لا يقف الذهب اليوم أمام خيار بسيط بين الحرب والسلام، بل أمام صراع بين خوف جيوسياسي يدفع المستثمرين إليه، وتضخم نفطي قد يبقي الفائدة مرتفعة ويدفعهم بعيداً عنه. وعلى المدى القصير، ستكون حركة النفط عبر مضيق هرمز وبيانات التضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي أكثر تأثيراً من العناوين العسكرية وحدها...
تتجاذب المعدن الأصفر قوتان متناقضتان: مخاطر جيوسياسية تعزز مكانته ملاذاً آمناً، وصدمة نفطية تهدد بإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة. وبينما تضع المؤسسات المالية الكبرى أهدافاً تتراوح غالباً بين 4 آلاف و5 آلاف دولار، يطرح بعض المستثمرين سيناريو استثنائياً بوصوله إلى 10 آلاف دولار قبل نهاية العقد.
لم يعد اتجاه الذهب يُقرأ من خلال معادلة بسيطة تقول إن الحروب ترفع الأسعار والسلام يخفضها. فالمعدن الأصفر، الذي اعتاد المستثمرون اللجوء إليه في أوقات الاضطرابات، وجد نفسه خلال 2026 أمام علاقة أكثر تعقيداً بين الحرب والطاقة والتضخم والسياسة النقدية.
وفي 10 أغسطس/آب 2026، جرى تداول الذهب الفوري قرب 4,357 دولاراً للأونصة، بعدما سجل مستوى قياسياً لامس 5,595 دولاراً في يناير/كانون الثاني. وبين القمة والسعر الحالي، تعرض المعدن لتصحيح حاد، قبل أن يستعيد جانباً من زخمه مدعوماً بمشتريات الصين وضعف بعض البيانات الاقتصادية الأميركية.
هذا المسار المتقلب يكشف أن الحرب لا تمنح الذهب اتجاهاً صعودياً مضموناً. فالاضطرابات الجيوسياسية تدفع المستثمرين إلى الأصول الآمنة، لكنها قد ترفع أسعار النفط والتضخم، وتدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية. وعندها تتحول الحرب من عامل دعم للذهب إلى مصدر ضغط عليه.
حرب بوجهين
في الظروف المعتادة، يستفيد الذهب من اتساع الصراعات العسكرية، لأنه أصل عالمي لا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة أو قدرة حكومة على سداد ديونها. وتزداد جاذبيته عندما تتراجع الثقة بالأسواق والعملات والسندات، أو ترتفع احتمالات تعطل التجارة وسلاسل الإمداد.
لكن الحرب الحالية في الشرق الأوسط ترتبط مباشرة بإمدادات الطاقة، وهو ما يجعل تأثيرها مختلفاً. فاتساع المواجهة أو استهداف المنشآت النفطية والموانئ وطرق الملاحة يؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام وتكاليف الشحن والتأمين، ثم ينتقل تدريجياً إلى أسعار النقل والإنتاج والسلع الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة: ارتفاع التضخم يدعم الذهب نظرياً بوصفه أداة للتحوط من تراجع القوة الشرائية، لكنه قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى إبقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها مجدداً. وعندما ترتفع عوائد السندات، تصبح حيازة الذهب، الذي لا يقدم فائدة دورية، أكثر كلفة للمستثمرين.
وقد ظهر هذا التفاعل بوضوح خلال الأشهر الماضية. فارتفاع النفط على خلفية التصعيد الأميركي الإيراني عزز مخاوف التضخم ورفع رهانات تشديد السياسة النقدية، ما ضغط على الذهب رغم استمرار الحرب. وفي 6 أغسطس/آب، قلّص المعدن مكاسبه مع صعود النفط بعد تقارير عن دراسة إيران فرض قيود على السفن التي تصنفها «معادية» في مضيق هرمز.
مضيق هرمز في قلب المعادلة
يمثل مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ تمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. ولذلك لا ينحصر أثر تعطيله في أسواق الخام، بل يمتد إلى التضخم والفائدة والعملات، ثم يصل إلى الذهب.
في حال استمرار القيود على الملاحة أو تعرض السفن والمنشآت النفطية لمزيد من الهجمات، ستبقى علاوة المخاطر مضافة إلى أسعار الطاقة. وإذا ارتفع النفط بصورة حادة، فقد تعود الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الأميركي، ما يمنح الاحتياطي الفيدرالي مبرراً لتأجيل خفض الفائدة.
وهذا يعني أن إغلاق المضيق قد يرفع الذهب أولاً بفعل الخوف، لكنه قد يضغط عليه لاحقاً عبر النفط والتضخم والفائدة. أما فتحه وعودة تدفقات الطاقة بصورة طبيعية فقد يقللان الطلب الفوري على الملاذات الآمنة، لكنهما يخففان التضخم ويفتحان الباب أمام سياسة نقدية أقل تشدداً، وهو ما قد يكون أكثر إيجابية للذهب على المدى المتوسط.
وأبرزت مؤسسة «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز» هذه العلاقة المتناقضة، إذ رأت أن عودة خام برنت إلى نحو 80 دولاراً للبرميل قد تساعد الذهب على الاقتراب من 5 آلاف دولار عبر تخفيف ضغوط التضخم والفائدة والدولار. وفي المقابل، يمكن لارتفاع النفط إلى مستويات من ثلاثة أرقام، وصولاً إلى سيناريو 150 دولاراً، أن يدفع الذهب نحو اختبار دعم 4 آلاف دولار بسبب توقعات التشديد النقدي.
الفائدة تتقدم على أصوات المدافع
رغم تأثير الحروب، يبقى اتجاه السياسة النقدية الأميركية العامل الأكثر قدرة على رسم مسار الذهب خلال الفترة المقبلة.
عندما ترتفع الفائدة الحقيقية، أي العائد بعد خصم التضخم، يصبح الاحتفاظ بالسندات أكثر جاذبية مقارنة بالذهب. كما تميل الفائدة المرتفعة إلى دعم الدولار، ما يجعل المعدن أكثر كلفة للمشترين خارج الولايات المتحدة.
أما خفض الفائدة فيؤدي عادة إلى تراجع عوائد السندات وإضعاف الدولار، ويعزز تدفقات الأموال إلى الذهب والصناديق الاستثمارية المدعومة به. ولهذا أصبحت بيانات التضخم والتوظيف والأجور الأميركية مؤثرة في سعر المعدن أحياناً بصورة تفوق الأخبار العسكرية.
وتترقب الأسواق بصورة خاصة ما إذا كان ارتفاع الطاقة سيؤدي إلى موجة تضخم مستمرة أم إلى صدمة مؤقتة. فإذا تباطأ التضخم وضعف سوق العمل، يمكن للاحتياطي الفيدرالي الانتقال إلى التيسير النقدي، ما يمنح الذهب فرصة جديدة لاختبار 4,500 دولار ثم 4,750 وربما 5 آلاف دولار.
أما إذا بقي التضخم مرتفعاً وأظهر الاقتصاد الأميركي قدرة على تحمل تكاليف الاقتراض، فقد تستمر الفائدة المرتفعة فترة أطول، وحينها قد يبقى الذهب محصوراً في نطاق متقلب أو يعود إلى اختبار 4 آلاف دولار.
البنوك تخفض سقف التوقعات
بعد الصعود القياسي في بداية العام، اتجهت مؤسسات مالية ومحللون إلى خفض تقديراتهم، من دون التخلي بالكامل عن النظرة الإيجابية طويلة الأجل.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز وشمل 29 محللاً ومتداولاً أن متوسط السعر المتوقع لعام 2026 يبلغ 4,509 دولارات للأونصة، انخفاضاً من 4,916 دولاراً في الاستطلاع السابق. وكانت تلك المرة الأولى التي تُخفض فيها التوقعات خلال 11 فصلاً، بينما بلغ متوسط توقعات 2027 نحو 4,610 دولارات.
وخفض مصرف «إتش إس بي سي» توقعه لمتوسط الذهب في 2026 إلى 4,560 دولاراً، متوقعاً أن ينهي العام عند 4,750 دولاراً، وأن يتحرك خلال ما تبقى منه بين 3,800 و4,700 دولار. وعزا المصرف المراجعة إلى قوة الدولار وتحول توقعات السياسة الأميركية نحو مزيد من التشدد.
بدوره، خفض بنك أوف أميركا توقعه لمتوسط 2026 بنسبة 14% إلى 4,360 دولاراً، لكنه أبقى مستوى 5 آلاف دولار ممكناً بعد انتهاء دورة التشديد النقدي.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة مهمة بين التوقعات المتداولة. فمتوسط السعر السنوي لا يعني بالضرورة السعر في نهاية العام، كما أن السعر المستهدف يختلف عن السيناريو الصعودي المشروط. ولذلك لا يمكن التعامل مع كل الأرقام المنشورة على أنها توقعات متساوية الاحتمال.
البنوك المركزية تضع أرضية للسوق
في مقابل ضغوط الفائدة، يتمتع الذهب بدعم طويل الأجل مصدره البنوك المركزية، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة التي تسعى إلى تنويع احتياطياتها وتقليل اعتمادها المفرط على الدولار.
وبحسب مجلس الذهب العالمي، اشترت البنوك المركزية خلال السنوات الأربع الماضية متوسطاً يقارب ألف طن سنوياً، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 500 طن خلال العقد السابق.
كما أظهر مسح أجراه المجلس في 2026 أن 89% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع زيادة الاحتياطيات العالمية من الذهب خلال الأشهر الاثني عشر التالية، فيما قالت نسبة قياسية بلغت 45% إنها تتوقع زيادة احتياطياتها الخاصة. وترى غالبية المشاركين أن الذهب يوفر التنويع والحماية خلال الأزمات والتحوط من التضخم والمخاطر الجيوسياسية.
لكن هذا الدعم لا يمنع التصحيحات السعرية. فقد يتباطأ الشراء عندما ترتفع الأسعار بسرعة، أو عندما تحتاج بعض الدول إلى السيولة وإدارة احتياطياتها من العملات الأجنبية. ومع ذلك، يمنح الطلب الرسمي السوق قاعدة استراتيجية قد تحد من الهبوط العميق.
ويتوقع مجلس الذهب العالمي استمرار الاستثمار باعتباره المحرك الرئيسي لنمو الطلب خلال النصف الثاني من 2026، مدعوماً بالشراء الآسيوي والصفقات خارج البورصات، بينما ستظل تدفقات الصناديق الغربية شديدة الحساسية للفائدة الحقيقية والدولار.
الصين وآسيا تعيدان تشكيل الطلب
لم يعد تحديد اتجاه الذهب حكراً على المستثمرين الغربيين. فالصين والهند والأسواق الآسيوية باتت تؤدي دوراً متزايداً في امتصاص المعروض، خصوصاً خلال فترات انخفاض الأسعار.
ويستفيد الطلب الصيني من ضعف قطاع العقارات وانخفاض العوائد المحلية والرغبة في حماية المدخرات من تقلبات العملة والأسواق. كما رفعت بكين مشترياتها الرسمية في يوليو/تموز 2026 بأكبر كمية شهرية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما قدم دعماً إضافياً للأسعار.
وفي الهند، حافظ المستثمرون على نظرة إيجابية واستغلوا الانخفاضات لزيادة الحيازات. وقد يوازن هذا الطلب المادي خروج الأموال من الصناديق الغربية، لكنه قد لا يكون كافياً وحده لدفع الأسعار إلى قمم جديدة في ظل فائدة أميركية مرتفعة.
هل يصل الذهب إلى 10 آلاف دولار؟
خارج نطاق توقعات البنوك الكبرى، ظهرت سيناريوهات أكثر جرأة تتحدث عن وصول الذهب إلى 10 آلاف دولار للأونصة. وقال ريان ليمند، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «نيو فيجن لإدارة الثروات»، في مقابلة مع سكاي نيوز عربية، إن الذهب قد يبلغ ذلك المستوى قبل نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رابطاً توقعه بتراجع موقع الدولار وتغير موازين القوة الاقتصادية.
كما توقع المستثمر الأميركي لويس نافلييه وصول الذهب إلى 10 آلاف دولار بنهاية 2029، مستنداً إلى تراكم الديون، واحتمالات خفض الفائدة والتوسع النقدي وتراجع الثقة بالعملات التقليدية.
وطرح إد يارديني، رئيس مؤسسة يارديني للأبحاث، مستوى مماثلاً قبل نهاية العقد إذا استمر الاتجاه الصعودي، مدفوعاً بمشتريات البنوك المركزية والديون والحرب التجارية وتقليص الاعتماد على الدولار.
غير أن الانتقال من نحو 4,350 إلى 10 آلاف دولار يتطلب ارتفاعاً يقارب 130%. وهذا لا يجعله مستحيلاً، لكنه يضعه خارج السيناريو الأساسي، إذ يتطلب أزمة ثقة واسعة في العملات والديون السيادية، وتراجعاً كبيراً في الدولار، وتخفيضات قوية للفائدة، وانتقالاً استثنائياً لرؤوس الأموال إلى الذهب.
وبذلك يمثل مستوى 10 آلاف دولار أقرب إلى سيناريو لتحول نقدي عالمي منه إلى توقع سعري اعتيادي.
أربعة مسارات محتملة
في السيناريو الأساسي، تبقى الحرب تحت السيطرة من دون تسوية نهائية، ويتحرك النفط عند مستويات مرتفعة ولكن غير صادمة، بينما يثبت الاحتياطي الفيدرالي الفائدة قبل تخفيفها تدريجياً. وفي هذه الحالة قد يتداول الذهب بين 4,100 و4,750 دولاراً، مع ميل صعودي محدود.
أما السيناريو الإيجابي، فيتطلب عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، وتراجع النفط والتضخم، ثم تحول الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض الفائدة. وعندها يمكن للذهب تجاوز 4,500 دولار والتقدم نحو 4,750 ثم 5 آلاف دولار، قبل محاولة استعادة القمة القياسية.
وفي سيناريو التصعيد، قد تؤدي الضربات العسكرية أو تعطيل إمدادات الطاقة إلى قفزة أولية في الذهب. لكن استمرار ارتفاع النفط قد يغير اتجاهه لاحقاً إذا ازدادت توقعات التضخم ورفع الفائدة. ولذلك قد يكون هذا السيناريو الأكثر تقلباً، لا الأكثر صعوداً بالضرورة.
أما السيناريو الهبوطي فيقوم على بقاء الدولار قوياً، وارتفاع العوائد الحقيقية، وتشديد السياسة النقدية، وتراجع مشتريات البنوك المركزية وخروج الأموال من الصناديق الذهبية. وعندها قد يعود المعدن إلى مستوى 4 آلاف دولار، وربما يختبر 3,800 دولار.
إلى أين يتجه الذهب؟
لا يقف الذهب اليوم أمام خيار بسيط بين الحرب والسلام، بل أمام صراع بين خوف جيوسياسي يدفع المستثمرين إليه، وتضخم نفطي قد يبقي الفائدة مرتفعة ويدفعهم بعيداً عنه.
وعلى المدى القصير، ستكون حركة النفط عبر مضيق هرمز وبيانات التضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي أكثر تأثيراً من العناوين العسكرية وحدها. أما على المدى الطويل، فتمنح مشتريات البنوك المركزية وتصاعد الديون والرغبة في تنويع الاحتياطيات الذهب دعماً هيكلياً واضحاً.
وبينما يبدو نطاق 4 آلاف إلى 5 آلاف دولار الأقرب إلى تقديرات المؤسسات في المرحلة الحالية، يبقى تجاوز 5 آلاف مشروطاً بتراجع الفائدة والعوائد الحقيقية. أما الوصول إلى 10 آلاف دولار، فيحتاج إلى أكثر من دورة صعود تقليدية؛ يحتاج إلى تغير عميق في الثقة بالنظام النقدي العالمي.
* المصادر: وكالة رويترز، مجلس الذهب العالمي، مصرف إتش إس بي سي، بنك أوف أميركا، جيه بي مورغان، مؤسسة ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز، سكاي نيوز عربية اقتصاد، مؤسسة نافلييه وشركاه، مؤسسة يارديني للأبحاث، مجلة فورتشن



اضف تعليق