منذ لحظة رفع النبي الأكرم، ليد أمير المؤمنين في واقعة الغدير، بأن "من كنت مولاه فعلي مولاه"، ثم بيعة المسلمين بأجمعهم دون استثناء لأمير المؤمنين بالولاية والخلافة بعد رسول الله، بدأت مشاعر تنمو في نفوس المحبين لأهل البيت، وتحديداً للإمام علي، وهو محمّل بأوسمة ثقيلة لم ولن تتح لأحد من يد النبي الأكرم، لعل أبرزها واكثرها عمقاً في الدلالة: "علي مع الحق والحق مع علي"، فكانوا يسعون لأن يكون الحكم والخلافة بعد رسول الله، الى من يمثل الحق بكل قيمه، ومهما كان الثمن، وكانت البداية في شخص واحد هو؛ الزبير ابن العوام الذي جرّد سيفه يوم السقيفة منادياً بحق الامام علي بالخلافة من غيره، وبعد ان وصلت مسيرة الأمة الى زاوية حرجة وخطيرة سياسياً ودينياً في عهد يزيد بن معاوية وتقدم الامام الحسين، لخوض المواجهة لتقويم المسيرة في بعديها الاثنين، ثم حصول تلك الفاجعة العظيمة وما تضمنته من افكار ودروس وعبر، بعث في هذا الطموح روح ثورية عنيفة زادت من الاندفاع لخوض المعترك السياسي، وقد اصطبغ هذه المرة بلون الدم والثأر لما جرى في كربلاء، وهذه المرة ظهر شخص مثل المختار بن عبيده الثقفي ليشكل أول دولة شيعية بالمعنى الاصطلاحي عاصمتها الكوفة.

بعد هذه التجربة السياسية الرائدة، وبعد التجربة الفدائية التي حمل لوائها التوابون، انطلق الشيعة لتكرار التجربة على أمل النجاح والانتصار على الحكام الطغاة من الأمويين والعباسيين، وانتزاع الحكم منهم، على أنهم الأحق ولديهم الشرعية الدينية والجماهيرية، هذه الرؤية التي كان يغلب عليها –في كثير من الاحيان- الجانب العاطفي، لم تكن لتحظى بتأييد مباشر وتبني واضح من الأئمة المعصومين، عليهم السلام، كون القضية بالنسبة اليهم لا تعدو وسيلة لهدف أسمى وأكبر، وقد بينه الامام علي، لابناء جيله وللعالم من خلال خطبه واحاديثه المعروفة.

ومن جملة الأئمة الاطهار، الامام الصادق، الذي تمر هذه الايام ذكرى استشهاده، الذ عاش هو وأبيه الامام الباقر، مرحلة تاريخية هي من أكثر المراحل حساسية ودقة في التاريخ الاسلامي، حيث كانت ثمة منعطفات سياسية حادة، الى جانب منعطفات فكرية وعقدية حادة ايضاً، فكان اهتمام الامامين، عليهما السلام، بالمنعطف الثاني كونه المؤسس للحضارة والباني لجسم الامة.

الغاية لا تبرر الوسيلة

وعندما يكون الحكم الأموي في تلك الايام في حالة العد التنازلي نحو السقوط، لم يكن سهلاً على الشيعة غض النظر عن هذه الفرصة التاريخية والاستثنائية ليكونوا هم الحكام من بعد الأمويين، ويقيموا دولة الخلافة الاسلامية الحقيقية – كما يتمنون- ولشدة الحرص على هذه الفرصة، كان يغيب بشكل مريع أي نوع من التفكير المستقبلي او التطلع الى العواقب والنتائج المحتملة، وهو ما كان يحذر منه الامام الصادق.

وبما أن بني العباس، وهم أحفاد العباس بن عبد المطلب، عمّ رسول الله، كانوا يتحينون الفرص للانقضاض على الحكم من بعد الأمويين، فقد كانوا يدركون المكانة العظيمة لأهل البيت في نفوس المسلمين آنذاك، وتحديداً أبناء علي وفاطمة، عليهما السلام، من الحسن والحسين، عليهما السلام، وفي تلك الفترة البرزخية كان الامام الصادق، يمثل عميد الأسرة العلوية من أبناء الامام الحسين، فيما كان عبد الله بن الحسن المثنى ابن الامام الحسن المجتبى، وكان شيخاً طاعناً في السن، يمثل عميد الأسرة من نسل الامام الحسن، وللعلم فقط، فان الحسن المثنى، هو ذاك الفتى الصغير الذي شهد الطف وكان الى جوار عمه الحسين، ودافع عنه بيده امام ذلك المهاجم الذي رفع السيف وقطع يمينه، وقد بقي على قيد الحياة بعد الواقعة، وكبر ثم تزوج، ومنه انحدر نسل الحسنيين.

في الوقت ذاته، أدرك عبد الله بن الحسن المثنى، أنه يمثل رقماً مهماً لدى العباسيين في نيتهم للانقلاب العسكري ضد الامويين، فاعلن تحالفاً وثيقاً معهم على أن يكون ابنه محمد المعروف في التاريخ بـ "ذي النفس الزكية"، هو الخليفة الاول في الحكم الذي يفترض ان يكون شيعياً وموالياً لأهل بيت رسول الله.

ليس هذا وحسب، بل انزلق هذا الشيخ الكبير في السن، في مشكلة عقدية كبيرة بدعواه أن ابنه محمد، هو المهدي الموعود، وانه المنقذ والمخلص للأمة، وهذا ما عدّه العباسيون شرعية جديدة بالمجان لعلمية سطوهم على الحكم، ومن هذا المنطلق تم عقد "مؤتمر الأبواء"، في منطقة بين مكة والمدينة، "وقد اجتمع رجال الثورة من العلويين والعباسيين في هذا المكان (الأبواء) للتشاور حول انتخاب خليفة منهم حتى ينهضوا معه لتأسيس حكومة عادلة بعد تقويض حكومة الأمويين، وكان فيهم من العلويين، عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأبناه؛ محمد وابراهيم، ومحمد الديباج وغيرهم، ومن العباسيين؛ ابو جعفر المنصور، وأخواه ابو العباس السفاح، وابراهيم، وعمّهم صالح بن علي وغيرهم، ثم اتفقوا على بيعة محمد بن عبدالله وترشيحه للخلافة، وزعموا انه المهدي الموعود".

ولما خلا المؤتمر من حضور ابناء الامام الحسين، عليه السلام، متمثلاً بشخص الامام الصادق، صار لازماً على بني عمومته المبادرة بالدعوة لمشاركتهم فيما هم يبغونه، فدخل الامام الصادق على عبد الله بن الحسن، "فأوسع له الى جنبه، وتكلم بمثل ما تكلم لرسول الامام من أننا اجتمعنا لنبايع المهدي؛ محمد بن عبدالله! فقال الامام الصادق: لا تفعلوا، فان هذا الامر لم يأت بعد، إن كنت ترى – يعني عبد الله- أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضباً لله، وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنّا والله، لاندعُك وأنت شيخنا، ونبايع إبنك في هذا الامر.

فغضب عبد الله، وقال: علمت خلاف ما تقول، و والله،ما أطلعك الله على غيبه، ولكن يحملك على هذا الحسد لإبنيّ!!

فقال له الامام: والله ماذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناؤه دونكم، وضرب بيده على ظهر أبي العباس السفاح، وكان قريباً منهما، ثم ضرب على كتف عبد الله بن الحسن، وقال: إنها –أي السلطة- والله، ما هي اليك، ولا الى إبنيك، ولكنها لهم –أي العباسيين- وإن ابنيك لمقتولان.

ثم توجه الى عبد الله بن الحسن، وقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر –ويقصد المنصور وكان حاضراً ايضاً- قال نعم، قال: فإنّا –والله- نجده يقتله!".

من خلال هذا النصّ التاريخي يكون الامام الصادق، عليه السلام، قد ألقى الحجة البالغة على ابن عمه، بيد أن التطلع نحو الحكم قد استحوذ على كل شيء، وربما حصلت مواقف ومؤشرات من السلوك والتصرفات التي لم يذكرها التاريخ عن العباسيين خارج نطاق القيم والمبادئ، ولم يلتفت اليها عبد الله بن الحسن، فمن يفكر بالسلطة لن يعتني بمكارم الاخلاق، ويكون لديه الكذب والتضليل وإخفاء الحقائق من الامور البديهية. لذا نجد التسرّع الرهيب لمواكبة التحالف مع العباسيين للوصول الى السلطة، قد استحوذ على تفكير عبد الله بن الحسن، فعندما أراد ابو سلمة الخلال، وهو أحد حملة الرايات السود في خراسان ومن قادة الانقلاب على الحكم الأموي، تسليم الحكم الى ولد علي وفاطمة، بدلاً من بني العباس، بعث برسالة البيعة الى الرموز الثلاث: الامام الصادق، وعبد الله بن الحسن، وعمر بن علي بن الحسين، فلما وصلت الرسالة الى الامام الصادق، دعا بسراج ووضع الرسالة عليها فاحترقت، وقال للرسول: "قد رأيت الجواب". ولكن؛ عندما وصلت الرسالة الى عبد الله بن الحسن، وكان جحافل "الثورة" قد اجتاحت خراسان ووصلت الكوفة، احتفى بالأمر، ونهض فوراً الى الامام الصادق ليخبره بالأمر و"أن هذا كتاب أبي سلمة يدعوني الى الأمر، ويراني أحقّ الناس به! وقد جاء به شيعتنا من خراسان! فقال له الامام: ومتى صاروا شيعتك؟! أنت وجهت أبا مسلم –الخراساني- وأمرته بلبس السواد، أتعرف احداً منهم باسمه ونسبه؟ قال عبد الله: لا! فقال الامام: كيف يكونون شيعتك وانت لا تعرف واحداً منهم، ولا يعرفونك"؟!!

العباسيون يبحثون عن معبر الى السلطة

الحديث عن الحكم في الفكر الشيعي يغلب عليه –في احيان كثيرة- البعد السياسي البحت، كما لو أنه مسألة نظرية او معادلة علمية يكفي الالتزام بها للحصول على النتائج الطيبة، في حين هي في إطارها العام، تمثل قضية رسالية تتعلق بسنن وقوانين إلهية في الكون والحياة، فالخلافة والقيادة التي يريدها الله –تعالى- هي التي تحقق السعادة الحقيقية لبني البشر في الحياة، والقرآن الكريم حافلٌ بآيات عدّة في هذا المجال، لاسيما ما يرتبط برسالة النبي الأكرم، وأسس دولته ونظامه الاجتماعي والسياسي الذي أنشأه في المدينة، وهذا يشكل إجابة على اسئلة الكثير عن سبب عدم استثمار الأئمة المعصومين، عليهم السلام، للفرص لاستلام الحكم، ويلمع اليها الكاتب والباحث القدير، سماحة آية الله السيد محمد كاظم القزويني في كتابه "الامام الصادق من المهد الى اللحد"، بأن الخلافة والامامة ثابتة من الله –تعالى- وينصّ عليها رسول الله، صلى الله عليه وآله، والاجابة الاخرى ذات الدلالة والاهمية؛ "انه –الامام الصادق- كان يعلم أن هؤلاء لا يريدونه إلا ليكون جسراً لهم للوصول الى السلطة، لما كان يتمتع به من مكانة سامية بين الناس، فمنهم من يعتقد بامامته ومنهم من يعتقد بصلاحه وعبادته".

ثم يوضح آية الله القزويني الحقيقة الناصعة ابداً في مسألة العلاقة بين الحكم وبين أهل البيت، عليهم السلام، من أن الامام الصادق لن يفعل ما عزف عنه جده أمير المؤمنين، عليه السلام، وفعله آخرون، بأن يجعلوا من المقربين والحلفاء مراقي للوصول الى السلطة، ثم يبدأ بتصفية المخالفين والمعارضين، فالغدر والفتك لن تكون في المنهج السياسي لأهل البيت، عليهم السلام.

وهكذا تم تجاهل نصائح وتوجيهات الامام الصادق، عليه السلام، من قبل اقربائه وبعض الشيعة، وكانت النهاية الكارثية والدموية لهم جميعاً، فكان كما توقع الامام الصادق، فقد انقض ابو العباس السفاح على ابو سلمة الخلال، ثم في عهد ابو جعفر المنصور، كان الضحية الاخرى؛ ابو مسلم الخراساني، وبعد انكشاف حقيقة المتآمرين والطامعين بالسلطة، هل تنفع الثورة المسلحة عليهم؟!

عبأ ابناء عبد الله بن الحسن؛ محمد – ذي النفس الزكية- وأخاه ابراهيم، جماهير الشيعة للقيام بثورة مسلحة ضد الحكم العباسي بدعوى تآمرهم وخيانتهم وغير ذلك، بيد أن النتيجة لم تكن سوى إبادة هذه الثورة ومقتل عدد كبير من الشيعة وفي المقدمة قادة الثورة في تفاصيل تذكرها كتب التاريخ، وبقي الامام الصادق، عليه السلام، وبقيت شخصيته الرسالية ودوره العلمي والاجتماعي كإمام مفترض الطاعة بإقرار جموع الشيعة، وهو يفرض وجوده ونفوذه في كيان الدولة العباسية دون أن تتمكن من الامساك بدليل واحد يشرّع لها تصفيته، فقد كان الى جانب الحق والفضيلة والانسانية، لذا اضطر المنصور الدوانيقي لاستخدام أخسّ الوسائل الجبانة للقتل، كما فعل سلفه في الحكم؛ معاوية، بأن دسّ السمّ الى الإمام الصادق، لتكون بها نهاية حياته الكريمة، بعد ان قدم لنا دروساً بليغة في السياسة والحكم، الى جانب ما قدمه في الجانب العلمي الحضاري.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3