تشهد المنطقة تحولاً جيوسياسياً فارقاً بتشكل التحالف الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا؛ ليعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بعقلية الشراكة الأمنية والاقتصادية، محققاً الردع وحماية المجال الحيوي، ومقدماً صياغة جديدة لاستقرار المنطقة تتجاوز الحسابات الأحادية...

أواخر العام الماضي، كتبت مقالا بعنوان (تحالفات عابرة للقوميات)، حاولت من خلاله قراءة (اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل بين باكستان والسعودية) التي وقعت في الرياض يوم 17- أيلول - 2025، وتوقعت أنها ستتوسع لاحقا، وهو ما حصل مؤخرا، بعد ان اصبحت تحالفا ثلاثيا، بانضمام تركيا اليه. لا شك أن (الشرق الأوسط) أخذ يتغير بشكل سريع، نتيجة لتداعيات حرب غزة وما أعقبها من حرب كانت مؤجلة بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، والتي اندلعت منتصف العام الماضي وتوقفت بعد 12 يوما وتجددت مطلع هذا العام ومازالت مستمرة، وإن شهدت توقفات متقطعة لإطلاق النار، كون الهدف الاستراتيجي لهذه الحرب والذي يسعى كل طرف لتحقيقه وفقا لحساباته، لم ينجز بعد وإن بدت ملامحه تتضح بشكل عام.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه، هو أين تقف اميركا، وهي الحليف التاريخي التقليدي الكبير للأطراف الثلاثة (تركيا والسعودية وباكستان) من هذا التحالف، وكيف يقرأ توقيت إعلانه، الذي جاء من مكة هذه المرة، بما يحمله المكان من رمزية بالنسبة للأطراف الثلاثة ولغيرهم؟

نرى أن حدثا استراتيجيا بهذه الأهمية يتعلق بمستقبل (الشرق الأوسط)، وفي هذه الظروف الدقيقة والحساسة، لا يمكن ان تكون واشنطن بعيدة عن مدخلاته، لأنه سيؤثر وبشكل مباشر في الخارطة الجيوسياسية للمنطقة الأكثر أهمية في العالم بالنسبة لأميركا. 

باكستان التي ما زالت ترعى وساطة لإنهاء الحرب الأميركية الإيرانية، قرأت التحولات الكبيرة في المنطقة ووجدت من مصلحتها استثمار الفرصة التاريخية هذه، فالتحالف مع دولة بحجم السعودية يجعل لها حضورا مميزا في المنطقة لحسابات اقتصادية وأمنية بعيدة، لاسيما بعد محاصرة المشروع الإيراني، الذي انكفأ بشكل واضح بعد حرب غزة وباتت ايران تدافع عن وجودها ميدانيا بعد ان كانت تصنع مصائر الكثير من دول المنطقة وتؤثر في مناطق مختلفة من العالم. من هنا فإن باكستان تريد ان تكون الحليف العسكري القوي لأقوى اقتصاد في المنطقة والذي تمثله السعودية ومعها دول الخليج الاخرى، وهذا يستدعي أرضية مشتركة يتداخل فيها الأمن والاقتصاد بالسياسة.

الحلف سيكون أجدى وأهم بالنسبة للسعودية وباكستان، بوجود دولة بحجم تركيا، التي باتت ترى أن الشراكة الاقتصادية مع دول الخليج، لا سيما السعودية، سيكون بمثابة تقعيد جديد للاقتصاد التركي على أسس متينة، حيث يطمح اردوغان إلى جعله يتمفصل بالاقتصاديات الرئيسة في المنطقة، من خلال ربطه بطريق التنمية مع العراق، الذي سيعزز دور تركيا واهميتها بالنسبة لأوروبا، إضافة إلى مشروع الربط السككي، الذي وقع مؤخرا بين تركيا ودول الخليج، والذي ستلعب السعودية دورا رئيسا فيه، وستكون تركيا بمثابة بوابة الغرب الجديدة إلى الشرق، ما يجعلها لاعبا دوليا كبيرا، وستكون مؤثرة في صياغة (الشرق الأوسط الجديد)، الذي تسعى السعودية أن يكون لها دورٌ فيه يتجاوز حسابات إسرائيل أو اليمين المتطرف فيها والتي تأكدت، بعد حرب غزة، عدم واقعيتها، وأن دمج إسرائيل في المنطقة، لا يمكن ان يكون وفقا لحسابات نتنياهو وحده، وإنما بتوافق اقليمي مؤثر يلعب فيه الاقتصاد دورا كبيرا الى جانب القوة العسكرية. 

ولعل صناعة (مجال حيوي) مشترك للدول الثلاث من خلال هذا التحالف يصعّب على تل أبيب تجاوز مخرجاته المختلفة بسهولة، مستحضرين هنا المناكفة الممتدة بين انقرة وتل ابيت بشأن قضايا أساسية تتعلق بالأمن القومي التركي، وتحديدا بعد التغيير في سوريا، الذي كانت تركيا وراءه بشكل مباشر بالتعاون مع واشنطن، وتأكيد أنقرة بأن أمن سوريا من أمن تركيا، بعد خلافات مع تل ابيب بشأن (قسد) و(السويداء)، ومحاولة إسرائيل فصل الأخيرة عن سوريا وضمها الى الجولان المحتل، تحت عنوان (توحيد طائفة الدروز) وغيرها من التفاصيل.

السعودية ستكون أيضا هي الطرف الأكثر إفادة من هذا التحالف، اذ سيجعلها اكثر اطمئنانا أمنيا، فيما لو تطورت الحرب بين أميركا وإيران، فهذا الغطاء أنهى عمليا انكشافها عند اكثر من جبهة، فالحرب مع الحوثيين في اليمن ستأخذ وجهة جديدة، خصوصا بعد اعلانهم الحصار البحري عليها وتهديدهم الملاحة في مضيق باب المندب، وهنا يصبح هذا التحالف مدخلا للحلف الدولي، الذي يجري الحديث عنه لتأمين المضائق، وسيفرض معادلة أمنية جديدة في البحر الأحمر، قد تسهم فيها مصر لاحقا. اذن، هذا الحلف وكما قلنا، قد يتوسع أكثر، وسيكون من أبرز تجليات (الشرق الأوسط الجديد)، الذي ستقول الدول الداخلة فيه، وبإمكانها أن تكون مبادئه وليست فقط متلقيه للنتائج والتداعيات، وستقول أميركا أن دول المنطقة اختارت طريقها.

وفي الوقت نفسه تتخفف من الضغط الإسرائيلي عليها وتتقدم بحل واقعي للقضية الفلسطينية، ينتهي بحل الدولتين مقابل دمج إسرائيل بالمنطقة، بتطبيع كامل أو من دونه، وربما هذا أيضا من ابرز اهداف هذا التحالف الذي نراه بداية جديدة ستضع جميع دول المنطقة امام استحقاقات عليهم التعامل معها، كل وفق ما يراه مناسبا لمصالحه.

اضف تعليق