ملفات - مجلة النبأ

الفساد في العراق بعد عشرين عامًا؟

قراءة مقارنة في ملف مجلة «النبأ» الصادر عام 2006 واستشراف للعراق عام 2046

تكمن قيمة ملف مجلة «النبأ» بعد عشرين عامًا في أنه يثبت أن أزمة الفساد في العراق لم تكن مجهولة، وأن التحذيرات لم تكن ناقصة. فقد شخص الملف مبكرًا المحسوبية الحزبية، وتقاسم الغنائم، وضعف البرلمان والقضاء، وغموض العقود، وغياب المعلومات، وهدر الموارد، وتراجع احترام المال العام، كما قدم حلولًا...

مقدمة

في كانون الثاني/يناير 2006، خصصت مجلة «النبأ» في عددها الثمانين ملفًا موسعًا عن الفساد في العراق. كان البلد حينها في السنوات الأولى للنظام السياسي الجديد، وكانت مؤسسات الدولة لا تزال في طور إعادة التشكيل، ولذلك بدا الملف أقرب إلى تحذير مبكر من مستقبل يمكن تجنبه إذا جرى التعامل مع الفساد قبل تحوله من ممارسات فردية إلى منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية.

بعد عشرين عامًا، تكشف إعادة قراءة الملف أن معظم الظواهر التي تحدث عنها لم تختف، بل اتسعت وتطورت وأصبحت أكثر تنظيمًا وقدرة على حماية نفسها. فالمحسوبية الحزبية التي حذر منها الملف تحولت إلى أحد مداخل تقاسم المناصب والوظائف، والتلاعب المحدود بالمناقصات أصبح شبكات معقدة داخل العقود والمشروعات، وضعف الرقابة الذي كان يُنظر إليه باعتباره خللًا مؤقتًا تحول في أحيان كثيرة إلى فجوة بنيوية بين وجود المؤسسات وقدرتها الفعلية على المحاسبة.

ومع ذلك، لم يبق العراق في المكان نفسه تمامًا. فقد تشكلت خلال العقدين الماضيين مؤسسات وقوانين ومحاكم متخصصة، واتسعت الرقمنة الحكومية، وظهرت خبرات قضائية ورقابية جديدة. لكن السؤال الذي تطرحه المقارنة ليس: هل حدث تقدم؟ بل: لماذا ظل التقدم المؤسسي أبطأ من قدرة الفساد على التكيف والتوسع؟

أولًا: ماذا قالت مقالات ملف الفساد عام 2006؟

ضم الملف سبع مواد تناولت الفساد من زوايا فكرية وإدارية وقانونية وسياسية وميدانية، ولم تتعامل معه باعتباره رشوة بسيطة أو انحرافًا أخلاقيًا فرديًا، بل باعتباره خللًا في العلاقة بين السلطة والمجتمع وفي بنية الدولة نفسها. ويمكن تلخيص مضامينه في المحاور الآتية:

1. الفساد علاقة بين السلطة والمجتمع

رأت مقالة «رؤية في الفساد» لعلاء حميد أن الفساد لا يقتصر على أخذ المال بصورة غير مشروعة، بل يصبح علاقة اجتماعية تنتهك المصلحة العامة، ثم يتحول تدريجيًا إلى جزء طبيعي من الثقافة السياسية والإدارية. وربطت المقالة توسع الفساد في العراق باختلال العلاقة التاريخية بين السلطة والمجتمع، وغياب الشفافية، وإبعاد المجتمع عن مراقبة العقود والقرارات والموارد العامة.

وكان أبرز تحذير قدمته المقالة هو صعود «المحسوبية الحزبية» على حساب الكفاءة والمهنية، واحتمال نشوء ما سمته «دكتاتورية الأحزاب السياسية»، حين تغلق الأحزاب فرص العمل والمشاركة أمام المجتمع وتحصرها في أعضائها ومؤيديها. كما لاحظت مبكرًا أن الفساد قد يصبح وسيلة للوصول إلى المكانة السياسية والمحافظة عليها، لا مجرد نتيجة جانبية للعمل السياسي.

2. التمييز بين الفساد الصغير والفساد الكبير

قدمت مقالة ياسر خالد بركات الوائلي «الفساد الإداري.. مفهومه ومظاهره وأسبابه» تعريفًا شاملًا للفساد بوصفه إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة العامة لتحقيق منفعة خاصة. وميزت بين الفساد الصغير، مثل الرشوة والمحسوبية والتلاعب بالمعاملات، والفساد الكبير المرتبط بالمقاولات وصفقات السلاح والمناصب العليا.

كما قسمت الفساد إلى سياسي ومالي وإداري وأخلاقي، وبينت أن هذه الأنواع لا تعمل منفصلة، بل يغذي بعضها بعضًا. فإذا فسد النظام السياسي ضعفت الإدارة، وإذا ضعفت الإدارة توسع الفساد المالي، وعندما يصبح الفساد مألوفًا تبدأ منظومة القيم نفسها بتبريره.

وقدمت المقالة حلولًا عملية، من بينها تبسيط الإجراءات وتحديد مدد إنجاز المعاملات، واعتماد الكفاءة في التعيين، وبناء نظام مستقل للرقابة، وإعادة تنظيم الرواتب، وتحسين الخدمات، وتطبيق الشفافية، وإصلاح الثقافة الوظيفية. وخلاصتها المهمة أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح عبر حلول جزئية، بل تحتاج إلى إصلاح شامل لبنية الإدارة والعنصر البشري وأساليب العمل.

3. الفساد نتيجة لنوعية الحكم

كانت مقالة «تفكيك ظاهرة الفساد» للدكتور ناصر عبيد ناصر أوسع مقالات الملف من حيث الرؤية المؤسسية. فقد ربطت مكافحة الفساد بالحكم الجيد القائم على المحاسبة والشفافية والمشاركة والتوازن بين السلطات واستقلال القضاء.

وحذرت من تحول البرلمان إلى وسيط للخدمات والتعيينات بدلًا من كونه مؤسسة للتشريع والرقابة، ومن اتجاه الأحزاب إلى تقاسم الثروة والسلطة بدل التنافس على البرامج. كما حذرت من احتواء المجتمع المدني والإعلام، ومن استخدام مؤسسات الرقابة بصورة انتقائية أو تحويلها إلى أدوات ضغط سياسي.

وقدمت المقالة توصيات متقدمة، أبرزها:

- تقوية استقلال القضاء وتحقيق التوازن بين السلطات.

- تفعيل رقابة البرلمان على الموازنة وتنفيذها.

- اعتماد ميثاق شرف برلماني يمنع تضارب المصالح والوساطة في العقود والتعيينات.

- تنظيم تمويل الحملات الانتخابية.

- إصلاح الإدارة المدنية ومنظومة الأجور.

- إنشاء أجهزة مستقلة ومتخصصة لمكافحة الفساد.

- تمكين الإعلام والمجتمع المدني من الوصول إلى المعلومات.

- إشراك المواطنين في الرقابة على السلطة.

- معالجة البيئة التي تنتج الفساد، لا الاكتفاء بملاحقة بعض الأفراد.

وكان استنتاج المقالة الأكثر أهمية أن الإرادة السياسية هي مفتاح مكافحة الفساد، وأن الخطط والقوانين تتحول إلى إجراءات شكلية إذا لم تكن السلطة مستعدة لتطبيقها على حلفائها قبل خصومها.

4. الفساد بوصفه نتيجة لانهيار الدولة بعد عام 2003

ركزت مقالة علي وتوت «ظاهرة الفساد في العراق» على الظروف التي رافقت الاحتلال وانهيار مؤسسات الدولة، وربطت انتشار الفساد بالفراغ الأمني وضعف السيادة وفقدان الشفافية وغياب المساءلة القانونية.

وأشارت إلى أن القرارات الكبرى والموازنات والعقود كانت تجري بعيدًا عن اطلاع المجتمع، وأن غياب قواعد معلنة للمقاولات والعطاءات أوجد بيئة مناسبة للفساد. كما ربطت بين ضعف القضاء وعدم إجراء محاكمات فعلية وبين شعور الفاسدين بإمكان الإفلات من العقاب.

لكن المقالة تجاوزت العامل السياسي إلى العامل الثقافي، فتحدثت عن تراجع احترام المال العام، واختلاط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة، وتحول الرشوة والعمولة والسمسرة إلى نظام موازٍ للحوافز. وهنا قدم الملف تشخيصًا مبكرًا لواحدة من أخطر نتائج الفساد: أن يفقد الموظف ثقته بقيمة راتبه وعمله، ويصبح الدخل غير المشروع هو الأساس، بينما تتحول الوظيفة الرسمية إلى غطاء للحصول عليه.

5. الفساد منظومة ذات مؤثرات متعددة

تناولت مقالة مازن مرسول محمد «في قضايا الفساد ومؤثراته المختلفة» الفساد من زواياه القانونية والاجتماعية والأخلاقية، وركزت على أن الفساد لا يضر المال العام فقط، بل يهدم القانون ويضعف القضاء ويغير سلوك المجتمع. كما استندت إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في تحديد صور الجريمة، مثل الرشوة والاختلاس واستغلال الوظيفة وغسل الأموال والإثراء غير المشروع.

6. تشريح ميداني لشبكات العقود والمشروعات

قدم تقرير مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، بإشراف المحامي جميل عوده، أكثر أجزاء الملف اقترابًا من التحقيق الميداني. فقد وصف شبكات مترابطة داخل الوزارات والبلديات والأجهزة الأمنية والشركات والأحزاب، وحدد أبرز مظاهرها في الرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس وتعيين الأقارب وهدر الأموال.

وكشف التقرير طرق التلاعب بالمناقصات، ومنها تسريب معلومات العطاءات إلى مقاول محدد ليتقدم بسعر يقل قليلًا عن المنافسين مقابل نسبة من الأرباح، وإسناد المشاريع إلى مقاولين مرتبطين بالمسؤولين، وتنفيذ مشاريع وهمية أو رديئة، وغياب المعلومات المتعلقة بمصادر التمويل والكلفة والجهات المنفذة.

واقترح جدولة المشروعات وفق حاجات المواطنين، والإعلان عن الشركات والكلف، وتشكيل لجان متعددة الجهات للإشراف على المناقصات، ومراقبة مطابقة التنفيذ للعقود، ومحاسبة المتورطين، ونشر طرق إرساء العطاءات ومواعيدها عبر الإعلام.

7. الهدر والإسراف وجه آخر للفساد

فرقت مقالة وجدان فالح الساعدي بين السرقة المباشرة والهدر الناتج عن سوء التخطيط والإنفاق غير المنتج. فالمال العام قد يضيع بالاختلاس، وقد يضيع أيضًا بمشروع غير ضروري أو متعثر أو مبالغ في كلفته. وبهذا وسع الملف مفهوم الفساد ليشمل ضعف الكفاءة وسوء ترتيب الأولويات، وليس الجريمة المالية وحدها.

ثانيًا: ما الذي تطور بين 2006 و2026؟

المفارقة الأساسية أن العراق تطور كثيرًا من الناحية الشكلية والقانونية، لكنه لم يحقق تحولًا مماثلًا في النتائج.

سجل العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 نحو 28 درجة من 100، وجاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة. وتمثل النتيجة تحسنًا محدودًا، لكنها ما تزال تعكس ضعف الثقة بقدرة المؤسسات على تطبيق القواعد بصورة ثابتة وغير انتقائية. ويرى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الإصلاح أصبح مرئيًا، لكن الثقة بديمومته لم تترسخ بعد.

كما أُعدت استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد للمدة 2025–2030 بعد استراتيجية 2021–2025، لكنها كانت، حتى شباط/فبراير 2026، بانتظار الاعتماد الرسمي. ويدل ذلك على تطور التخطيط، لكنه يعكس في الوقت نفسه استمرار الفجوة التي أشار إليها ملف 2006 بين صياغة الخطط وتحويلها إلى نظام مؤسسي مستقر.

وفي المجال القضائي، أصبح العراق يمتلك محكمة جنايات مركزية لمكافحة الفساد، وقضاة متخصصين، ومدونة سلوك قضائي، وإقرارات للذمة المالية، وآليات تعاون بين القضاء وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية. ومع ذلك، أقر مجلس القضاء الأعلى في دراسة منشورة عام 2026 بوجود نقص في التشريعات التقنية وقلة القضاة وعدم كفاية أدوات التحقيق الحديثة والتدريب المتخصص.

أما تقرير استرداد الموجودات المنشور في حزيران/يونيو 2026، فقد استند إلى مراجعة 482 قضية جنائية و60 دعوى مدنية، وخلص إلى استمرار فجوة بين إدانة المتهمين وبين استعادة الأموال فعليًا. وهذا يعني أن الدولة قد تعاقب شخصًا، لكنها لا تسترد بالضرورة المال الذي حُرمت منه الخدمات والبنية التحتية.

ثالثًا: هل انعكست أفكار الملف على واقع اليوم؟

نعم، وبصورة لافتة. فالملف لم يقدم تنبؤات تفصيلية، لكنه حدد الآليات التي قادت إلى الوضع الراهن:

1. حذر من المحسوبية الحزبية، وهي اليوم إحدى أهم بوابات التوظيف والنفوذ وتوزيع المواقع.

2. ربط الفساد بضعف المؤسسات لا بسوء أخلاق الأفراد فقط، وهو الفهم الذي تتبناه اليوم المؤسسات الدولية حين تصف الفساد بأنه أزمة حوكمة.

3. حذر من تحول الأحزاب إلى جماعات لتقاسم الثروة والسلطة بدل التنافس على البرامج.

4. كشف مبكرًا أساليب التلاعب بالمناقصات التي ما تزال تتكرر بصيغ أكثر تعقيدًا.

5. طالب بإعلان العقود والشركات والكلف، وهو ما يزال من أهم متطلبات الشفافية في 2026.

6. نبه إلى خطر الرقابة الانتقائية، لأن محاسبة الصغار مع حماية مراكز النفوذ لا تفكك منظومة الفساد.

7. ربط الفساد بتراجع الثقة والعمل والإنتاج، وهي نتيجة تظهر اليوم في ضعف الثقة بالمؤسسات وصعوبة جذب الاستثمار المنتج.

لكن الملف كان ابن مرحلته أيضًا؛ فقد ركز بدرجة كبيرة على فساد الاحتلال والفراغ الذي أعقب عام 2003. أما فساد 2026 فقد أصبح أكثر محلية ومؤسسية، ولم يعد ممكنًا تفسيره بالاحتلال أو انهيار الدولة وحدهما. لقد انتقل مركز المسؤولية تدريجيًا إلى القوى العراقية التي تولت إدارة الدولة والمال العام طوال عقدين.

رابعًا: لماذا لم يستفد الحكام والأحزاب والنخب من الدروس؟

لا يمكن اختزال الإخفاق في نقص المعرفة؛ لأن التشخيص كان معروفًا منذ السنوات الأولى. المشكلة الأعمق أن الإصلاح الحقيقي كان يتعارض مع طريقة توزيع السلطة والمنافع.

1. تحول الفساد من خلل إلى وسيلة لإدارة التحالفات

عندما تستخدم الوظائف والعقود والمشروعات لضمان الولاء السياسي، يصبح الفساد جزءًا من آلية بناء التحالف الحاكم. وعندها لا تعود مكافحته قرارًا إداريًا، بل تصبح تهديدًا للتوازن الذي تستند إليه السلطة.

2. تضارب مصالح الجهة المكلّفة بالإصلاح

طالبت الحكومات الأجهزة الرقابية بمكافحة شبكات قد تكون مرتبطة بقوى مشاركة في الحكومة أو البرلمان. لذلك بقيت الرقابة في أحيان كثيرة محكومة بحدود التوافق السياسي.

3. اختزال المكافحة في اعتقال أفراد

ركز الخطاب الرسمي مرارًا على القبض على موظف أو مدير أو مسؤول، بينما حذر ملف 2006 من أن الفساد ناتج عن بيئة سياسية وإدارية. تغيير الشخص مع بقاء قواعد التعيين والعقد والتمويل والرقابة يعيد إنتاج المشكلة.

4. استعمال ملفات الفساد في الصراع السياسي

تحول الاتهام بالفساد أحيانًا إلى أداة لإضعاف الخصوم، بينما تتراجع الملفات عند تغير التحالفات. وهذه الانتقائية تضعف الردع وتقنع المجتمع بأن القانون لا يطبق بالمستوى نفسه على الجميع.

5. ضعف الضغط المجتمعي المستدام

ارتفعت الاحتجاجات والمطالبات، لكنها لم تتحول دائمًا إلى مؤسسات رقابية مستقلة قادرة على متابعة الموازنات والعقود والمشروعات بصورة طويلة الأمد. كما تعرض الصحفيون والباحثون والمبلغون لضغوط تحد من قدرتهم على الكشف والاستمرار.

6. الاقتصاد الريعي

وفرت الإيرادات النفطية المتدفقة قدرة على تأجيل الإصلاح، لأن الدولة تستطيع تمويل الرواتب والمنافع وامتصاص الأزمات من دون إعادة بناء نظام اقتصادي منتج وخاضع للمساءلة الضريبية. وفي الدولة الريعية تكون العلاقة المالية بين المواطن والحكومة أضعف، فتضعف معها المطالبة الدقيقة بكيفية إنفاق المال العام.

7. وفرة المؤسسات وتشتت المسؤولية

إن وجود مؤسسات كثيرة لا يعني وجود نظام نزاهة متكامل. فعندما تتقاطع صلاحيات هيئة النزاهة وديوان الرقابة والوزارات والبرلمان والقضاء، يمكن أن تضيع المسؤولية بين الإحالة والتحقيق والتدقيق والمحاكمة والتنفيذ.

8. ضعف الذاكرة المؤسسية

تعاملت كل حكومة مع مكافحة الفساد كما لو أنها تبدأ من جديد، وطرحت لجانًا واستراتيجيات وشعارات جديدة، بدل مراجعة ما نُفذ من الخطط السابقة ومن المسؤول عن تعثرها. وهكذا تكررت النصائح ولم يتراكم الإصلاح.

خامسًا: ما توصيات ملف 2006 التي ما تزال صالحة؟

مع تحديث أدواتها، ما تزال أغلب توصيات الملف قابلة للتطبيق:

1. الانتقال من الشفافية العامة إلى الشفافية التفصيلية

لا يكفي نشر أرقام إجمالية للموازنة. المطلوب نشر العقود والملاحق والتعديلات والكلف وأسماء الشركات والمستفيدين الحقيقيين ونسب الإنجاز والمدفوعات وأسباب توقف المشروع.

2. رقمنة دورة المال العام كاملة

ينبغي ربط الموازنة والعقود والمناقصات والجمارك والضرائب والرواتب والتقاعد والعقارات الحكومية بمنظومة رقمية قابلة للتدقيق. فالرقمنة تقلل الاحتكاك المباشر والفساد الصغير، لكنها لن تمنع الفساد الكبير من دون رقابة مستقلة وقواعد واضحة.

3. منع تضارب المصالح

تحديث ميثاق الشرف البرلماني الذي اقترحه الملف ليصبح قانونًا ملزمًا، يمنع المسؤول والنائب وأقاربه وشركاءه من الانتفاع المباشر أو غير المباشر من العقود والامتيازات التي يؤثرون في قراراتها.

4. إخضاع تمويل الأحزاب والانتخابات للتدقيق

لا يمكن مكافحة الفساد الإداري من دون معرفة مصادر تمويل القوى السياسية وكلف الحملات الانتخابية وعلاقتها بالشركات والمقاولين.

5. حماية المبلغين والصحفيين والشهود

من دون حماية فعلية، ستبقى المعرفة بالفساد داخل المؤسسات محاصرة بالخوف من الفصل أو التهديد أو الانتقام.

6. قياس الاسترداد لا عدد القضايا فقط

يجب ألا يُقاس النجاح بعدد أوامر القبض والإحالات والأحكام وحدها، بل بمقدار الأموال والأصول التي أعيدت إلى الخزينة والمشروعات التي أنقذت من الهدر.

7. الرقابة الشعبية على المشروعات

إنشاء منصات محلية تتيح للمواطن معرفة كلفة المشروع ومدته والشركة المنفذة ونسبة الإنجاز، والإبلاغ عن التوقف أو الرداءة أو الاختلاف عن المواصفات.

8. إصلاح الوظيفة العامة

اعتماد مجلس خدمة مهني، ووصف وظيفي واضح، وتقييم أداء، وتعيين وترقية على أساس الكفاءة، مع إنهاء التعيينات التي تجري بوصفها حصصًا سياسية أو وسائل لإرضاء الجمهور الحزبي.

9. استقلال أجهزة الرقابة

تأمين استقلالها المالي والإداري، ونشر تقاريرها ونتائج متابعتها، ومنع إقالة قياداتها أو الضغط عليها بسبب الملفات التي تحقق فيها.

10. تحويل مكافحة الفساد إلى سياسة دولة

أي فصلها عن عمر الحكومة والتحالفات المتغيرة، وربطها بخطة عشرية ذات أهداف كمية وتقييم سنوي مستقل ومساءلة علنية عن الإخفاق.

سادسًا: كيف يمكن أن نقرأ هذا التقرير بعد عشرين عامًا، في 2046؟

ستكون قراءة هذا التقرير عام 2046 محكومة بأحد ثلاثة مسارات:

المسار الأول: تكرار التحذير

إذا استمرت الإجراءات الانتقائية وبقيت شبكات المصالح أقوى من المؤسسات، فسيبدو تقرير 2026 شبيهًا بملف 2006: تشخيص صحيح وتوصيات معقولة لم تتحول إلى إرادة سياسية. وعندها لن يكون الفساد مجرد استنزاف للمال، بل عاملًا في إضعاف الدولة أمام التحولات السكانية والمناخية وتراجع قدرة الاقتصاد النفطي على تمويل النفقات المتضخمة.

المسار الثاني: تحسن جزئي مع بقاء الفساد الكبير

قد تنجح الرقمنة في تقليل الرشوة اليومية وتبسيط الخدمات، بينما تبقى العقود الكبرى وتمويل السياسة والمنافذ والعقارات عرضة لشبكات النفوذ. في هذا السيناريو يتحسن تعامل المواطن مع الإدارة، لكن بنية توزيع الثروة لا تتغير جوهريًا.

المسار الثالث: الانتقال إلى دولة المؤسسات

يتحقق هذا المسار إذا أصبحت القواعد أعلى من الأشخاص، ونُشرت دورة المال العام، وفُصلت الوظيفة عن الولاء الحزبي، وخضع تمويل السياسة للرقابة، واستُردت الموجودات، وحظي القضاء والمبلغون والصحافة بالحماية. عندها ستقرأ الأجيال ملف 2006 وتقرير 2026 بوصفهما جزءًا من مرحلة تعلم طويلة انتهت ببناء دولة أكثر نزاهة.

الخلاصة

تكمن قيمة ملف مجلة «النبأ» بعد عشرين عامًا في أنه يثبت أن أزمة الفساد في العراق لم تكن مجهولة، وأن التحذيرات لم تكن ناقصة. فقد شخص الملف مبكرًا المحسوبية الحزبية، وتقاسم الغنائم، وضعف البرلمان والقضاء، وغموض العقود، وغياب المعلومات، وهدر الموارد، وتراجع احترام المال العام، كما قدم حلولًا لا تزال مطروحة حتى اليوم.

لكن التجربة بين 2006 و2026 توضح أن المعرفة وحدها لا تصنع الإصلاح. المشكلة لم تكن في غياب النصيحة، بل في غياب التوافق السياسي على قبول كلفة تطبيقها. فمكافحة الفساد تعني حرمان أطراف نافذة من موارد ومناصب وعقود تستخدمها لإدامة نفوذها، ولذلك ظلت الإصلاحات تتحرك عند الأطراف من دون أن تصل إلى مركز العلاقة بين المال والسلطة والحزب.

والدرس الأهم للمستقبل هو أن العراق لا يحتاج إلى تقرير جديد يثبت وجود الفساد بقدر حاجته إلى نظام يجعل إخفاء المال العام أصعب، واستغلال الوظيفة أكثر كلفة، واسترداد الأموال أسرع، وتطبيق القانون غير قابل للتفاوض. فإذا لم يتحقق ذلك، فقد يأتي عام 2046 ليؤكد أن البلاد لم تفقد الأموال وحدها، بل فقدت أربعين عامًا من فرص البناء والتنمية والثقة.

* المصدر: مجلة «النبأ، العدد الثمانون، الصادر عام 2006

https://www.annabaa.org/nbahome/nba80/index.htm

اضف تعليق