فقدان البصر جزء من تجربة الإنسان، أما الحياة فتظل أوسع من هذا الجزء، والإنسان يستطيع أن يبني مستقبله من القدرات التي يحملها ومن الإرادة التي يطورها مع الوقت. مفهوم الرؤية يرتبط بما يتركه الإنسان في حياته من أثر، وما يتعلمه، وما يمنحه للآخرين...

تبدأ حكاية بارق الحمداني من مكان صغير جداً؛ من نقاط بارزة تستقر على ورقة، ومن أصابع تتقدم فوقها بحذر، تبحث عن حرف يتشكل تحت اللمس، ثم كلمة تتبعها أخرى، حتى تتحول تلك العلامات المتناثرة إلى جمل قادرة على حمل المعرفة من الورق إلى العقل. في تلك البدايات كان برايل طريقة جديدة يتعلمها، ثم أخذت معانيه تتسع مع كل صفحة يقرأها، حتى اكتشف أن تلك النقاط تمنحه مساحة من الاستقلال، وتفتح أمامه طريقاً إلى العلم يستطيع أن يسلكه بجهده وإرادته.

في المرحلة الابتدائية كان برايل وسيلته الحصرية في القراءة والكتابة. هناك بدأت العلاقة الأولى بين أصابعه والكتاب، وتعلم كيف يميز الحروف والنقاط، وكيف يربط الرمز بالصوت والمعنى، وكيف يحول الورقة إلى مساحة مفتوحة أمام المعرفة. كانت كل كلمة يقرأها انتصاراً صغيراً على صعوبة الطريق، وكل صفحة ينجزها تدريباً جديداً على الاعتماد على نفسه.

لم تكن تلك المرحلة مجرد سنوات دراسية عادية؛ كانت مرحلة تأسيس لعلاقة طويلة مع المعرفة. فقد تعلم بارق من خلالها أن القراءة يمكن أن تصل إلى الإنسان بوسائل مختلفة، وأن اليد تستطيع أن تؤدي وظيفة العين حين تتسلح بالتدريب والإرادة.

ومع انتقاله إلى المرحلة المتوسطة، اتسعت أدواته التعليمية. دخل الهاتف المحمول إلى تجربته، وبدأ يستخدم البرامج الناطقة التي تتيح له التعامل مع النصوص والمعلومات والتطبيقات عبر الصوت. كما استفاد من المسجل وأجهزة التسجيل في حفظ الدروس والمحاضرات والمعلومات التي يحتاج إليها في دراسته.

وهنا بدأت مرحلة جديدة في رحلته؛ برايل الذي حمله من المرحلة الابتدائية بقي جزءاً من تجربته، إلى جانب الهاتف والبرامج الناطقة وأجهزة التسجيل. أصبحت لديه وسائل متعددة للوصول إلى المعرفة، وكل وسيلة تؤدي دوراً يناسب طبيعة المادة والحاجة إليها.

في المرحلة الإعدادية ازدادت كثافة المواد الدراسية، واتسعت دائرة المعلومات والمصطلحات، فازدادت أهمية تنظيم أدواته التعليمية. أصبح الهاتف وسيلة يومية للوصول إلى المحتوى، والبرامج الناطقة تساعده على القراءة والتصفح، بينما وفرت أجهزة التسجيل وسيلة لحفظ الشروحات والمعلومات ومراجعتها في أوقات مختلفة.

كانت هذه المرحلة تكشف تحولاً مهماً في تجربته؛ فقد أصبح قادراً على اختيار الأداة التي تناسب حاجته، والتعامل مع المعرفة بطريقة أكثر استقلالاً وتنظيماً. الأدوات تغيرت، لكن الهدف بقي واحداً: الوصول إلى العلم وإدارة العملية التعليمية بقدر أكبر من الاعتماد على الذات.

ثم جاءت الجامعة، وهي المرحلة التي اتسعت فيها مسؤولية الطالب أمام المعرفة. المحاضرات أصبحت أكثر تخصصاً، والمراجع أكثر تنوعاً، والمعلومات تحتاج إلى متابعة مستمرة ومراجعة دقيقة. هنا أصبحت البرامج الناطقة والهاتف وأجهزة التسجيل جزءاً أساسياً من يومه الدراسي، إلى جانب خبرته الطويلة مع برايل.

ومن طفل بدأ قراءة الحروف عبر نقاط بارزة على ورقة، أصبح شاباً جامعياً يتعامل مع عالم رقمي واسع من خلال الهاتف والصوت والتسجيل. هذه الرحلة تكشف كيف يمكن للأداة التعليمية أن تتطور مع احتياجات الإنسان، وكيف تستطيع التكنولوجيا أن تفتح مساحات جديدة أمام الطالب الكفيف عندما تتحول إلى وسيلة للاستقلال والوصول إلى المعرفة.

كانت مسيرته التعليمية سلسلة متصلة؛ الابتدائية مع برايل، ثم المتوسطة والإعدادية والجامعة مع اتساع الأدوات لتشمل الهاتف والبرامج الناطقة والمسجل وأجهزة التسجيل. كل مرحلة أضافت إلى التي سبقتها، وكل وسيلة وسعت المساحة التي يستطيع من خلالها أن يتعلم ويبحث ويحفظ ويستعيد المعلومة.

وبعد سنوات من التعلم، وجد بارق نفسه في موقع مختلف تماماً؛ يجلس أمام طالب كفيف ويقوده في الخطوات الأولى التي يعرف ثقلها جيداً. عندما أمسك بيد الطالب للمرة الأولى، وجد في تلك اليد شيئاً من يده القديمة، واستعاد في لحظة واحدة صور البدايات والأسئلة والتردد الذي يصاحب الإنسان عندما يدخل عالماً جديداً ويبحث عن وسيلة يفهم بها الأشياء من حوله.

كان يستطيع أن يشرح له الحروف والنقاط والحركات المطلوبة، لكنه كان يشعر في الوقت نفسه بأن مهمته تتجاوز نقل مهارة القراءة؛ كان يريد أن يمنح الطالب تجربة يمكن أن يستند إليها حين يواجه أسئلته عن المستقبل. تجربة تقول له من خلال شخص يقف أمامه ويشاركه جزءاً من ظروفه: الطريق قابل للمواصلة، والقدرة على الوصول تنمو مع التدريب والصبر والإصرار.

داخل معهد نور الإمام الحسين (عليه السلام)، يتعامل بارق مع التعليم بوصفه مساحة لبناء الإنسان قبل بناء المهارة؛ لأن الطالب الكفيف يدخل الصف حاملاً معه أسئلة تتجاوز الكتاب والمنهج. يسأل عن الدراسة، وعن العمل، وعن الاستقلال، وعن المستقبل، وعن المساحة التي يستطيع أن يحتلها داخل مجتمع تتحرك تفاصيل كثيرة من حياته اليومية عبر النظر.

لذلك يحاول بارق أن يضع تجربته أمام الطلاب بصورة طبيعية، ويجعل من حياته اليومية نموذجاً عملياً يمكن للطالب أن يقيس عليه إمكاناته. فالمعلم الذي يراه أمامه يؤدي عمله، ويتحدث، ويقرأ، ويشارك في الحياة الاجتماعية، ويعتلي المنبر، يقدم له صورة ملموسة عن مستقبل يستطيع أن يتخيله لنفسه.

وحين يدخل أحد الطلاب في مرحلة من الضيق أو التردد، يتعامل بارق مع الأمر من موقع شخص يعرف ثقل هذه المشاعر. يحدثه عن الحياة من زاوية أوسع، ويعيد ترتيب السؤال أمامه؛ فقدان البصر جزء من تجربة الإنسان، أما الحياة فتظل أوسع من هذا الجزء، والإنسان يستطيع أن يبني مستقبله من القدرات التي يحملها ومن الإرادة التي يطورها مع الوقت.

وتظهر شخصية بارق في الصف من خلال طريقته في تقديم المعلومة أيضاً؛ فهو يعرف أن الصورة الذهنية لدى الطالب الكفيف تحتاج إلى بناء مختلف، ولذلك يعتمد على الوصف الدقيق وربط الأفكار بأمثلة حسية يستطيع الطالب أن يتفاعل معها، ويحاول أن يجعل المعلومة قابلة للتخيل حتى تتحول من كلمات يسمعها إلى معنى يستطيع أن يستحضره في ذهنه.

هذه الطريقة ولدت من تجربته الشخصية؛ من سنوات طويلة قضاها في اكتشاف الأشياء عبر السمع واللمس والذاكرة. لذلك أصبحت خبرته اليومية جزءاً من أدواته التعليمية، وأصبح يعرف أن تفصيلاً صغيراً في الوصف قد يفتح أمام الطالب مساحة كاملة للفهم.

وعندما يُسأل بارق عن البصر، يذهب في إجابته إلى معنى أبعد من العين؛ أصابعه تمنحه وسيلة القراءة، وإرادته تمنحه القدرة على الاستمرار، وبين الاثنين تتشكل تجربته. الجسد يحمل أدواته، والإرادة تمنح هذه الأدوات اتجاهها، والإنسان يستطيع مع الوقت أن يعيد تعريف قدرته وفق ما يكتشفه من إمكانات داخله.

ولهذا يبدو مفهوم الإرادة حاضراً في حديثه عن نفسه وعن طلابه؛ فالإنسان يحتاج في لحظات معينة إلى قوة داخلية تدفعه نحو التجربة، وتمنحه القدرة على تكرار المحاولة، وتحوله من شخص ينتظر الظروف إلى شخص يبدأ ببناء الطريق الذي يساعده على الوصول.

ومن الصف ينتقل بارق إلى مساحة أخرى تحمل في حياته معنى خاصاً؛ المنبر الحسيني، حيث يصبح الصوت وسيلة للتعبير عن الذاكرة والإيمان والانتماء، وحيث تتحول القصيدة إلى مساحة يعيش فيها الرادود المعنى قبل أن ينقله إلى الجمهور.

يرى بارق أن فقدان البصر جعله أكثر إنصاتاً للكلمة وأكثر اهتماماً بما وراءها، فالصوت عنده يحمل طبقات متعددة من الإحساس، والقصيدة تحتاج إلى قلب يستوعب معناها حتى تستطيع الوصول إلى قلوب الآخرين. ولهذا حين يقرأ عن كربلاء، يحاول أن يستحضر المشهد عبر الإيمان والذاكرة والإحساس، وأن يجعل المستمع يعيش المعنى من خلال الصوت كما يعيشه هو في داخله.

كربلاء بالنسبة إلى بارق مساحة يتعلم منها معنى الثبات؛ وحين يستحضر الإمام الحسين (عليه السلام)، يستحضر معه صورة الإنسان الذي وقف أمام امتحان هائل وتمسك بمبادئه حتى النهاية. هذا المعنى يرافقه في مواجهة صعوبات الحياة، ويمنحه قدرة على إعادة النظر في حجم العقبات التي يواجهها الإنسان عندما يقارنها بقوة الموقف الذي يستمد منه إيمانه.

ثم يأتي سؤال أحد الطلاب ليضع بارق أمام أعمق نقطة في عمله.

سأله الطالب ذات يوم: هل سأستطيع أن أحقق أحلامي وأنا كفيف؟

كان السؤال يحمل أكثر من معنى؛ فالطالب يسأل عن الدراسة، وفي داخله سؤال عن العمل والاستقلال والمستقبل ونظرة المجتمع، ويسأل أيضاً عن المساحة التي يمكن أن يصنعها لنفسه في حياة تبدو له مليئة بالأبواب التي تحتاج إلى العين حتى تُفتح.

بالنسبة إلى بارق، كانت الإجابة تحتاج إلى تجربة حية حتى تصل إلى عمق السؤال. فالطالب أحياناً يحتاج إلى نموذج أمامه حتى يرى الاحتمال بصورة ملموسة.

كان بارق هو ذلك الاحتمال.

وقف أمام الطالب معلماً، يحمل تجربة بدأت من نقاط برايل الأولى في المرحلة الابتدائية، ثم انتقلت إلى المتوسطة والإعدادية والجامعة، حيث دخل الهاتف والبرامج الناطقة وأجهزة التسجيل إلى تفاصيل تجربته التعليمية، ومنها إلى التعليم والمنبر وخدمة المجتمع.

أصبح وجوده في الصف جزءاً من الإجابة التي يبحث عنها الطالب.

هنا يتحول المعلم إلى أكثر من ناقل للمعلومة؛ يصبح شاهداً على إمكانية بناء حياة كاملة من ظروف تحتاج إلى الصبر والعمل وإعادة اكتشاف الذات.

هذه اللحظة بقيت في ذاكرته لأنها ذكّرته بمسؤوليته تجاه طلابه؛ فالمعلم الذي يعيش تجربة قريبة من تجربة طلابه يمتلك قدرة خاصة على فهم الأسئلة التي تختبئ خلف الكلمات، ويعرف أن بعض الأسئلة تحتاج إلى موقف يجيب عنها، وأن بعض المخاوف تحتاج إلى نموذج حي حتى تهدأ.

ولهذا يجد بارق سعادته في التحولات الصغيرة التي يراها في طلابه؛ طالب يدخل إلى الصف متردداً ثم يبدأ شيئاً فشيئاً في اكتساب الثقة، وآخر يكتشف مهارة كان يجهلها، وثالث يتعامل مع مستقبله بصورة أكثر اتزاناً بعد أن كان ينظر إليه بخوف.

هذه اللحظات تمنحه إحساساً بأن المعرفة التي ساعدته يوماً على بناء حياته تتحرك الآن نحو أشخاص آخرين، وأن التجربة الشخصية يمكن أن تتحول إلى منفعة عامة حين يجد الإنسان الطريقة المناسبة لمشاركتها.

وخارج التدريس والمنبر، تستمر علاقته بالمعرفة في تفاصيل يومه؛ يقرأ بطريقة برايل، ويستخدم البرامج الناطقة، ويستفيد من الهاتف وأجهزة التسجيل، ويستمع إلى الكتب والمحاضرات، ويجالس أهله وأصدقاءه، ويشارك في خدمة المجتمع، ويجد في هذه التفاصيل اليومية مساحة يرى من خلالها العالم بطريقة تخصه.

مفهوم الرؤية عنده يرتبط بما يتركه الإنسان في حياته من أثر، وما يتعلمه، وما يمنحه للآخرين، وما يستطيع أن يصنعه من علاقات وتجارب ومعانٍ. ولهذا تصبح السعادة عنده مرتبطة كثيراً بالإنسان الذي يرى ثمرة جهده في شخص آخر.

وحين يعود السؤال إلى طفولته، إلى بارق الصغير الذي كان يخطو خطواته الأولى في عالم مختلف عن الصورة التي اعتادها الآخرون، يقول إنه سيختار طريق المعلم من جديد؛ لأنه يرى في هذا الطريق امتداداً طبيعياً لكل ما مر به، من برايل إلى الدراسة، ومن الدراسة إلى التعليم، ومن التعليم إلى التأثير في الآخرين.

ولو استطاع أن يجلس أمام ذلك الطفل اليوم، لقال له إن الطريق يحمل تعباً يحتاج إلى الصبر، وإن الأيام التي تبدو ثقيلة في بدايتها قد تمنح صاحبها لاحقاً قدرة على فهم الآخرين ومساندتهم، وإن الإنسان يستطيع أن يحول تجربته الخاصة إلى مساحة رحبة حين يقرر أن يجعل منها معنى يتجاوز حياته الشخصية.

عند هذه النقطة تبدو حكاية بارق أكثر اتساعاً من سيرة رجل كفيف تعلم القراءة ثم أصبح معلماً؛ إنها حكاية إنسان أعاد بناء علاقته بالعالم من خلال أداة صغيرة، ثم أخذ يوسع الدائرة حول تلك الأداة حتى أصبحت معرفة، ثم مهنة، ثم رسالة.

برايل أعطاه لغة يقرأ بها، والمدرسة فتحت أمامه الطريق، والمراحل الدراسية المتعاقبة صنعت ثقته، والتكنولوجيا وسعت فضاء المعرفة أمامه، والجامعة نقلته إلى مستوى أكثر اتساعاً من التعلم، والتعليم أعطاه مساحة يمنح فيها ما تعلمه، والمنبر أعطاه صوتاً يحمل إحساسه إلى الآخرين، وتجربته مع طلابه أعطته سبباً آخر للاستمرار.

وربما تختصر يده هذه الرحلة كلها؛ اليد التي تحسست نقاط برايل في بداياتها، ثم أمسكت بالكتاب في المرحلة الابتدائية، وواصلت طريقها مع المعرفة خلال المتوسطة والإعدادية والجامعة، ثم امتدت إلى الهاتف وأجهزة التسجيل، ثم أمسكت بيد طالب كفيف يحتاج إلى من يقوده في أول الطريق.

في حركة واحدة تتجاور مراحل حياته كلها، من الطالب الذي كان يبحث عن المعرفة إلى المعلم الذي يمنحها، ومن الإنسان الذي كان يحاول اكتشاف قدرته إلى الإنسان الذي يساعد الآخرين على اكتشاف قدراتهم.

هكذا يواصل بارق طريقه؛ يقرأ بأصابعه، ويصل إلى المعرفة عبر صوته وتقنيات العصر، ويعلّم من ذاكرته، ويتحدث من تجربته، ويرفع صوته في المنبر محملاً بما يشعر به تجاه كربلاء، ويترك لطلابه مساحة حتى يروا أنفسهم من خلال ما يستطيعون صنعه في حياتهم.

وبين النقطة الأولى التي لمستها أصابعه في برايل، واليد التي يمسك بها اليوم بيد طالب جديد، تمتد رحلة كاملة تقول إن الإنسان يستطيع أن يعيد صياغة علاقته بما حوله كلما اكتشف في داخله قدرة تستحق أن تُمنح فرصة.

في البداية كانت هناك نقاط على ورقة. ثم جاءت الكلمات. ثم جاءت المدرسة. ثم المتوسطة. ثم الإعدادية. ثم الجامعة. ثم جاءت التكنولوجيا. ثم جاءت المعرفة. ثم جاء الدور الذي يجعل الإنسان يمد يده إلى آخرين، ويقول لهم من موقع التجربة: ابدأوا من حيث أنتم، وابنوا الطريق خطوة بعد خطوة.

اضف تعليق