تكشف الرُّؤية العاشورائيَّة لدى المرجع الشيرازي عن بناءٍ فكري متكامل في فهم الإمام الحسين، بوصفه مشروعًا إلهيًّا شاملًا لإحياء الدِّين والإنسان معًا، لا مجرَّد واقعة تاريخيَّة تُستحضر في سياق وجداني أو احتفالي محدود. فالمعالجة العاشورائيَّة تتحوَّل إلى منظومة معرفيَّة وتربويَّة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الإنساني على أساس القيم...
لا تُقرأ عاشوراء في فكر سماحة المرجع الدِّيني السيِّد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) بوصفها مناسبة تاريخيَّة تُستذكر في موسمٍ محدَّد، أو حادثةً عاطفيَّة تُستعاد تفاصيلها في المجالس فحسب؛ وإنَّما تُقرأ باعتبارها قضيةً إلهيَّةً ممتدَّة في الوعي والفكر الإنساني، تحمل طاقةً متجدِّدة على صناعة الإنسان المؤمن، وصيانة الهوية الرِّساليَّة، وإعادة تشكيل العلاقة بين الأمَّة وقيم الإسلام. وعلى هذا الأساس فإنَّ واقعة الطَّف، في رؤيته حالة حضور دائم في ضمير الأمَّة، ومصدر إشعاع فكري وأخلاقي يوجِّه حركة الإنسان نحو الحقِّ.
عند التَّأمُّل في كلمات المرجع الشيرازي ومحاضراته ومؤلفاته المرتبطة بالإمام الحسين (عليه السلام)، يظهر بوضوح أنَّ كربلاء تمثِّل عنده مشروعًا إصلاحيًّا مفتوحًا، لا يختص بعصرٍ دون آخر؛ لأنَّ الانحراف الذي واجهه الإمام الحسين (عليه السلام) كان تهديدًا لمنظومة الدِّين، ومحاولة لإفراغ الإسلام من محتواه الأصيل. ولذلك فإنَّ النَّهضة الحسينيَّة تُقدَّم بوصفها معيارًا تُقاس به استقامة الارتباط بالله (تعالى)، ومقياسًا يُعرف عن طريقه صدق الالتزام بالمبادئ الإلهيَّة.
وتنبثق هذه الرُّؤية من فهمٍ عميق للغاية التي خرج من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام). فالمرجع الشيرازي يرفض اختزال الثَّورة الحسينيَّة في بعدها العسكري أو السِّياسي؛ لأنَّ سيِّد الشُّهداء (عليه السلام) نهض من أجل إنقاذ الأمَّة من الانهيار العقائدي والأخلاقي، وحماية الرِّسالة الإسلاميَّة من التَّحريف. وهذا المعنى تؤيِّده وصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) المشهورة: "وَأَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أشِراً، وَلا بَطِراً، وَلا مُفْسِداً، وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي (صلَّى الله عليه وآله)، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأبِي عَليِّ بْنِ أَبي طالِب (عليهما السلام)، فَمَنْ قَبِلَني بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللهُ أَوْلى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هذا أَصْبِرُ حَتّى يَقْضِيَ اللهُ بَيْني وَبَيْنَ الْقَومِ بِالْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمينَ"(1).
ومن هنا تتكرر في كلمات سماحة المرجع الشيرازي الإشارة إلى أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي حفظ الإسلام المحمَّدي الأصيل بدمه الطَّاهر، وأنَّ الأمَّة كانت مهدَّدة بفقدان روح الدِّين تحت سلطة بني أمية الذين سعوا إلى توظيف الإسلام غطاءً لحكمٍ يقوم على القهر والانحراف وإقصاء القيم الإلهيَّة. ولو نجح المشروع الأموي في ترسيخ صورته المشوهة عن الإسلام، لتحوَّل الدِّين إلى منظومة شكليَّة فاقدة للرُّوح، ولسقط البعد الرِّسالي الذي جاء به النَّبيُّ الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله).
وهذا الفهم ينسجم مع ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في بيان الموقع المحوري للإمام الحسين (عليه السلام) في بقاء الرِّسالة. فقد رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قوله: "حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً، حُسينٌ سِبطٌ من الأسْبَاط"(2)، وهي رواية تكشف عن وحدة الامتداد الرِّسالي بين النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) والإمام الحسين (عليه السلام)، حتَّى صار حفظ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) حفظًا لرسالة جدِّه المصطفى (صلَّى الله عليه وآله).
وفي ضوء هذه الرُّؤية، لا تُختزل عاشوراء في دائرة الحزن وحدها، مع أنَّ الحزن على الإمام الحسين (عليه السلام) من أعظم القربات والشَّعائر؛ وإنَّما تُفهم بوصفها مدرسةً متكاملة لصناعة الوعي، وتربية الضَّمير، وبناء الإنسان الرِّسالي القادر على التَّمييز بين الحقِّ والباطل. ولهذا كثيرًا ما يركِّز المرجع الشيرازي على ضرورة أن تتحوَّل المجالس الحسينيَّة إلى منابر للهداية والتَّثقيف والإصلاح الاجتماعي؛ لأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) أراد من الأمَّة أن تعي أهداف نهضته، وأن تعيش قيم التَّضحية والحرية والكرامة والارتباط بالله (تعالى) إلى جانب البكاء والحزن عليه (عليه السلام).
ويستند هذا المعنى إلى البعد القرآني الذي يجعل من مواجهة الانحراف وظيفةً رساليَّة ملازمة للإيمان، كما في قول الله (تعالى): (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(3).
فالإمام الحسين (عليه السلام) مثَّل الامتداد العملي لهذه الآية، حين قدَّم نفسه وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) قرابين من أجل بقاء معالم الحقِّ حيَّة في الأمَّة.
وإزاء ذلك تتَّضح ملامح الرُّؤية العاشورائيَّة عند المرجع الشيرازي بوصفها مشروع نهضةٍ دائم، يعيد للإنسان إنسانيته، ويربطه بالله (سبحانه)، ويمنحه القدرة على مقاومة الظُّلم والانحراف مهما تغيَّرت الأزمنة والظُّروف. فالإمام الحسين (عليه السلام)، في هذا المنهج هو مدرسة إحياء متجدِّدة للدِّين، والإنسان، والضَّمير.
المحور الأوَّل: الإمام الحسين (عليه السلام) ومشروع حفظ الدِّين
1. الإمام الحسين (عليه السلام) استثناء في عالم الوجود
تتميَّز الرُّؤية العاشورائيَّة لدى المرجع الشيرازي بتأكيدٍ واضح على البعد الاستثنائي لشخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، وموقعه المحوري في منظومة الوجود الإنساني والرِّسالي. فالقضية الحسينيَّة، وفق هذا التَّصور، لا تُقرأ بوصفها حدثًا تاريخيًّا مماثلًا لبقية الوقائع، ولا تُدرَس باعتبارها تجربة سياسيَّة أو اجتماعيَّة قابلة للمقارنة؛ ولكن تُفهم باعتبارها حالة فريدة تتجاوز المألوف التَّاريخي، حتَّى يُعبَّر عنها بأنَّها "استثناء في عالم الوجود"؛ أي: أنَّها واقعة تتجمع فيها المعاني الإلهيَّة الكبرى في أعلى درجات حضورها في الواقع البشري.
ولا تنبع هذه الاستثنائيَّة من حجم المأساة وحدها، على الرَّغم من أنَّ مأساة كربلاء تمثِّل ذروة الألم الإنساني في التَّاريخ؛ وإنَّما تنبع أساسًا من كونها تمثِّل ذروة الامتحان الإلهي للبشريَّة جمعاء، حيث تتجلَّى فيها معاني الإخلاص المطلق لله (تعالى) في أعلى صورها، ويُختبر فيها الإنسان في موقفه من الحقِّ عندما يتجرَّد الحقُّ من كلِّ أدوات القوَّة الماديَّة. وهنا تتحوَّل كربلاء إلى معيار كاشف لحقيقة الإنسان، لا إلى مجرَّد واقعة تُروى.
لقد اجتمعت في واقعة الطَّف عناصر لا تتكرر في أيِّ حدث آخر من أحداث التَّاريخ؛ إذ تتجلَّى فيها الامتدادات الفكريَّة للرِّسالة المحمديَّة، حيث يُستحضر وجود النَّبي الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) من خلال امتداد خطِّه الرِّسالي في الإمام الحسين (عليه السلام)، كما تحضر القيم القرآنيَّة بوصفها مرجعيَّة حاكمة على الموقف، ويتجلَّى مفهوم الإمامة باعتباره امتدادًا عمليًّا للهداية الإلهيَّة في الأرض. وفي الوقت ذاته، تتحوَّل الأرض إلى ساحة اختبار كبرى، تُعرض فيها القيم في مواجهة الانحراف، ويُختبر فيها الإنسان بين نصرة الحقِّ أو الانحياز إلى الباطل.
ومن هذا المنطلق، يبيِّن سماحة المرجع الشيرازي أنَّ شخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) معيار فاصل تُقاس به المواقف، وتُكشف من خلاله البواطن، فلا يعود الموقف من الإمام الحسين (عليه السلام) موقفًا عاطفيًّا أو تاريخيًّا محضًا، ويتحوَّل إلى موقف عقدي يكشف موقع الإنسان من الله (تعالى). فسيِّد الشُّهداء الحسين (عليه السلام) في هذا التَّصور إنَّما هو امتداد مباشر لخطِّ الهداية الإلهيَّة، ومن ثمَّ فإنَّ القرب منه يعني القرب من الله (تعالى)، كما أنَّ الابتعاد عنه يعني ابتعادًا عن جوهر الدِّين، وإن تمسَّك الإنسان بالشِّعارات الدِّينيَّة.
ويجد هذا المعنى جذوره في الرُّؤية القرآنيَّة التي تجعل من موقف الإنسان معيارًا للإيمان أو الانحراف، كما في قول الله (عزَّ وجلَّ): (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) (4)، فحين يتمثَّل الحقُّ في أعلى درجات ظهوره في شخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، يصبح الموقف منه موقفًا فاصلًا بين الهداية والضَّلال.
ومن هذه الحقيقة يمكن فهم سلوك الأئمَّة الطَّاهرين (عليهم السلام) اتِّجاه القضية الحسينيَّة بوصفه سلوكًا يهدف إلى ترسيخ هذا المعنى الاستثنائي في الوعي الدِّيني للأمَّة؛ إذ امتدَّت إلى التَّأكيد المستمر على الزِّيارة، وإقامة مجالس العزاء، وربط الهوية الدِّينيَّة بواقعة كربلاء. وقد تحوَّلت عاشوراء في هذا السِّياق إلى مركز الهوية الرِّساليَّة، وإلى محور الانتماء الفكري لأهل البيت (عليهم السلام).
إنَّ استثنائيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا التَّصور تعني أنَّ وجوده (عليه السلام) يمثِّل نقطة ارتكاز في فهم الدِّين ذاته، وأنَّ واقعة كربلاء معيار مستمر لتمييز الحقِّ من الباطل، والهداية من الانحراف، والوعي من الغفلة، بما يجعلها حاضرة في تشكيل الوعي الإنساني عبر العصور.
2. عاشوراء مشروع لإنقاذ البشريَّة من الجهل
ترتكز الرُّؤية العاشورائيَّة لدى سماحة المرجع الشيرازي على إدراكٍ عميق لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، باعتبارها مشروعًا إلهيًّا يهدف إلى انتشال الإنسان من براثن الجهل بمختلف صوره وأبعاده؛ لا الجهل بمعناه البسيط القائم على فقدان المعرفة فحسب؛ وإنَّما الجهل بوصفه منظومة انحراف فكري وأخلاقي وروحي تُعطِّل فكرَ الإنسان، وتعيد تشكيل إدراكه للحقائق وفق مصالح السُّلطة والهوى. فالجاهليَّة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام) كانت جاهليَّة مركَّبة تتخفَّى داخل المنظومة الدِّينية والاجتماعيَّة للأمَّة. وقد كان المجتمع آنذاك يمارس شعائر الإسلام من صلاة وصيام وتلاوة للقرآن، إلَّا أنَّ هذه المظاهر لم تكن كافية لضمان سلامة الوعي أو استقامة الموقف؛ فقد اختلط الحقُّ بالباطل، وتشوَّهت معايير التَّمييز، حتَّى أصبح كثير من النَّاس غير قادرين على التَّفريق بين الامتداد الحقيقي لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وبين السُّلطات التي رفعت شعار الإسلام بينما مارست الانحراف باسمه (صلَّى الله عليه وآله).
وتكمن خطورة هذا النَّمط من الجاهليَّة في كونه يعيد إنتاج الدِّين بصورة مشوهة تُفرغ القيم من محتواها، وتحوِّل النُّصوص الدِّينيَّة إلى أدوات تبرير سياسي واجتماعي. ومن ثمَّ يصبح أخطر أنواع الانحراف هو ذلك الذي يتقمص ثوب الدِّين؛ لأنَّه يربك الوعي، ويعطل القدرة على التَّمييز بين الحقِّ والباطل. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قول الله (عزَّ وجلَّ): (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)(5)، في إشارة إلى أنَّ غياب الوعي حالة تنتهي إلى تفاوت جذري في الموقف والسُّلوك والاتِّجاه.
وفي هذا السِّياق، تتجلَّى وظيفة النَّهضة الحسينيَّة باعتبارها مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي على أساس التَّمييز بين الحقيقة والزَّيف، وبين الدِّين الأصيل والدِّين المُحرَّف. فالإمام الحسين (عليه السلام) في الرُّؤية التي يقدِّمها المرجع الشيرازي خرج ليعيد تعريف الإنسان بموقعه من الحقِّ، ويحرره من أسر التَّزييف الذي مارسته السُّلطة الأمويَّة حين استبدلت جوهر الدِّين بظاهره.
وقد ورد في الحديث الشَّريف عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "والذي بَعَثَني بالحقِّ نبيّاً، إنَّ الحسينَ بنَ عليٍّ في السَّماءِ أكبرُ منه في الأرضِ، وإنَّه لمكتوبٌ عن يَمينِ عرشِ اللَّه (عزَّ وجلَّ): مصباحُ هدًى وسفينةُ نَجاة" (6)، وهي عبارة تحمل دلالة معرفيَّة عميقة؛ وتشير إلى أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يمثِّل مصدر إضاءة للوعي الإنساني في مواجهة ظلمات الانحراف، كما يمثِّل طريقًا للنَّجاة من الانزلاق في الضَّلال الفكري والسُّلوكي. فالمصباح إشارة إلى وظيفة معرفيَّة تتمثَّل في كشف الطَّريق وتمييز الاتِّجاه الصَّحيح في لحظات الالتباس التَّاريخي والفكري.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يرى المرجع الشيرازي أنَّ المجالس الحسينيَّة ينبغي أن تُفهم باعتبارها مشروعًا متكاملًا لتربية الوعي، وإعادة بناء الإدراك الدِّيني، وإنقاذ الإنسان من الانقياد غير الواعي للشِّعارات المضللة. فالمجلس الحسيني في جوهره فضاء لإحياء البصيرة، وإعادة توجيه التَّفكير نحو المعايير الإلهيَّة في فهم الحقائق.
وعند هذه النُّقطة تتبيَّن أهميَّة ما يركِّز عليه المرجع الشيرازي من ضرورة نشر الثَّقافة الحسينيَّة بوصفها ثقافة وعي لا ثقافة عاطفة مجرَّدة، والعمل على تربية الأجيال النَّاشئة على فهم الأهداف الحقيقيَّة لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وربط الشَّباب بالبعد الفكري والسُّلوكي لهذه النهضة، لا بمجرَّد مظاهرها الشَّعائريَّة. فالمطلوب في هذا التَّصور بناء وعي ممتد يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالدِّين والواقع.
وبذلك تتحوَّل عاشوراء إلى مدرسة متكاملة لتربية العقل والقلب معًا؛ فهي من جهةٍ تبني الوجدان على أساس الحبِّ والولاء، ومن جهةٍ أخرى تؤسِّس لوعي نقدي قادر على التَّمييز بين الحقِّ والباطل، وبين الدِّين الأصيل والانحراف المؤدلج. وهذا التَّكامل بين البعد العاطفي والبعد المعرفي هو ما يمنح النَّهضة الحسينيَّة قدرتها المستمرة على التَّأثير في الإنسان عبر العصور، ويجعلها مشروعًا دائمًا لإنقاذ البشريَّة من الجهل بكلِّ صوره وتجلياته.
3. الشَّعائر الحسينيَّة هوية الدِّين
الدِّفاع عن الشَّعائر الحسينيَّة من أبرز الملامح الفكريَّة في المشروع العاشورائي لدى المرجع الشيرازي؛ إذ يوليها موقعًا مركزيًّا في فهمه لوظيفة الدِّين في حياة الإنسان والمجتمع. فالشَّعائر، في هذا التَّصور هي امتداد حيّ لخط الرِّسالة، وأداة فاعلة في حفظ الهوية الدِّينية وصيانة الامتداد الرِّسالي لأهل البيت (عليهم السلام).
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، أو إقامة المجالس، أو تنظيم المواكب، أو خدمة الزَّائرين، أو رفع الرَّايات، أو إظهار الحزن، بوصفها تعبيرات وجدانيَّة محضة؛ وإنَّما تُفهم باعتبارها مواقف عقائديَّة ذات دلالة رساليَّة، تُجسِّد الارتباط العملي بالإمام الحسين (عليه السلام)، وتُعبِّر عن الانتماء العميق لمشروعه الإصلاحي. فهذه الممارسات، في جوهرها هي تعبير عن موقف من الحقِّ والباطل، ومن الظُّلم والعدل.
ويُبرز المرجع الشيرازي في هذا السِّياق بُعدًا لافتًا يتمثَّل في أنَّ عظمة الثَّواب الوارد في النُّصوص الشَّريفة بشأن الشَّعائر الحسينيَّة هي كاشفة عن عظمة القضية التي تمثِّلها هذه الشَّعائر. فالتَّأكيد المتكرِّر على فضل الدَّمعة، وعظمة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وأهميَّة إقامة العزاء، يشير إلى أنَّ القضية الحسينيَّة تتجاوز بعدها الفردي لتصل إلى كونها قضية بقاء الإسلام المحمَّدي الأصيل في مساره الصَّحيح.
وقد ورد في الحديث الشَّريف عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "كُلُّ الجَزَعِ وَالبُكاءِ مَكروهٌ، سِوَى الجَزَعِ وَالبُكاءِ عَلَى الحُسَينِ (عليه السّلام)، فَإِنَّهُ فيهِ مَأجورٌ" (7)، وهو نصٌّ يكشف عن خصوصيَّة فريدة تجعل من البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) فعلًا عباديًّا يرتقي إلى مستوى القربة؛ لأنَّه يرتبط بإحياء قضية مركزيَّة في حفظ الدِّين.
وفي ضوء هذا الفهم، تصبح الشَّعائر الحسينيَّة وسيلة لإبقاء الإمام الحسين (عليه السلام) حاضرًا في وجدان الأمَّة، لا بوصفه شخصيَّة تاريخيَّة من الماضي. فهي تعمل على ترسيخ الوعي الجمعي، ومنع حالة الانفصال بين الدِّين والحياة، وتحصين المجتمع من الانزلاق نحو القبول بالانحراف والظُّلم بوصفهما واقعًا طبيعيًّا.
وترتيبًا على ذلك تتَّضح أيضًا الأبعاد الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة العميقة لهذه الشَّعائر؛ إذ إنَّ إحياء عاشوراء يمتدُّ إلى بناء الإنسان الحرّ الذي يرفض الذُّل والخضوع للباطل، ولا يقتصر على الجانب التَّعبدي. وقد أدركت الأنظمة الظَّالمة عبر التَّاريخ هذه الحقيقة، فكانت تنظر إلى المجالس الحسينيَّة باعتبارها مصدر وعيٍ مقاوم، أكثر خطورة من أدوات القوَّة الماديَّة؛ لأنَّها تُنتج إنسانًا يمتلك وعيه الدِّيني والرِّسالي، ولا يقبل الانقياد الأعمى للسُّلطة أو الانحراف.
4. البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) لغة الوعي والولاء
يتناول المرجع الشيرازي البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) على أنَّه ظاهرة تتجاوز البعد العاطفي، فهي تعبِّر عن الوعي والولاء والانتماء الرِّسالي. فالبكاء، في هذا التَّصور هو تعبير عن موقف فكري وروحي، يكشف طبيعة العلاقة بين الإنسان ومبادئ الحقِّ التي جسَّدها الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطَّف.
فالدَّمعة الحسينيَّة هي إعلان ضمني عن الموقف من الظُّلم والانحراف، وتجديد للارتباط بخط الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام). إنَّها صيغة وجدانيَّة للتَّعبير عن الرَّفض للباطل، وفي الوقت نفسه تأكيد للانتماء إلى المشروع الإلهي الذي يمثِّله الإمام الحسين (عليه السلام). وفي ضوء هذه الرُّؤية يصبح البكاء فعلًا واعيًا، يحمل في طيَّاته التزامًا أخلاقيًّا وروحيًا يتجاوز حدود المشاعر العابرة.
وقد ورد التَّأكيد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) على أهميَّة البكاء والإبكاء والتَّباكي على الإمام الحسين (عليه السلام)، باعتبار ذلك وسيلة لحفظ حرارة القضية في القلوب، وضمان استمرار حضورها في الوجدان الفردي والجمعي. فالقضية التي تبقى حيَّة في المشاعر تبقى قادرة على التَّأثير في السُّلوك، بينما القضايا التي تُجرَّد من بعدها الوجداني تذبل تدريجيًّا حتَّى تُنسى، مهما كانت عظيمة في أصلها. فأحد أسرار استمرار عاشوراء كان نتيجة حضورها الحي في وجدان الأمَّة، الذي حفظته الدُّموع قبل أن تحفظه النُّصوص. والبكاء هنا يتحوَّل إلى أداة لحفظ الذَّاكرة الرِّسالية، وإعادة إنتاج الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام) جيلًا بعد جيل.
كما يبرز في كلمات المرجع الشيرازي أنَّ هذا البعد الوجداني لا ينفصل عن البعد التَّربوي، وأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) عملوا على ترسيخ حالة الحزن الواعي على الإمام الحسين (عليه السلام) باعتبارها وسيلة لتثبيت العلاقة مع الله (تعالى)، وتجديد الشُّعور بالانتماء إلى خط الهداية. فالحزن على أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) يصبح في هذا السِّياق شكلًا من أشكال الذِّكر الإلهي؛ لأنَّه يربط الإنسان بقضية تمثِّل امتدادًا عمليًّا للحقِّ الإلهي في الأرض.
وقد ورد عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) ما يدل على هذا المعنى حين قال: "مَن ذَكَرَنا أو ذُكِرْنا عندَهُ فَخرَجَ مِن عَينِهِ مِثلُ جَناحِ الذُّبابِ غفَرَ اللَّهُ له ذُنوبَهُ ولَو كانَ أكثرَ مِن زَبَدِ البحرِ"(8)، وهو نصٌّ يكشف عن القيمة الكبيرة للدَّمعة المرتبطة بالإمام الحسين (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام)، حيث تتحوَّل إلى وسيلة لتطهير النَّفس وتجديد الصِّلة بالله (تعالى).
وبذلك يتبيَّن أنَّ البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) في الرُّؤية العاشورائيَّة التي يقدِّمها المرجع الشيرازي هو امتداد للوعي الرِّسالي، وأداة لحفظ الهوية الدِّينيَّة، وصيغة من صيغ الولاء التي تجمع بين العاطفة والعقيدة في إطار واحد، يجعل من الدَّمعة لغةً صامتة؛ لكنَّها شديدة الدلالة في التَّعبير عن الانتماء للحقِّ الإلهي.
5. العلاقة بين عاشوراء والإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشَّريف)
في الرُّؤية العاشورائيَّة لدى المرجع الشيرازي تُفهم عاشوراء باعتبارها جزءًا من مسارٍ إلهي متكامل يبدأ بالإمام الحسين (عليه السلام) وينتهي بقيام الإمام المهدي (عليه السلام) بإقامة العدل الإلهي الشَّامل في الأرض.
فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُعدُّ في هذا الفهم الوارث الشَّرعي لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، بمعنى الامتداد الرِّسالي الذي يحمل أهداف كربلاء، ويواصلها في أفق التَّاريخ. وبهذا الاعتبار يأتي الشِّعار المركزي المنسوب إليه: "يا لثارات الحسين"(9)، بوصفه إعلانًا عن أنَّ مشروع الظُّهور المبارك يتأسَّس على استكمال العدالة التي بدأت في الطَّف، وعلى استرداد القيم التي دُفنت مع مظلوميَّة الإمام الحسين (عليه السلام).
ويشير هذا التَّرابط أيضًا إلى أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يعيش حالة ارتباط وجداني دائم بقضية جدِّه الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو ما عبَّرت عنه نصوص "زيارة النَّاحية المقدَّسة" بأشدِّ العبارات التي تكشف عمق اللوعة والحزن على مصاب كربلاء، بما يدل على أنَّ القضية الحسينيَّة جرحٌ حيّ ممتد في وجدان الإمامة إلى زمن الظُّهور. وهذا الامتداد يعكس وحدة الهدف بين الإمامين: الحسين (عليه السلام) في تشييد حصن الهداية الإلهيِّة بوجه الانحراف، والمهدي (عليه السلام) في إكمال هذا الخط بإقامة العدل الشَّامل.
وقد ورد في الحديث الشَّريف عن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ، لَبَعَثَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) رَجُلًا مِنَّا يَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا"(10). وروي عَنْ أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) أيضًا فِي قَوْلِهِ: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جعلنا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلاٰ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كٰانَ مَنْصُوراً)(11).
قَالَ: هُوَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) قُتِلَ مَظْلُوماً، وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَاَلْقَائِمُ مِنَّا، إذا قَامَ طَلَبَ بِثَأْرِ اَلْحُسَيْنِ..."(12). وهو نصٌّ يضع مشروع الإمام المهدي (عليه السلام) في سياق الامتداد الطَّبيعي لوعدٍ إلهي يبدأ بحفظ الحقِّ، وينتهي بإقامة العدل في آخر الزَّمان.
ومن هذا التَّرابط، يؤكِّد المرجع الشيرازي على ضرورة تربية الأجيال على الجمع بين الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام) والإمام المهدي (عجل الله فرجه)؛ لأنَّ هذا الارتباط يصنع وعيًا رساليًّا متكاملًا، يجمع بين روح التَّضحية الحسينيَّة وأفق الانتظار المهدوي. فالأمَّة التي تعيش عاشوراء بوعي، وأنَّها مشروع إصلاحي مستمر تكون أكثر استعدادًا للتَّمهيد الحقيقي لظهور الإمام المهدي (عليه السلام)؛ لأنَّ الانتظار في جوهره هو التزام عملي بقيم الحقِّ والعدل والرَّفض للظُّلم.
وبذلك تتجلَّى العلاقة بين عاشوراء والإمام المهدي (عليه السلام) باعتبارها علاقة امتدادٍ رسالي واحد، يبدأ بالتَّضحية الحسينيَّة وينتهي بالعدالة المهدويَّة، في مسارٍ إلهي واحد يُعيد صياغة التَّاريخ الإنساني على أساس الحقِّ والعدل والكرامة.
6. لماذا بقي الإمام الحسين (عليه السلام) خالدًا؟
يُطرح في الرُّؤية العاشورائيَّة لدى سماحة المرجع الشيرازي سؤالٌ جوهري: لماذا بقي الإمام الحسين (عليه السلام) حيًّا خالدًا في الضَّمير على الرَّغم من مرور القرون، في حين اندثرت أسماء ملوكٍ وإمبراطورياتٍ قامت ثمَّ زالت دون أثر يُذكر؟
إنَّ الإجابة التي تتشكَّل في هذا الإطار الفكري تنطلق من أنَّ سرَّ الخلود الحسيني يعود إلى ارتباط هذه القضية بالبعد الإلهي الخالص، لا إلى عوامل بشريَّة أو تاريخيَّة محضة. فكلُّ ما كان متَّجهًا إلى الله (تعالى) بإخلاص كامل، ومبنيًّا على إرادة الحقِّ الخالية من المصالح الذَّاتية، فإنَّه يكتسب بُعد البقاء والاستمرار في منظومة التَّاريخ.
وقد بلغ هذا التَّوافق ذروته في واقعة كربلاء، حيث قدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) ذاته وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) في سبيل حفظ الدِّين وإحياء القيم الإلهيَّة، فذابت إرادته الفرديَّة في الإرادة الإلهيَّة المطلقة، ولم يعد فعله فعلًا شخصيًّا أو محدودًا بزمان أو مكان، لقد تحوَّل إلى رمز للحقِّ في مواجهة الباطل، يبعث الحياة في القلوب التي يثقلها الغفلة، ويوقظ الضَّمائر التي يضعف فيها الإحساس بالحقِّ، ويعيد تشكيل فهم الإنسان لمعاني الكرامة والإيمان والتَّضحية.
وقد ورد في الحديث الشَّريف عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "إنَّ لِقَتلِ الحُسَينِ حَرارَةً في قُلوبِ المُؤمِنينَ لا تَبرُدُ أبَداً .ثُمَّ قالَ (عليه السّلام): بِأَبي قَتيلُ كُلِّ عَبرَةٍ، قيلَ: وما قَتيلُ كُلِّ عَبرَةٍ يَابنَ رَسولِ اللَّهِ؟
قالَ: لا يَذكُرُهُ مُؤمِنٌ إلَّا بَكى"(13)، وهو نصٌّ يكشف عن البعد الوجداني العميق لاستمرار حضور الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث تتحوَّل هذه "الحرارة" إلى عنصر دائم في بناء الوعي الإيماني، يحفظ الارتباط بالقيم الإلهيَّة عبر الزَّمن.
المحور الثَّاني: الإمام الحسين (عليه السلام) ومشروع بناء الإنسان
1. عاشوراء والتَّربية
لا يقتصر البعد العاشورائي في رؤية المرجع الشيرازي على الجانب الوجداني أو التَّعبدي فحسب، ويتجاوز ذلك ليشكِّل منظومة تربويَّة أخلاقيَّة متكاملة تُعيد صياغة الإنسان، وتؤسِّس لوعيٍ سلوكي قائم على القيم التي جسَّدها الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطَّف. فالإمام الحسين (عليه السلام)، في هذا التَّصور كان معلِّمًا للأخلاق في أقصى لحظات الابتلاء؛ حيث تتجلَّى القيم الإنسانيَّة في أعلى درجاتها. فقد قدَّم للأمَّة نموذجًا عمليًّا في الصَّبر والثِّقة المطلقة بالله (تعالى)، وفي حفظ الكرامة مهما اشتدَّ الظُّلم، وفي الإخلاص الكامل في مواجهة التَّحديات. وقد ورد في سيرته (عليه السلام) ما يبيِّن هذا البعد الأخلاقي حين كان يتعامل مع المواقف القاسية بروحٍ رحيمة، حتَّى في اللحظات التي كان فيها العطش والمواجهة في ذروتهما.
وتتجلَّى عظمة الإمام الحسين (عليه السلام) في كونه لم يتعامل مع أعدائه من منطلق الرَّغبة في الإبادة أو الانتقام؛ وكان هدفه هدايتهم وإيقاظ ضمائرهم وإعادتهم إلى طريق الحقِّ ما أمكن ذلك، حيث فتح لهم أبواب التَّوبة حتَّى اللحظات الأخيرة، وخاطبهم بالحكمة والموعظة، وسعى إلى أن يكون موقفه الإصلاحي وسيلة لإنقاذ الإنسان لا لإهلاكه. وهذا ما يجعل كربلاء في بعدها الأخلاقي نموذجًا فريدًا في تاريخ الصِّراع الإنساني، حيث يتقدَّم فيها البعد القيمي على أيِّ اعتبار آخر.
وفي ضوء هذا الفهم، يؤكِّد المرجع الشيرازي أنَّ الانتماء إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ينبغي أن يتحوَّل إلى سلوك يومي يعكس قيم أهل البيت (عليهم السلام) في حياة الإنسان. فالمشاركة في الشَّعائر، مهما بلغت من الحماسة والارتباط الوجداني، لا تحقِّق تمام أهدافها ما لم تنعكس على أخلاق الفرد في تعامله مع النَّاس، ومعاملاته الاجتماعيَّة، ومواقفه في الحياة العامَّة.
وعلى هذا الأساس يصبح الانفصال بين الشَّعائر والسُّلوك الأخلاقي حالة تناقض مع جوهر النَّهضة الحسينيَّة؛ لأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) خرج ليُقيم نموذجًا إنسانيًّا يُقتدى به في الأخلاق والتَّعامل والسُّلوك. فالمحب الحقيقي للإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي تتحوَّل مشاعره إلى سلوك، وولاؤه إلى أخلاق، وانتماؤه إلى مشروع إصلاحي في نفسه ومجتمعه.
ولهذا يركِّز المرجع الشيرازي على ضرورة الإخلاص في العمل الحسيني، واجتناب المعاصي، والالتزام بالتَّقوى، وحسن أسلوب الدَّعوة إلى الله (تعالى)، والتَّعامل الرَّحيم مع النَّاس؛ لأنَّ هذه القيم هي الامتداد الطَّبيعي لنهج الإمام الحسين (عليه السلام). فالشَّعائر وسيلة لإنتاج إنسانٍ صالح، يعكس في حياته اليوميَّة صورة من أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، ويكون امتدادًا عمليًّا لرسالتهم في الإصلاح والهداية.
وبذلك تتحوَّل عاشوراء إلى مدرسة أخلاقيَّة شاملة، تُعيد تشكيل الإنسان على أساس القيم الإلهيَّة، لتجعل من كلِّ محبٍّ للإمام الحسين (عليه السلام) مشروع إنسانٍ رساليٍّ يحمل في سلوكه معاني الصَّبر والرَّحمة والكرامة والإصلاح في آنٍ واحد.
2. عاشوراء امتحان للبشريَّة
تنبع الرُّؤية العاشورائيَّة لدى المرجع الشيرازي من فهمٍ عميق لقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، بوصفها امتحانًا إلهيًّا عامًا يمتد أثره إلى البشرية جمعاء، ويكشف مواقف النَّاس من الحقِّ والباطل عبر مختلف الأزمنة، لا يقتصر على دائرة المسلمين أو أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ويمتدُّ ليشمل الإنسان بوصفه إنسانًا، حيث تُختبر فيه الفطرة، وتُقاس فيه القيم، وتُكشف من خلاله المواقف الحقيقيَّة اتِّجاه الحقِّ والباطل.
فكربلاء، في هذا التَّصور هي نموذج كوني دائم للصِّراع بين خطَّينِ متقابلينِ: خط الحقِّ الذي يمثِّل الكرامة والعدل والحرية، وخط الباطل الذي يقوم على الذُّل والطُّغيان وإلغاء إرادة الإنسان. ولهذا السَّبب فإنَّ دلالة عاشوراء تتجاوز الانتماء الدِّيني الضيِّق لتتحوَّل إلى معيار إنساني عالمي يمكن من خلاله فهم موقع الإنسان من القيم الأساسيَّة التي تحفظ إنسانيته.
وقد تجلَّى هذا البعد الإنساني في تأثر عدد من المفكرين والباحثين من غير المسلمين بشخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث وجدوا فيها نموذجًا عالميًّا للثَّبات على المبدأ في مواجهة الظُّلم، ورمزًا للحرية والعدالة والتَّضحية من أجل القيم العليا. وهذا التَّفاعل يكشف أنَّ خطاب كربلاء خطاب إنساني يخاطب الفطرة السَّليمة أينما وُجدت؛ لأنَّها فطرة تميل بطبعها إلى الحقِّ، وتنفر من الظُّلم مهما اختلفت اللغات والثَّقافات. فهي قضية ترتبط بالضَّمير الإنساني العام، ولذلك لم تستطع التَّحولات التَّاريخيَّة أو السِّياسيَّة أو الثَّقافيَّة أن تطمس حضورها أو تقلل من تأثيرها؛ لأنَّها ترتكز على قيم ثابتة لا تتغيَّر بتغير الظُّروف.
وفي المقابل، يلفت المرجع الشيرازي إلى أنَّ الموقف السّلبي من الإمام الحسين (عليه السلام)، سواء كان بمحاربته أو بمحاولة طمس قضيته أو التَّقليل من شأنها، يمثِّل في جوهره انحيازًا إلى خط الظُّلم، حتَّى وإن تزيَّن هذا الموقف بشعارات دينيَّة أو سياسيَّة أو اجتماعيَّة. فالمعيار الحقيقي، في هذا الفهم، لا يُقاس بالشَّكل الخارجي للمواقف؛ وإنَّما بمضمونها القيمي وانسجامها مع خط العدالة الإلهيَّة.
ومن هذا المعطى تصبح عاشوراء معيارًا كاشفًا لتمييز المواقف الإنسانيَّة، حيث يتحدَّد موقع الإنسان من خلال موقفه من الإمام الحسين (عليه السلام): فالمحب له والمقتدي به يقترب من القيم الإلهيَّة ومن خطِّ الهداية، بينما الذي يعاديه أو يستهين بقضيته ينكشف ابتعاده عن روح الحقِّ، مهما حاول أن يتستر بالمظاهر أو الخطابات.
3. كربلاء مركز النُّور الإلهي
يقدِّم المرجع الشيرازي قراءةً معرفيَّة لمدينة كربلاء تتجاوز حدود الجغرافيا والتَّاريخ، لتجعل منها مركزًا للإشعاع الإلهي في الأرض، وبقعةً استثنائيَّة ارتبطت بالهداية الربَّانية ارتباطًا وثيقًا. فليست كربلاء، في هذا التَّصور، مجرَّد مدينة تحتضن ضريح الإمام الحسين (عليه السلام)؛ هي محور نورٍ متجدِّد تتصل به القلوب المؤمنة، وتستمد منه طاقتها في مسيرتها نحو الله (تعالى).
وتستند هذه الرُّؤية إلى ما ورد في النُّصوص الرِّوائية من بيان عظمة أرض كربلاء وخصوصيتها، وما أُعدّ لزائر الإمام الحسين (عليه السلام) وخادمه من الأجر العظيم والثَّواب الجزيل، بما يكشف أنَّ الزِّيارة حركة واعية نحو مركز يتجلَّى فيه القرب الإلهي في أبهى صوره. فالزَّائر، في هذا الفهم، ينطلق نحو مدرسة تربويَّة تُعيد تشكيل قلبه ووعيه وسلوكه، وتُقرِّبه من الله (تعالى) عبر بوَّابة الولاء للإمام الحسين (عليه السلام).
وقد أظهرت التَّجربة التَّاريخيَّة امتداد هذا الجذب الرُّوحي لكربلاء عبر القرون، حيث كانت الملايين من الزَّائرين يتوجهون إليها على الرَّغم ممَّا واجهوه من مخاطر القتل، والقمع والتَّضييق والمنع في مختلف العصور. وهذا الحضور المتكرر والمتجدِّد يكشف عن بُعد أعمق يتمثَّل في أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يمثِّل نورًا إلهيًّا حيًّا يجذب الفطرة الإنسانيَّة إلى موطنها الطَّبيعي، حيث تنجذب القلوب إلى الحقِّ مهما اشتدَّت العوائق الخارجيَّة.
ويُلفت المرجع الشيرازي إلى أنَّ سرَّ استمرار هذا الحضور، على الرَّغم من محاولات الطُّغاة المتكرِّرة عبر التَّاريخ، يكمن في طبيعة القضية الحسينيَّة ذاتها، فهي امتداد لنور إلهي لا يمكن حجبه أو إطفاؤه. وقد حاولت أنظمة متعدِّدة عبر التَّاريخ منع زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهدم قبره الشَّريف، وحظر المجالس، وملاحقة الشَّعائر، إلَّا أنَّ النَّتيجة كانت دائمًا عكسيَّة؛ إذ ازداد الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام) رسوخًا واتِّساعًا في وجدان الأمَّة.
4. الشَّباب والإمام الحسين (عليه السلام)
يُولي سماحة المرجع الشيرازي اهتمامًا بالغًا بفئة الشَّباب، بوصفها الشَّريحة الأكثر حساسيَّة في بناء المستقبل، والأكثر عرضة في الوقت نفسه للتَّأثيرات الفكريَّة والثَّقافيَّة المعاصرة. ومن هذا المنطلق، يرى أنَّ من أعظم مسؤوليات الأمَّة الدينيَّة والاجتماعيَّة أن تعمل على ربط الجيل الجديد بالإمام الحسين (عليه السلام)، باعتباره محورًا تربويًّا قادرًا على حفظ الهوية الإيمانيَّة وصياغة الوعي الرِّسالي لدى النَّاشئة.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق إدراكه لطبيعة التَّحديات التي يواجهها الشَّباب في العصر الحديث، حيث تتَّسع موجات الإلحاد الفكري، والانحراف السُّلوكي، والتَّفكك الرُّوحي، إضافة إلى ضغوط التَّغريب الثَّقافي التي تسعى إلى إعادة تشكيل وعي الجيل الجديد بمعزل عن مرجعياته الدِّينية والقيميَّة. وفي مواجهة هذه التَّحديات، لا يكتفي الطَّرح الدِّيني بالأساليب الوعظيَّة الجافة أو الأوامر المباشرة؛ وإنَّما يؤكِّد على ضرورة بناء علاقة عميقة متعدِّدة الأبعاد، تجمع بين الوجدان والعقل والسُّلوك، بين الانتماء العاطفي والوعي العقائدي.
وعليه تتجلَّى أهميَّة المجالس الحسينيَّة بوصفها فضاءً تربويًّا جامعًا يشارك في صناعة الوعي، وترسيخ القيم، وتشكيل الشخصيَّة الإيمانيَّة لدى الشَّباب. كما يبرز دور الأنشطة الثَّقافيَّة المرتبطة بعاشوراء، والخدمة الحسينيَّة، والتَّنشئة المبكرة للأطفال على محبَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، باعتبارها أدوات تربويَّة تسهم في بناء علاقة مستمرة بين الجيل النَّاشئ وبين خطِّ أهل البيت (عليهم السلام). ويشير المرجع الشيرازي إلى أنَّ الطِّفل الذي ينشأ في بيئة حسينيَّة، تتشرب فيها الرُّوح العاشورائيَّة منذ سنواته الأولى، يكتسب مناعة فكريَّة تجعل من الصَّعب انطفاء جذوة الإيمان في داخله؛ لأنَّ التَّجربة الوجدانيَّة المبكرة تُشكِّل جزءًا من بنيته النَّفسيَّة والرُّوحيَّة، وتبقى حاضرة في وعيه حتَّى في مراحل الانفتاح على العالم الخارجي.
وقد ورد في الحديث الشَّريف عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ"(14)، بما يشير إلى أنَّ البيئة التَّربويَّة هي العامل الحاسم في توجيه هذه الفطرة نحو الإيمان أو الانحراف.
وعليه، فإنَّ عاشوراء في الرُّؤية التي يقدِّمها المرجع الشيرازي تُفهم بوصفها مشروعًا لحماية المستقبل، من خلال إعداد جيلٍ يمتلك مناعة فكريَّة قادرة على مواجهة التَّحديات المعاصرة(15)، ويحمل في داخله ارتباطًا حيًّا بالإمام الحسين (عليه السلام)، يضمن استمراريَّة الهوية الإيمانيَّة للأمَّة عبر الزَّمن.
وخلاصة ما مرَّ: تكشف الرُّؤية العاشورائيَّة لدى سماحة المرجع الشيرازي عن بناءٍ فكري متكامل في فهم الإمام الحسين (عليه السلام)، بوصفه مشروعًا إلهيًّا شاملًا لإحياء الدِّين والإنسان معًا، لا مجرَّد واقعة تاريخيَّة تُستحضر في سياق وجداني أو احتفالي محدود. فالمعالجة العاشورائيَّة في هذا الإطار تتجاوز حدود العاطفة الموسميَّة لتتحوَّل إلى منظومة معرفيَّة وتربويَّة تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الإنساني على أساس القيم الإلهيَّة الأصيلة.
وفي هذا التَّصور، تُفهم عاشوراء باعتبارها مدرسة متكاملة لصناعة الوعي، ومنهجًا للإصلاح، وحركة مستمرة لإنقاذ الإنسان من الانحراف الفكري والأخلاقي، بما يجعلها حاضرة في كلِّ زمان بوصفها معيارًا للحقِّ ومقياسًا للهداية. ومن هنا تتجلَّى أهميَّة الاهتمام بالشَّعائر الحسينيَّة، والمجالس، والزِّيارة، والخدمة الحسينيَّة، بوصفها أدوات عمليَّة تحفظ استمراريَّة هذا المشروع الإلهي في الواقع الاجتماعي، وتُبقي الارتباط بالإمام الحسين (عليه السلام) حيًّا في ضمير الأمَّة.
كما يظهر في هذا الفهم أنَّ الهدف الأعمق من إحياء الذِّكرى تحويل هذا الإحياء إلى حالة وعيٍ مستمرة، بحيث ينتقل حبُّ الإمام الحسين (عليه السلام) من مستوى الشُّعور إلى مستوى الإدراك، ومن الإدراك إلى الالتزام السُّلوكي، ومن الالتزام إلى مشروع إصلاحي شامل يسهم في بناء الفرد والمجتمع على أسُّس أخلاقيَّة وروحية متينة.
وعليه، فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام)، في هذه الرُّؤية يُجسِّد روح الدِّين ونبض الرِّسالة، وسفينة النَّجاة التي ما زال نورها ممتدًّا في هداية البشريَّة نحو الله (تعالى). ومن هذا المنطلق، تبقى عاشوراء، على الرَّغم من تعاقب الأزمنة وتبدُّل الظُّروف، حاضرة في الوعي الإنساني بوصفها صوتًا دائمًا للحقِّ، ونداءً متجددًا لإيقاظ الضَّمائر، وشهادةً خالدة على أنَّ الحقَّ قد يُحاصَر في لحظةٍ؛ لكنَّه لا يمكن أن يُهزم أو يُمحى من مسار الوجود والتَّاريخ.



اضف تعليق