كل نفس بما كسبت رهينة، إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ

في بحثنا عن هوية المسلم في عصر الحداثة وما بعدها ناقشنا عناصر تشكّل الشخصية الإنسانية، وبالأخص الشخصية المسلمة، وطرحنا موضوع الكسب والاكتساب والفرق بينهما، وفي هذا المقال نريد أن نعرف كيف يصبح الإنسان مرتهَنا لما يكسبه من عادات وسلوكيات ومعتقدات وعواقب.

الكسب والاكتساب، عملية مهمة في تحليل الشخصية، ومعرفة تكوينها، ومحاولة تحليل هذه الشخصية، حتى يتم التعرف الى عوامل تشكيل الشخصية بشكل صحيح.

حالة الانحباس الدنيوي

من أهم القضايا التي يعيشها الإنسان في الدينا، هي حالة الانحباس الدنيوي، والارتهان النفسي وذلك بسبب طريقة حياة الإنسان وأسلوب تفكيره، وتعامله السلوكي، وإنتاجاته النفسية، أو إفرازاته النفسية التي تخرج من خلال المكوّن المتشكل من هذه الأشياء.

إن أغلب الناس يعيشون حالة الارتهان مما يكتسبونه من الأمور التي ذكرتها، فيصبحون في حالة ارتهان وانحباس وتقيّد، بحيث تصبح أغلالا وقيودا على الإنسان وعلى نفسه، (كل نفس بما كسبت رهينة)، (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ)، (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ، عَنِ الْمُجْرِمِينَ)) المدثر 41، مفردة الارتهان تعني (الإنسان المحبوس)، أو المقبوض عليه كالرهينة.

قد يرهن الإنسان شيئا ما مقابل ديْن، يعطي رهينة مقابل هذا الديْن، فتسمى رهينة محبوسة أو مقبوض عليها، فالارتهان يأتي بهذا المعنى، ومغلّل بتلك القيود التي وضعها على نفسه من خلال أعمال وأدائه في الحياة، هذا الإنسان كلما يكسب أو يكتسب يصبح في دائرة معينة حيث تتشكل عملية الحبس لهذا الإنسان، ويكون مرتهَنا لهذه السلوكيات، ولما جناه من أفكار أو من طبائع أو سلوكيات أو عادات.

وهذه الأطر والأغلال هي التي تشكّله، والاستثناء الذي تحدثت عن الآية القرآنية (إلا أصحاب اليمين)، يعني أن كل إنسان هو مرتهن لكن هناك استثناء لأصحاب اليمين. لأنهم فكوا عن رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق، كما جاء في التفاسير.

وفي الآية القرآنية: (فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا) الانشقاق: ٧، ٨.

بعض الناس يميلون نحو العادات السيئة، وبعضهم يميلون نحو الجيدة، وبعضهم يبقى في الوسط، فكلما استطاع الإنسان أن يتحرر من تلك القيود، والأغلال والآثار النفسية التي تثقل كاهله وقلبه ونفسه، يقترب كثيرا نحو أصحاب اليمين، حتى يتحرر من هذه القيود.

أما الإنسان الذي يذهب نحو أصحاب اليسار، فسوف تزداد الأثقال والأغلال عليه، ويزيد في بؤسه بؤسا وشقاء وسقوطا كما في الآية القرآنية:

(وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم، إنهم كانوا قبل ذلك مترفين، وكانوا يصرون على الحنث العظيم، وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون، أو آباؤنا الأولون، قل إن الأولين والآخرين، لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) الواقعة: ٤١-٥٠.

التوريط الشامل

أذكرا مثالا تطرقنا له في مناسبة سابقة، حول قضية الفساد وهي عملية تبدأ من خطوة واحدة، وهذه الخطوة ان لم يرجع الفرد الى نفسه تتراكم ثم تتكاثر باستمرار إلى أن تصبح ثقيلة كالجبل على الإنسان، فيخرج من منطقة الوسط ويذهب نحو اليسار، وكلما ذهب نحو اليسار أكثر يصبح أثقل وأثقل، ويصبح كابوسا على قلبه بعد أن تورّط بالمال الحرام.

فالحاكم الظالم والمجموعة الموجودة في الحكم أو المافيات، تحاول أن تورّط مختلف الناس في الفساد، حتى يصبح الفساد قضية شاملة لا يُحاسَب عليها أحد، فهي عملية التوريط الشامل في مستنقع الفساد، وهي من أخطر الأمور التي تؤدي إلى انهيار المجتمعات وانهيار الأمم.

لذلك نلاحظ هذا في الصراع الموجود بين اليسار واليمين، انه كلما تحرر الإنسان نحو اليمين يستطيع أن يأتي في يوم القيامة وكتابه في يمينه، وكلما ازدادت الاغلال واتجه نحو اليسار جاء بسيئات في يساره، فعلى الإنسان أن يتجه نحو اليمين دائما كي يتخلّص من الأغلال، وعليه طلب العفو والصفح والاستغفار والتوبة، هذه العملية التي يطلب فيها الإنسان من الله سبحانه وتعالى أن يخفف عنه وأن يوفقه ويزيده استقامة وصبرا على الطاعات.

الارتهان بين اليمين واليسار

الرهينة تعني كالمحبوس والمديون والمقيّد بأعماله، فالإنسان المديون محبوس ومقيّد بديْنه، وكأن نفس الإنسان محبوسة حتى تؤدي وظائفها وتكاليفها، فالإنسان محبوس من الجهتين، جهة اليسار وجهة اليمين وهو في الوسط، فكلما ذهب نحو اليمين تحرَّرَ بشكل إيجابي، إلى أن يصبح من أصحاب اليمين.

الإنسان كائن اجتماعي وهذا متَّفق عليه بين كل العلماء، والكثير من العادات الموجودة حاليا هي عبارة عن موروثات اجتماعية، أو يمكن أن نسميها رهائن اجتماعية، فهذه الرهائن مقيَّدة بتعاليم وعادات قد تكون فئوية أو دينية أو عشائرية، وهي حصيلة أعمال الناس، فكيف يستطيع الإنسان أن يوازن بين هذه العادات المختلفة؟

أحدهم سألني نفس هذا السؤال، كيف وهو كيف نصلح المجتمع، هل نستطيع بالثورة، وهل يمكن للإنسان أن يقوم بثورة دموية لكي يقتلع كل الشرور؟، هذا لا يمكن ولن تنجح ثورة بهذه الطريقة، لأن أساس المشكلات الموجودة هي معرفية، والمعرفة تجعل الإنسان قادرا على معالجة مشكلاته، وسلوكياته، وكلما كان الإنسان أكثر جهلا نجده يسقط في القيود والأغلال التي تكبّله ويصبح رهينة أكثر، أما المعرفة الحقيقية فهي تحرّر الإنسان من تلك الأغلال وقد ذكرنا في مقالنا السابقة الآية القرآنية التي تقول: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا)، الإصر هو القيد العظيم الذي يسيطر على قلب الإنسان، وعلى نفسه، فيطلب هذا الإنسان من الله تعالى أن يحرّره من هذا الإصر.

التحرّر بأهل البيت (ع) من الارتهان

الكل مقترنون بمعية أعمالهم سواء الصالحون أم المسيئون، الا الذين تحرروا من ارتهان الشر والضر والسوء واتجهوا في تحرير الذات والمجتمع والأمة.

في زيارة الامام الحسين (عليه السلام) المعروفة نقرأ هذا المقطع: (وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة)، فالطريق الذي يسير فيه الإنسان مهم جدا ويمكن أن يحرره من تلك الأغلال والقيود المدمِّرة للنفس، ونقل المفسر المشهور "القرطبي" وهو من أهل السنة تفسير هذه الآية (كل نفس بما كسبت رهينة) عن الإمام الباقر (عليه السلام) فقال: "نحن وشيعتنا أصحاب اليمين وكل من أبغضنا أهل البيت فهم مرتهنون".

لأن طريق أهل البيت (عليهم السلام) هو طريق الصلاح وطريق تحرير الإنسان، كما في الجملة التالية (ليستنقذ عبادك من الجهالة) فهو طريق الاستنقاذ وطريق التحرير، وهو السير في طريق أهل اليمين.

جميع مواضيعنا السابقة تركزت على قضية كيف نعبّد طريقنا للسير في منهج أهل البيت (عليهم السلام)، لذا يجب أن نمشي في الطريق المستقيم حتى نصل إلى الهدف المطلوب، لذلك فإن الإنسان الذي يرتهَن في اغلاله هو الذي يبتعد عن طريق أهل البيت، والابتعاد له مستويات مختلفة، كالابتعاد من حيث الطاعة، أو من حيث العمل أو من حيث السلوك أو من حيث الفهم لسيرة أهل البيت (عليهم السلام).

فكلما يقترب الإنسان من هذه المسمّيات يكون أقرب للتحرير، وكلما ابتعد عن أهل البيت (عليهم السلام) وعن هذه المسميات، يكون أقرب إلى طريق الفساد والطغيان، لذا على الإنسان دراسة سيرة أهل البيت (عليهم السلام) لكي يعرف الطريق المعبّد له ويسير فيه، أي أننا يجب أن نسير في طريق أهل اليمين، ونخرج من حالة الارتهان والاحتباس التي تعيشه الأمة، فالتخلف الذي تعيشه الأمة هو نتيجة لانحباسها في هذا البؤس والطغيان والفساد والجهل.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الإسراء 71.

بادروا واعملوا حتى تتحرروا

وهذه آية قرآنية ثانية تفسر معنى الارتهان تفسيرا واضحا: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة 81. من كسب سيئة أحاطت به خطيئته وجعلته أسيرا واستحكمت عليه، أما الحسنة فتحرّر الإنسان، والسيئة والمال الحرام يكبّل الإنسان، أما الخير يحرر الإنسان ويجعله منطلقا في الحياة.

وكلما تزداد السيئات وتتراكم أكثر وأكثر، فتؤدي إلى بناء سجن كبير لهذا الإنسان، فهؤلاء المذنبون يعيشون في سجن كبير، قوامه اليأس والإحباط وسوء العاقبة والعمل السيّء، فكل هذا بالنتيجة يحيط بهم.

عن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (فارعوا عباد الله ما برعايته يفوز فائزكم، وبإضاعته يخسر مبطلكم، وبادروا آجالكم بأعمالكم، فإنكم مرتهنون بما أسلفتم، ومدينون بما قدمتم)، بادروا واعملوا حتى تتحرروا، وتنتصروا وتفوزوا، هذا هو معنى الإنسان الناجح في الحياة، الناجح في الدنيا والآخرة وهو أن ينتصر على الشرور.

كيف يمكن أن يتحرر الإنسان؟

كيف يستطيع الإنسان أن يتحرر من عاداته، فهو لديه أفكار وطبائع وعادات، بالدرجة الأولى الأفكار، وفي الدرجة الثانية الطبائع، وفي الدرجة الثالثة العادات، لكن تغيير العادات يجعل الإنسان قادرا على تغيير طبائعه، وإذا سيطر على أفكاره يمكنه السيطرة على طبائعه أيضا، لأن كثيرا من الطبائع هي نتاج للأفكار التي يحملها الإنسان، كما في قضية توارث الأعراف التي هي عبارة عن مجموعة أفكار تؤدي إلى مجموعة طبائع وعادات.

فإذا أمكنك تغيير هذه الأفكار، سوف تستطيع أن تغير الطبائع ولو نسبيا، ولكن بشكل تصاعدي فتغير العادات السيئة أيضا، وسوف نبحث في هذا الموضوع بالتفصيل.

لكي نستفيد أكثر من موضوعنا نذكر هذه الرواية للإمام علي (عليه السلام): (إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمال خطايا غيره، رهن [رهين] بخطيئته).

وهذا أشدّ الناس ارتهانا فهو صاحب بدعة ومشغوف بالبدع والفتن والضلالة، فهو يضل الناس، فيبقى مرتهنا حتى بعد وفاته، بالنتيجة هو نشر الخطايا بين الناس، ونشر البدعَ والضلال، لهذا أصبح رهينا لخطيئته.

كان هدف الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام) الأساسي هو تحرير الإنسان من هذا الارتهان، حيث تقول الآية القرآنية: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف 157، فهدفهم تحرير الناس من هذه الآصار، لهذا كانوا يعطون المعرفة للناس، لأن الإنسان الذي لم يصل له البيان بشكل واضح وتام، فهو يقف في المنطقة الوسط، فإذا كان هناك من يعطيه الوعي، والهداية، والمعرفة اللازمة، سوف يتحرر من الوسط إلى اليمين وهكذا كثير من الناس.

لذلك فإن الأنبياء والناس المصلحين والأولياء الصالحين، كان هدفهم من تقديم الهداية للناس كي يتحرروا ويتحركوا من الوسط إلى اليمين، فكل المشكلات الموجودة في الإنسان والمجتمعات، هي نتيجة للآثار والأغلال النفسية التي يكتسبها الإنسان، فتجعله عبدا لأهوائه وشهواته، وتجعله عبدا للحاكم الطاغية وعبدا للمجتمع الطاغي.

الآن ونحن نعيش التخلف والفساد والاستبداد، والاستئثار بالثروات، وتسليب الموارد والسلب والنهب الموجود بشكل شرعي وقانوني، حيث يشرعنوا الفساد بوجود المافيات، كل هذا سببه الخنوع والذل الذي يعيشه الإنسان، الخضوع للطغيان والفساد، لذلك مهمة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) تحرير الناس (لتستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة).

هذا الاستنقاذ والتحرير مهم جدا، في عملية بناء الكسب الصحيح للشخصية، والأخلاق هي الحاضنة العملية لتحرير الإنسان من الارتهان، والرذائل هي حاضنة الارتهان، كالبخل والحرص والطمع والحسد والنفاق والكذب والخيانة، كل هذه الرذائل تؤدي إلى ارتهان الانسان أكثر فأكثر، وتصبح متكدسة في حياة الإنسان وتصبح عنصرا كبيرا يثقل كاهله وكاهل المجتمع.

العادات السلبية حاضنة الارتهان

أهم نقطة في عملية تحرير الإنسان من هذه الأغلال والآثار، هي العادات، أي بناء العادات الإيجابية، والتخلص من العادات السلبية، وإبعادها عن المجتمع وتحجيمها، بما يؤدي إلى ترويض الإنسان وتربيته لنفسه على بناء العادات الجيدة.

إن أغلب المشكلات تأتي بسبب عيش الإنسان في الحواضن السلبية، والحواضن المرتهنة تساعد على كثرة ممارسة الإنسان للعادات السلبية التي تدفع بالإنسان إلى ارتكاب الآثام بشكل عام، فتصبح سلوكياته سيئة، فكلما يتربى الإنسان على التحرّر من العادات السلبية نحو العادات الإيجابية، يصبح قادرا على بناء نفسه أخلاقيا ونفسيا ومعنويا وفكريا أيضا.

نلاحظ اليوم أن مجتمعاتنا تعج بالمشكلات الاجتماعية، وهذا نتيجة لعملية تصاعد العادات السيئة في المجتمع، وخصوصا العادات الاستهلاكية التي تؤدي إلى نمو وتصاعد التوقعات السلبية في الحياة، وقد تطرقنا سابقا إلى الروتين، حيث يكون هناك روتين دائم عند الإنسان في حياته، فأما أن يملأه بأشياء جيدة وأما أن يملأه بأشياء سلبية، أو بين بين، بعضها جيد وبعضها سلبي، فإذا كانت عملية البناء بالروتين سلبية هذا يعني عدم وجود معرفة، وإهمال وتهاون في عملية بناء الروتين الجيد، وهناك عدم اختيار جيد للسلوكيات المناسبة.

الانصياع الاجتماعي للعادات

كل هذا يأتي من خلال الممارسة المستمرة إلى أن تصبح حاجة في نفس الإنسان، يقول الإمام علي (عليه السلام): (العادة طبع ثان) فالإنسان لديه طبائع مثلا لديه طبيعة الكرم أو طبيعة الشجاعة أو الحسد والخيانة، هذه الطبائع تكون ثابتة في نفس الإنسان نتيجة للتربية، أو الانصياع الاجتماعي للعادات الموجودة، أو لسوء الطلبات النفسية التي تحدث عند الإنسان، فعدم وجود التوازن العقلي والفكري يؤدي إلى نشوء طبائع سيئة في نفس الإنسان، فالعادة التي يمتلكها الإنسان طبع ثانٍ، وهو نوع من التعبير المجازي.

فهذه العادة أما أن تطبّع الإنسان بشكل جيد، نحو تحجيم الطبائع السلبية أو على العكس من ذلك تؤدي إلى تضخم الطبائع السلبية لدى الإنسان، وهذا هو معنى التغيير الذي يحدث أما نحو الأسوأ أو نحو الأحسن عند الإنسان.

وعن الإمام علي (عليه السلام) يقول فيه: (للعادة على كل إنسان سلطان)، أي يكون مرتهنا لها ومتسلطة ومهيمنة عليه، وعنه (عليه السلام): (العادة عدو متملّك) أي مسيطر على الإنسان، لذلك من القضايا المهمة في عملية بناء التحرر أن العادات تصبح صعبة جدا على الإنسان، وتتحول إلى روتين من الصعب عليه تغييره خصوصا عندما تجثم كعقد نفسية.

مثلا إذا كان الإنسان معتادا على التدخين، لا يستطيع أن يتركه على الرغم من كونه مضرّ لصحته، ففي هذه الحالة أصبح الإنسان مرتهنا ومدمنا على التدخين، وهكذا تتملك العادة الإنسان وتسيطر عليه، لذا يقول الإمام علي (عليه السلام): (أصعب السياسات نقل العادات) كيف تنقذ الإنسان من عاداته، لذلك فإن الانقسام الاجتماعي الذي يحدث اليوم هو نتيجة لتجذر العادات السلبية في المجتمع، أو الصراع بين العادات المختلفة، فتلاحظ أنها عادة سيئة لكنها أصبحت متجذرة ومن الصعب تغييرها.

تدميرية العادات السلبية

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بُعِث في رسالته أراد أن يحرر المجتمع من العادات الجاهلية (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، فكان المجتمع جاهليا، لأن العادات الشريرة والسيئة والسلبية تتملّكه وهي متحكمة بهذا المجتمع الجاهل، فأدت إلى تدميره، لأنه كلما تزداد العادات السلبية تؤدي إلى تدمير الإنسان، وبالنتيجة إفناءه وإفناء المجتمع أيضا.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (أسوأ الناس حالا من انقطعت مادته وبقيت عادته!)، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الخير عادة والشر لجاجة)، فإذا تعلم الإنسان الخير أصبح ذلك عادة له، لكن الشر إذا أصبح عادة عنده فإنه يلجُّ عليه، فإنه يحرك كل الشرور الموجودة في داخل الإنسان، كالطمع والغرائز والأهواء يحركها تحريكا سلبيا، ويحوّل طاقة الإنسان إلى طاقة سلبية نحو الآثام والذنوب وارتكاب الأخطاء.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (عادة المنافقين تهزيع الأخلاق)، فالنفاق يأتي من الكذب والخوف ويصبح الإنسان ازدواجيا ولديه انفصام في الشخصية، وحين يصبح الإنسان منافقا فتنتفي عنده المبادئ، فيكون أهم هدف له هو معادة الخير والصلاح وتدمير الأخلاق وتمزيقها تمزيقا، وعن الإمام علي (عليه السلام): (عادة الأشرار معاداة الأخيار).

أما كيف يستطيع الإنسان التحرر من هذه العادات:

أولا: إذلال النفس المتحجّرة

العادات تذل الإنسان، وتجعله عبدا للمطامع، وعبدا للطاغوت، وأهم الحلول عملية إذلال هذه النفس التي تحجّرت فيها هذه العادات، يجب إذلالها إذلالا تاما حتى تتفكك حالة التحجّر، بالنتيجة سوف تصبح هذه النفس مرنة في تقبّل العادات الإيجابية الجيدة، لهذا يجب على الإنسان أن يجبر نفسه ويذلّها.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (ذللوا أنفسكم بترك العادات، وقودوها إلى فعل الطاعات، وحملوها أعباء المغارم، وحلوها بفعل المكارم، وصونوها عن دنس المآثم)، إن العادات السيئة تربّي في الإنسان التجبّر والتكبّر والطغيان، أما الفعل المقابل للتجبر والطغيان فهو الإذلال، إذلال النفس إلى أبعد حد، وهذا تعبير مجازي لأنه في الحقيق هو عملية عزّة للإنسان، فيذلها بمعنى لتطويعها والضغط الشديد عليها من خلال الطاعات الكثيرة وأعمال الخير الكبيرة، فهي نوع من الرياضة التي يمارسها باستمرار.

يمارس المكارم أيضا، فإن لم تكن حليما فتحلّم، عودوا أنفسكم على التصبّر، إذا كان الإنسان بخيلا عليه أن يجبر نفسه على الإنفاق حتى لو كان هذا الفعل صعب عليه، لكي يكسر القيود والآصار التي تجعله مرتهنا ومحبوسا في هذه العادات، (وحملوها أعباء المغارم) الإنسان دائما ما يهرب من نتائج ما يقوم به، ويتبرّأ منها، فهو الذي يقوم بهذه الأعمال لكنه يرفض أن ينسبها له ويسعى للتبرؤ منها، ويفرّ من العواقب.

لكن يجب عليه أن يحمّل نفسه المسؤولية، ويتحمّل العواقب، لأنها عواقب أعماله هو، فإذا حمّل نفسه العواقب سوف يحدث له نوع من التغيير في عاداته وفي نفسه، وإذا أراد أن يبرر ويتحجج ويقول هذه ليست مسؤوليتي ولا عملي، فهذا التهرب من المسؤولية يؤدي دائما إلى تحجّر نفس الإنسان أكثر.

فهل يتحمل الإنسان مسؤولية عواقبه، أم يتهرب منها، إذا لم يتحملها يزداد تحجّرا وارتهانا، أما إذا تحمل مسؤولية أعماله وعواقبه واستغفر إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه سوف يتخلص من عاداته السيئة، ويذهب نحو التحرر، ويبدأ في مسيرة التغيير، فالقبول بالمغارم والعواقب التي فعلها، بداية التحرر من عملية الارتهان للعادات السيئة والأشياء السلبية.

ثانيا: الاختيار الجيد للسلوكيات

عندما يذهب الإنسان للسوق كي يتسوق فإنه سوف يختار الطعام الجيد فيشتريه، ولا يمكن أن يبتاع القمامة، أو الأكل الرديء، بل يختار الشيء الجيد ويبتعد عن النفايات، ولا يأكل طعاما سيئا، إذا ذهب إلى الخبّاز فإنه ينتقي الرغيف اللذيذ الجيد وليس الرغيف المحترق، فإذا كان الإنسان يختار لنفسه الأكل اللذيذ الجيد، لماذا لا يختار لنفسه الطبائع الجيدة.. والعادات الجيدة، فهذا الأمر أولى من طعامه.

على الإنسان أن لا يذهب وراء الطبائع والعادات السلبية، بعنوان التحرر، أو بعنوان الحرية الشخصية أو بعناوين ثانية، فهذا دخول في عالم مظلم، الدخول في العادات السيئة هو دخول في عالم مظلم، لذلك لابد أن يتخيَّر الإنسان لنفسه الأخلاق الجيدة، والطبائع الجيدة، والعادات الجيدة.

عن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (تخير لنفسك من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، تجنب من كل خلق أسوأه، وجاهد نفسك على تجنبه)، إذًا سوف تنجح الثورة المعرفية والفكرية من خلال تحقيق العناصر والخطوات التي تحتاج إلى مثابرة وإصرار وجدّية.

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق