هذا المقال ثلاثي الأجزاء مبني على ما توصلت له مع زميلتي الأستاذة كيلفاند من نتائج ميدانية بخصوص شخصية الثقافة العراقية. ككل ثقافات العالم، يلعب التاريخ دوراً أساسياً في تأسيس وتطوير الثقافة الاجتماعية للبلد. ومفهوم الثقافة الاجتماعية هو قريب مما نفهمه من مصطلح (الشخصية العراقية) المغلوط علمياً.

فالثقافة الاجتماعية -ببساطة- هي مجموعة العقائد والافكار والمشاعر الاجتماعية المشتركة بين أفراد المجتمع والتي توجه سلوكهم ضمن المجتمع. أن هناك شبه أجماع بين الباحثين على تأييد ما سبق أن قاله الاستاذ طه باقر بأن (التاريخ بمثابة الذاكرة للجنس البشري. وكما ان ماضي الفرد يؤثر في حاضره فان ماضي البشرية يؤثر في حاضرها).

فقد قال غوستاف لوبون قبله بسنين أنه (يخيل للكثيرين انه يمكن للامة ان تقطع صلاتها بالماضي وتتغير كليا. لكن الواقع يثبت انه لا يمكن للامة ان تقطع علاقاتها بالماضي الذي لا يمكن مغادرته الا عبر تراكمات وراثية بطيئة).

لا بل أن عالماً فيزيائياً فذاً مثل هوكنج Hawking يؤمن أن البشر لا يتوارثون فقط الجينوم DNA من جيل لجيل، بل ايضا طريقة التعامل مع البيئة المحيطة. لقد باتت البصمة الوراثية التاريخية لأي ثقافة جزء أساس من تلك الثقافة بحيث لا يمكن دراسة وتحليل مكونات وميكانيزمات تلك الوراثة دون دراسة (علمية) وليست مجرد سردية لتاريخ تلك الثقافة.

لقد جرى انتقاد كل تلك الدراسات التي لم تعر للبعد التاريخي في حياة وثقافة الشعوب أهمية، وتسبر تأثيره النفسي والاجتماعي في تشكيل الثقافة الاجتماعية لذلك الشعب.

والواقع فأن دراسة الثقافة الاجتماعية لشعب ما دون قراءة متأنية لتاريخه هي أشبه بوصف كل ما في الشجرة من ثمر وأوراق وأغصان وأغفال جذورها والدور الذي لعبته في غرس ونمو تلك الشجرة.

ان فهم الشخصية الاجتماعية العراقية لا يمكن ان يجري بشكل صحيح بمعزل عن معرفة تأثير التفاعل بين تاريخ العراق وشعبه والذي أنتج لنا هذه الثقافة الاجتماعية التي نحن بصددها هنا. وبحسب منطق الديالكتيك التاريخي الهيجلي (نسبة الى الفيلسوف هيجل) والذي يفسر الانتاج الثقافي والفكري بالتفاعل بين العقل والتاريخ فأن ثقافة العراق الاجتماعية هي نتاج هذا التفاعل بين الأنسان العراقي الذي عاش على هذه الأرض عبر العصور وبين كل ما صادفه من ظروف بيئية واقتصادية وأمنية واجتماعية وسياسية أدت الى برمجة تفكيره بطريقة معينة تستجيب لتلك المؤثرات التاريخية.

فالتاريخ الذي يهمنا هو ليس أخبار البلاد والملوك والحوادث والحروب وما نجم عنها، بل ما تركته تلك الأحداث من آثار على الاجتماع الأنسان. وهل التاريخ الا نتاج هذا الاجتماع أو ما يسميه أبن خلدون بالعمران الإنساني، أذ يقول عن التاريخ (أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتآنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر على بعضهم البعض وما ينشأ عن ذلك).

أن إحدى أهم المشاكل التي تواجه أي باحث في مجال فهم وتفسير الشخصية الاجتماعية العراقية تكمن في التاريخ الذي تأسست فيه تلك الهوية الثقافية. فالحقيقة أن هناك على سطح الثقافة العراقية تواريخ وليس تاريخ واحد للتأسيس والتفسير.

وككثير من العرب والمسلمين يفتقد العراقيون لوحدة التاريخ ويتعاملون معه كما يتعاملون مع السلع الموجودة على أرفف المحلات التي يتبضعون منها، فينتقون منه ما يشاؤون ويتجاهلون-عمداً أو جهلاً- كثير من التاريخ الذي صنع هويتهم الثقافية. هذه الظاهرة (التبضع من التاريخ) أدت الى ظاهرة خطيرة دفعنا ثمنها ولا نزال ندفع منذ قرون طويلة. فتبضعنا الانتقائي من التاريخ قادنا الى ظاهرة (الاحتباس التاريخي) التي يمكن أن تدمرنا كما يمكن لظاهرة الاحتباس الحراري أن تدمر البشرية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق