العواقب الاقتصادية المترتبة على الارتباكات في مضيق هرمز ستستمر في التأثير على النظم الزراعية لفترة طويلة بعد عودة طرق الشحن إلى طبيعتها. مع انتشار ارتفاع تكاليف المدخلات وتعديلات الإنتاج عبر الأسواق، قد يستمرون في مواجهة انخفاض الربحية وخسائر الدخل في عام 2026. ينبغي للحكومات، والمؤسسات المالية الدولية، وبنوك التنمية...

روما ــ تَـعِـد مذكرة التفاهم التي أبرمت مؤخرا بين الولايات المتحدة وإيران باستعادة تدفق النفط، والغاز الطبيعي، والكبريت، والأسمدة عبر مضيق هرمز، بما يخفف الضغط على الأسواق الزراعية ويحد من خطر حدوث أزمة أمن غذائية عالمية أشد عُمقا. ولكن في حين قد تقلل مذكرة التفاهم من حدة الصدمة (بافتراض بقاء المضيق مفتوحا)، فإنها من غير الممكن أن تمحو الدرس الأساسي المستفاد من الأشهر الأربعة الأخيرة: فلا تزال الزراعة معرضة بدرجة خطيرة لارتباكات سلاسل توريد الأسمدة.

نظرا لشدة انعدام اليقين بشأن مذكرة التفاهم ذاتها، ناهيك عن العلاقات الطويلة الأمد مع إيران في عموم الأمر، ينبغي للدول أن تستغل أي تخفيف للضغوط الفورية لتعزيز قدرتها على الصمود قبل وصول الصدمة التالية. السؤال ليس ما إذا كان ارتباك آخر ليحدث، بل ما إذا كان الارتباك ليجدنا أكثر استعدادا عندما يحدث.

على مدى السنوات الخمس الأخيرة، واجه قطاع الزراعة سلسلة متتالية من الأزمات، بدءا من جائحة كوفيد-19 وصولا إلى الحروب والكوارث المتكررة المرتبطة بالمناخ. وقد كشفت كل من هذه الأزمات عن نقاط ضعف في سلاسل الإمداد، وأنظمة الطاقة، والإنتاج الزراعي. ومع ذلك، لم تقدم سوى قِلة من الأزمات فرصة واضحة لمعالجة نقاط الضعف هذه قبل قدوم الأزمة التالية.

لعل الدرس الأكثر إثارة للقلق المستخلص من إغلاق مضيق هرمز هو الفجوة بين ما كنا نعرفه وكيف استعدادنا له. كانت المخاطر المرتبطة بانقطاع إمدادات الأسمدة مفهومة جيدا، ومع ذلك دخل قطاع الزراعة العالمي الأزمة بضمانات محدودة ومع غياب أي آلية احتياطي دولية منسقة لتدبير المدخلات الـحَرِجة.

نتيجة لهذا، أصبح ممر مائي واحد ينقل ما يقرب من 20–30% من الأسمدة المتداولة عالميا ونحو 50% من الصادرات العالمية من الكبريت نقطة فشل للمنتجين عبر قارات عديدة. وعندما انقطعت التدفقات، لم يكن هناك احتياطي فعال لتثبيت استقرار الأسواق، ولا مصدر بديل قادر على تعويض الإمدادات المفقودة على نطاق ضخم.

في أميركا اللاتينية، التي تُعد واحدة من أكبر المناطق المصدرة للمنتجات الزراعية في العالم، يعتمد الإنتاج بشكل كبير على الأسمدة المستوردة. وفي كثير من البلدان الأفريقية، حيث يُعد استخدام الأسمدة منخفضا بالفعل، قد يُـفضي حتى أي ارتباك طفيف إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية. وقد سلطت الأزمة الضوء على مدى التركز والهشاشة الذي أصبحت عليه سلاسل إمداد المدخلات الـحَرِجة.

إن بناء القدرة على الصمود يتطلب أكثر من مجرد استعادة التجارة. فالاحتياطيات الاستراتيجية، وسعة التخزين الأكبر، وممرات التجارة المتنوعة، وشبكات الخدمات اللوجستية الأكثر متانة، كلها عوامل من الممكن أن تخفف من التعرض لنقاط الاختناق وتزود الحكومة بقدر أعظم من المرونة أثناء فترات الارتباك. ينبغي للمؤسسات المالية الدولية وبنوك التنمية أن تدعم هذه الاستثمارات، وخاصة في البلدان التي تواجه بالفعل قيودا مرتبطة بالديون وضغوطا على ميزان المدفوعات.

سلطت الصدمة الضوء أيضا على العلاقة الوثيقة بين أنظمة الطاقة والأنظمة الزراعية الغذائية. في كثير من البلدان النامية، لا تزال ملايين مضخات الري، وشبكات النقل، والآلات الزراعية تعتمد على الديزل، بحيث يترجم أي تقلب في أسواق الوقود بسرعة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. وقد يساعد الحد من تعرض الزراعة لصدمات الطاقة من خلال الاستثمار في كهربة الريف والطاقة المتجددة في تحسين كل من المرونة والقدرة التنافسية الطويلة الأمد.

بيد أن المرونة لا تعتمد في نهاية المطاف على تأمين إمدادات الأسمدة فحسب، بل تعتمد أيضا على استخدام هذه الإمدادات بشكل أكثر فعالية. فالنظم الزراعية الأكثر مرونة ليست بالضرورة تلك التي تستخدم أكبر كمية من الأسمدة، بل تلك التي تستخدم العناصر الغذائية المناسبة، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب.

من الدروس الواضحة المستفادة من الأزمة أن انخفاض أسعار الأسمدة ليس دائما خبرا سارا. عَكَسَ الانخفاض الأخير في أسعار اليوريا جزئيا ضعف الطلب، حيث أرجأ المزارعون عمليات الشراء أو خفضوا معدلات الاستخدام بسبب حالة انعدام اليقين، وقيود السيولة، والمخاوف المتعلقة بالإمدادات، وانخفاض الربحية المتوقعة. قد يؤدي تخريب الطلب على هذا النحو إلى انخفاض الأسعار في الأمد القريب، لكنه يشير غالبا إلى انخفاض استخدام المغذيات، والذي قد يترجم إلى انخفاض عائدات المحاصيل وشح إمدادات الغذاء لاحقا.

لذا، قد يعتمد مستقبل أمن الأسمدة بدرجة أقل على استخدام مقادير أعظم من العناصر الغذائية، وبدرجة أكبر على فهم التربة تحت أقدامنا. ومن الممكن أن يستفيد المزارعون من الاستثمارات في رسم خرائط التربة، وإدارة العناصر المغذية بدقة، وتحسين الممارسات الزراعية في مواءمة استخدام الأسمدة مع احتياجات المحاصيل والتربة الفعلية، بما يرفع الإنتاجية في حين يقلل الهدر والاعتماد على الأسواق الدولية المتقلبة.

ينبغي التعامل مع المعلومات باعتبارها بنية أساسية زراعية حَـرِجة. وينبغي للحكومات والقطاع الخاص العمل معا لتطوير معايير مشتركة ومنصات مشتركة تحول بيانات التربة إلى منفعة عامة عالمية.

غالبا ما تدفع الأزمات الناس إلى الاستسلام إلى إغراء البحث عن حل واحد. ونادرا ما توفر الزراعة حلا من هذا القبيل. قد تؤدي الأمونيا الخضراء والتكنولوجيات المرتبطة بها في نهاية المطاف إلى تنويع إنتاج الأسمدة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وإن كانت تكاليفها لا تزال أعلى كثيرا من تكاليف الأمونيا التقليدية، ولا يزال نشرها على نطاق واسع على بُـعد سنوات.

في الوقت ذاته، ينبغي لصناديق الإبداع والاستثمارات في البحث أن تدعم الأسمدة البديلة، والمحفزات الحيوية، والكائنات الدقيقة المفيدة، وتحسين جينات المحاصيل، والتكنولوجيات التي تعزز كفاءة المغذيات وصحة التربة. يجب أن تظل استراتيجيات الأسمدة الفعّالة قائمة على أسس علمية، ومتكيفة مع الظروف المحلية، وأن تجمع بين الأسمدة الاصطناعية وتحسين إدارة التربة والحلول البيولوجية.

في نهاية المطاف، تدور المرونة حول الحفاظ على الخيارات المتاحة عندما تتغير الظروف على نحو غير متوقع. تتيح أنظمة الإنذار المبكر، ورصد الأسواق، والتأمين الزراعي، وبروتوكولات الإجراءات الاستباقية للحكومات الاستجابة للانقطاعات والارتباكات قبل أن تتحول إلى أزمات. هذه الاستثمارات مهمة سواء كانت الصدمة التالية ناشئة عن أسباب جيوسياسية، أو تقلبات المناخ، أو أسواق الطاقة.

بصرف النظر عن نتيجة مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، فإن العواقب الاقتصادية المترتبة على الارتباكات في مضيق هرمز ستستمر في التأثير على النظم الزراعية لفترة طويلة بعد عودة طرق الشحن إلى طبيعتها. يشير تحليل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن المنتجين، مع انتشار ارتفاع تكاليف المدخلات وتعديلات الإنتاج عبر الأسواق، قد يستمرون في مواجهة انخفاض الربحية وخسائر الدخل في عام 2026.

ينبغي للحكومات، والمؤسسات المالية الدولية، وبنوك التنمية اغتنام هذه الفرصة لتعزيز البنية الأساسية الـحَرِجة، وتحسين الوصول إلى المعلومات الزراعية، وتنويع سلاسل الإمداد، وبناء أنظمة أسمدة أكثر مرونة. كانت نقاط الضعف التي كشفت عنها هذه الأزمة مفهومة جيدا قبل أن تبدأ. ولا ينبغي لها أن تظل دون حل بعد انتهائها.

* بقلم: ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

https://www.project-syndicate.org/

اضف تعليق