والغاية يفقد المسؤولية والضمير العام. لذلك يموت الضمير العام وتموت المسؤولية.
والمشكلة، كما أشار أحد الإخوة، هي وجود تحالف قوي من أشكال متعددة، يشبه التحالف الذي أدى إلى قتل الإمام الحسين عليه السلام؛ تحالف الدين والسياسة والقضاء والقانون والعشيرة. واليوم أيضاً هناك تحالف مصالح فاسد يؤدي إلى مزيد من الأزمات والتكيف معها.
أنا لا أظن أن الدولة قادرة وحدها على التغيير؛ لأنها جزء من المشكلة. ولا أملك أملاً كبيراً بالدولة في أي مكان، لا في العراق فقط. التغيير الحقيقي يبدأ من الشعب، من الوعي بالمشكلة. وعي الشعب، ووعيه بأهمية الانتخابات.
نظرتي إلى الانتخابات سلبية من جهة، لكنني لا أزال أؤمن بأنه لا حل لنا غير الانتخابات. المهم كيف نطبقها؟ كنت أقرأ دراسة جميلة عن الديمقراطيات التي صعد فيها حكام حاولوا تحويلها إلى أنظمة استبدادية. الدراسة تناولت اثنتين وعشرين دولة، وخلصت إلى أن عشرين حاكماً حاولوا أن يتحولوا إلى دكتاتوريين، لكن الانتخابات أسقطتهم، أو أن تحديد مدة الولاية أسقطهم.
لذلك الانتخابات مهمة جداً، ويجب أن يتحول الرأي العام الشعبي نحو التغيير عبر الانتخابات، حتى لا تصبح الدولة متصلبة. كلما بقيت الدولة بالأشخاص أنفسهم، ازدادت تصلباً. برأيي ينبغي أن يكون لكل منصب ولاية محدودة، حتى الموظف الصغير، بحيث ينتقل إلى مكان آخر أو دور آخر. يجب أن تكون هناك مرونة في المناصب والسلطة، حتى لا يحدث التصلب. فإذا تصلبت الدولة، صارت تقول: أنا القانون، وصار القانون في خدمة الدولة الفاسدة.
استنتاجات وتوصيات
1. الاستنتاج: التغيير العراقي ليس تغييراً سياسياً شكلياً، فالتغيير المطلوب في العراق لا يقتصر على تبديل الحكومات أو الوجوه أو الشعارات، بل هو تغيير عميق يمس بنية الدولة والمجتمع والإنسان، ويعيد صياغة علاقة المواطن بالقانون، والسلطة بالمسؤولية، والمجتمع بالمصلحة العامة.
التوصية: ينبغي بناء مشروع وطني شامل للتغيير، لا يكتفي بالإصلاح السياسي، بل يربطه بالإصلاح المؤسسي، والثقافي، والتربوي، والأخلاقي، والاقتصادي.
2. الاستنتاج: مقاومة التغيير في العراق عميقة ومركبة، فمقاومة التغيير لا تنبع فقط من الفساد الإداري أو المحاصصة أو المصالح الحزبية، بل تتشكل أيضاً من الخوف، وفقدان الثقة، والإحباط، وفقدان اليقين بالمستقبل، وتراجع الضمير العام.
التوصية: يجب التعامل مع مقاومة التغيير بوصفها ظاهرة مركبة، عبر معالجة أسبابها النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لا عبر الاكتفاء بالخطاب الوعظي أو الشعارات الإصلاحية العامة.
3. الاستنتاج: فقدان الأمل يؤدي إلى موت الضمير العام، وعندما يفقد الإنسان والمجتمع الأمل بإمكان الإصلاح، يتراجع الشعور بالمسؤولية، ويبدأ التطبيع مع الفساد والخلل، فيتحول الصمت على الخطأ إلى سلوك مألوف، وتضعف الرقابة الأخلاقية الداخلية.
التوصية: ينبغي إحياء الأمل العملي لا العاطفي، من خلال نماذج إصلاح واقعية وملموسة تُظهر للناس أن النزاهة ممكنة، وأن القانون قادر، وأن التغيير ليس وهماً مؤجلاً.
4. الاستنتاج: المجتمع العراقي تكيف مع الخلل، فمن أخطر مشكلات العراق أن المجتمع والدولة تكيفا مع المرض والخلل، حتى أصبح الفساد والضعف الإداري والاعتماد على الواسطة جزءاً من الحياة اليومية.
التوصية: ينبغي إطلاق مشروع ثقافي وتربوي وإعلامي يهدف إلى كسر الاعتياد على الخلل، وترسيخ فكرة أن التعايش مع الفساد ليس واقعية، بل استسلام طويل الأمد يقود إلى الانهيار.
5. الاستنتاج: الخوف من المجهول أحد أكبر عوائق التغيير، حيث ان كثرة الحروب والانقلابات والأزمات جعلت كثيراً من العراقيين يربطون التغيير بالفوضى، لا بالإصلاح، ويفضلون البقاء في واقع سيئ معروف على الدخول في مستقبل مجهول.
التوصية: يجب تحويل الخوف إلى فهم، عبر شرح مسارات الإصلاح بوضوح: لماذا نحتاج إلى التغيير؟ ما كلفته؟ من يتحملها؟ ما ضماناته؟ وكيف يمكن أن يكون تدريجياً وآمناً وعادلاً؟
6. الاستنتاج: غياب الرؤية البديلة يضعف إرادة الإصلاح، فالنقد والغضب وحدهما لا يصنعان تغييراً؛ فالمجتمع يحتاج إلى رؤية بديلة تمنحه الثقة بأن ما بعد التغيير أفضل من الواقع القائم.
التوصية: ينبغي أن تقدم القوى الإصلاحية والنخب الفكرية والمؤسسات المدنية برامج عملية واضحة، لا مجرد اعتراضات، تشمل إصلاح الإدارة، والاقتصاد، والتعليم، والخدمات، وبناء الثقة العامة.
7. الاستنتاج: الاقتصاد الريعي يغذي الزبائنية ومقاومة التغيير، والاعتماد على الدولة والراتب والامتيازات يجعل قطاعات واسعة من المجتمع خائفة من أي تغيير قد يهدد مصالحها المباشرة، كما يجعل السلطة قادرة على ضبط المجتمع عبر التوزيع الريعي.
التوصية: يجب الانتقال تدريجياً من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد منتج، من خلال دعم القطاع الخاص الحقيقي، وتنويع مصادر الدخل، وتمكين المشاريع الصغيرة، وربط التعليم بسوق العمل.
8. الاستنتاج: الإصلاح يحتاج إلى عدالة في توزيع الكلفة، وهو من أهم أسباب رفض التغيير أن المواطن يشعر أن كلفة الإصلاح تقع غالباً على الضعفاء، بينما تبقى امتيازات المسؤولين والمتنفذين محفوظة.
التوصية: ينبغي أن تبدأ كلفة الإصلاح من قمة الهرم، عبر تقليل الامتيازات العليا، وضبط الإنفاق العام، ومحاسبة كبار الفاسدين، حتى يشعر المواطن أن التغيير عادل وليس عقوبة للفقراء.
9. الاستنتاج: التغيير لا ينجح بالصدمة بل بالتدرج، حيث أن صدمة التغيير قد تؤدي إلى رد فعل عكسي، خصوصاً في مجتمع مرّ بحروب وأزمات طويلة، لذلك يحتاج العراق إلى تغيير متدرج ومدروس.
التوصية: يجب اعتماد سياسة الإصلاح المرحلي، عبر مشاريع نموذجية محددة: مدرسة نموذجية، دائرة حكومية نموذجية، مدينة نموذجية، أو خدمة رقمية ناجحة، ثم تعميم التجربة تدريجياً.
10. الاستنتاج: الضمير العام هو أساس التغيير المستدام، والقانون وحده لا يكفي إذا مات الضمير العام؛ لأن المجتمع حين يفقد حسه الأخلاقي يتطبع مع الفساد، وتتحول الدولة إلى غنيمة، والمنصب إلى امتياز، والمواطن إلى فرد يبحث عن نجاته الخاصة.
التوصية: ينبغي إطلاق مشروع وطني لإعادة بناء الضمير العام، تشترك فيه المدرسة، والجامعة، والمنبر الديني، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، ويركز على قيم المال العام، والنزاهة، والمواطنة، والعمل، والمسؤولية، وخدمة الناس.






اضف تعليق