قبل عامين من الانتخابات الرئاسية المقررة في فرنسا في 2017 حققت المعارضة اليمينية فوزا كبيرا في انتخابات مجالس الاقاليم التي جرت مؤخرا، وحقق فيها اليمين المتطرف مزيدا من التقدم، الدعوة لتأسيس قوة عربية مشتركة، يعتقد ثلث الناخبين الجمهوريين في الولايات المتحدة بأن رئيسهم باراك اوباما يشكل خطرًا على بلدهم، أكبر مما يشكله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو رئيس النظام السوري بشار الأسد.

ما الذي يجمع هذه العناوين؟

انه الخوف، صناعة وتجارة، في عالم شديد الاضطراب والغموض، لايمكن توقع الاحداث فيه او تلافي وقوعها.

في الحالة الفرنسية، يعود حزب اليمين المتطرف لماري لوبن الى الواجهة مستفيدا من حالة الاسلاموفوبيا التي روج لها الاعلام في فرنسا وفي اوربا عموما، دفاعا عن التقاليد العلمانية للفرنسيين، وخاصة مع ظهور داعش والتحاق الكثير من الفرنسيين بها.

في ما يتعلق بالقوة العربية المشتركة، والتي من المؤكد سوف تقودها وتنفق عليها السعودية، فهي تطرح اكثر من علامة استفهام وتعجب..

اولى علامات الاستفهام: ماهي مهام هذه القوة مع تجميد الصراع العربي الاسرائيلي، او بتعبير ادق اعلان وفاته من خلال الاقرار بوجود اسرائيل في المنطقة واعتبارها شريكا في اي عملية سلام مقبلة؟

مع عدم نسيان تدخل درع الجزيرة السعودي في البحرين لقمع تظاهرات الشيعة، وتدخل قوات عشر دول في اليمن، واحتمال تدخل مستقبلي في العراق تحت عنوان حماية السنة.

انه ايضا يدخل تحت عنوان صناعة وتجارة الخوف.

ماذا عن الناخبين الامريكيين؟

حسب استطلاع أجرته رويترز/إبسوس، وشمل 2809 اميركيا طُلب منهم أن يحددوا درجة التهديد الذي تشكله دول ومنظمات وأفراد ضد الولايات المتحدة، على مقياس من 1 إلى 5، مع اعتبار (5) درجة الخطر الداهم.

واظهر الاستطلاع أن 34٪ من الناخبين الجمهوريين صنفوا الرئيس الأميركي باراك اوباما بدرجة الخطر الداهم على الولايات المتحدة، متقدمًا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (25 بالمئة)، المتهم بالعدوان على اوكرانيا، ورئيس النظام السوري بشار الأسد (23 بالمئة)، المتهم بالمسؤولية عن موت نحو 250 الفًا من مواطنيه خلال السنوات الأربع الماضية، وباستخدام اسلحة كيماوية ضد شعبه.

وقال عالم الاجتماع الاميركي باري غلاسنر، الذي نشر كتابا بعنوان "ثقافة الخوف: لماذا يخاف الاميركيون من الأشياء الخطأ"، إن نتائج الاستطلاع ليست مستغربة إزاء الميل إلى شيطنة الشخص الذي يتولى الرئاسة.

ونقلت صحيفة غارديان البريطانية عن غلاسنر قوله: "تجارة الخوف التي يمارسها الحزبان الجمهوري والديمقراطي ستكون أحد اركان الحملة الانتخابية في عام 2016". واشار غلاسنر إلى أن الاعلام التلفزيوني والسياسة الاميركية يتعاطيان تجارة الخوف على نطاق واسع في الولايات المتحدة.

لاتقتصر صناعة وتجارة الخوف على تلك الامثلة التي اوردناها في البداية، بل هي تشمل كل شيء تقريبا، من الغذاء الى الدواء الى الاسلحة والبيئة والمناخ والاقتصاد والثقافة، وكل ماله علاقة بالإنسان.

في مقال مطول لها بجريدة الجارديان عام ،2007 عددت ناعومي وولف أهم مفردات ما أسمته بـ (تصنيع الفاشية)، أو ما بات يطلق عليه اليوم (صناعة الخوف)، والتي تعد امتدادًا طبيعيًّا لقاعدة ميكافيللي الذهبية التي يبدو أن سياسيي العالم قد صاروا يعونها جيدًا (من الأفضل أن يهابك الناس على أن يحبونك).

1- استدعاء الأعداء الداخليين والخارجيين

لا يمكن للطغاة نشر الخوف في صفوف الجماهير دون تجسيد هذا الخوف في صورة أعداء داخليين وخارجيين، عندما يخاف الناس فإنهم يكونون أكثر استعدادًا لقبول إجراءات تنتقص من حرياتهم الشخصية، بل حتى من مقومات حياتهم الأساسية.

2- إنشاء شبكة خاصة للقمع

والمقصود هنا هو القمع خارج دائرة القانون، بل خارج دائرة الرقابة، بالتحديد كما وصف بوش سجن جوانتنامو الشهير أنه يقع “في الفضاء القانوني”.

3- استخدام شبكات للمسلحين

بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة وما يعرف بالحرب على الإرهاب، توسعت شبكات المسلحين المرتزقة واتخذت إطارًا أكثر نظامية تحت مسمى شركات الأمن الخاص، وأشهرها بلاك ووترز، التي حصلت على عقود بملايين الدولارات من حكومة الولايات المتحدة وغيرها، مقابل الاهتمام بأعمال أمنية مشبوهة، مثل أعمال الاغتيالات والتصفية الجماعية التي قامت بها بلاك ووترز في عهد الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر، تحت حصانة كاملة من الملاحقة القضائية.

4- ينبغي أن يشعر الجميع أنهم مراقبون

تشترك هذه الأنظمة في إنشائها جهازًا للشرطة السرية – على اختلاف التسمية-، بدءًا من ألمانيا وإيطاليا إلى الصين وكوريا الشمالية، حتى في الولايات المتحدة، ففي عام 2005 كتب جيمس رايزن وكتب إريك يشتبلو في صحيفة نيويورك تايمز لأول مرة حول برنامج أمريكي للتجسس على هواتف المواطنين.

5- السيطرة على المؤسسات الدينية- الأحزاب- الجماعات

قد تكون في وقت ما في حاجة لمن يدعو الناس إلى السلام باعتباره فضيلة كبرى، وفي وقت آخر قد تكون الحرب هي الفضيلة، لا أحد بإمكانه أن ينشر الخوف في دور الجماهير كرجال الدين الموظفين لدى الحكومات رغم كل شيء.

6- لعبة الاعتقال- الإفراج

أو كما يطلق عليها لعبة القط والفأر، الصحفيان نيكولاس كريستوف وشيريل وودن وصفا الأمر أثناء دراستهما للمعارضة في الصين بكونها تشبه القائمة، يتم استهداف هذه القائمة مع كل حدث، إذا كنت داخل القائمة في يوم ما فمن الصعب عليك أن تصبح خارجها.

في عام 2004، أعلنت الولايات المتحدة لأول مرة أنها تحتفظ بقوائم لأسماء الركاب الذين تعرضوا للتفتيش الأمني في المطارات والموانئ، لم تكن القائمة من المجرمين، ولكن من نشطاء السلام وبعض الرموز من دول تعتبرها الولايات المتحدة معادية – كفنزويلا مثلاً- والكثير من المواطنين العاديين.

7- استهداف الرموز

غالبًا ما تحيط الجماهير الرموز بهالة من التقدير والقداسة، استهداف الرموز المشاغبة –المعارضة من فنانين وأكاديميين وصحفيين ورؤساء أحزاب وجماعات ورجال دين- يجعل الناس يشعرون أن الجميع مهددون، وأنه لا سقف للسلطة في الحفاظ على مصالحها.

8- السيطرة على الصحافة- التليفزيون

لا يمكن للدولة أن تسيطر على الناس بحق دون أن تحكم السيطرة على ما يلقى في عقولهم، جميع الديكتاتوريات فعلت ذلك بداية من إيطاليا في العشرينات، وألمانيا في الثلاثينات، وألمانيا الشرقية في الخمسينيات، وتشيكوسلوفاكيا وديكتاتوريات الشرق الأوسط العسكرية في الستينيات، وديكتاتوريات أمريكا الجنوبية في السبعينيات، والصين وروسيا، وغيرها الكثير.

9- توسيع دائرة الخيانة- العمالة لا يمكن أن يتعاطف الناس مع خائن أو عميل يعمل ضد مصلحة بلده، أو يتعاون مع أعدائها، المهم أن تتسع تهم الخيانة والتجسس لتصبح فضفاضة إلى أقصى قدر ممكن، على سبيل المثال اتهم النواب الجمهوريون في الكونجرس الصحفي بيل كيلر بانتهاك قانون التجسس؛ لنشره معلومات مسيئة لإدارة الرئيس جورج بوش، الأمر ليس جديدًا بالطبع ففي موسكو، وتحديدًا في عام 1938، تم توجيه تهمة الخيانة إلى نيكولاي بوخارين رئيس تحرير صحيفة أزفاستيا، كان ستالين يلقب معارضيه دوما بـ “أعداء الشعب”، بل إن الولايات المتحدة في عام 2006، ومع إقرار قانون اللجان العسكرية صار من حق الإدارة الأمريكية توجيه لقب- اتهام “مقاتل عدو” إلى أي من مواطنيها.

10- القوانين الاستثنائية

يمكن للحكومات أن تتحدث عن سيادة القانون كما شاءت، في النهاية فهي التي تضع القوانين، الحكومة الأمريكية مررت قانون الباتريوت، الذي يبيح لها التجسس على مواطنيها، وفي النهاية وسعت نشاطاتها خلافًا له، كما تجند الحكومات الجنود المرتزقة وفقًا للقانون، وتحاكم معارضيها بتهم مزرية وفقًا للقانون أيضًا، بل تم استصدار قوانين تبيح قتل فئة من المواطنين فقط لأنهم عديمي النفع كما حدث في ألمانيا النازية مثلاً.

 

اضف تعليق