هناك مثل في الفولكلور الشعبي العراقي يقول: " ياحافر البير لا تغمج مساحيها.... أخاف الزمن يندار وانت التكع بيها."

ينطبق هذا المثل الشعبي على التآمر الأمريكي المضاد لروسيا بوتين حيث يحاولون بوسائل شتى تحميل الاقتصاد الروسي أكثر ما يمكن من المتاعب كان آخرها خفض أسعار النفط العالمية. والهدف من وراء ذلك إحداث كارثة اقتصادية في روسيا لن تنجو منها (وفق حسابات الأمريكيين) إلا بالركوع لارادة القصر الابيض والاستجابة لشروطه، لكن محاولاتهم ترتد عليهم بمجموعة من الكوارث ليس أخرها الكارثة المالية التي تطرق بقوة باب الرئيس أوباما.

فأزمة اقتصادية جديدة تلوح في الأفق في أوربا، بينما يحذر خبراء المال الأمريكيون من تفجر فقاعة الديون كمقدمة لركود جديد، ورغم ذلك يسير الرئيس أوباما مغمض العينين خلف المحافظين الجدد لتصعيد الحرب الباردة ضد روسيا عبر نظام للعقوبات والمؤامرات التي تضطلع بها وكالة السي آي أيه والاعلام المعادي بهدف زعزعة الاستقرار في روسيا من أجل الاطاحة بالرئيس بوتين.

ولم تكتف الولايات المتحدة بما تقوم هي به بل أجبرت دول الاتحاد الأوربي على الحذو حذوها على الضد من مصالح شعوبهم فقط لإظهار تضامنهم مع الأمريكيين. وليس ذلك فقط فقد اتفقت الولايات المتحدة مع العربية السعودية أخيرا على اغراق السوق العالمية بالنفط الذي تسبب في زيادة المعروض منه وثم الى انخفاض اسعاره الى ما يقارب النصف. وقد يذهبون الى أبعد من ذلك فيدفعون به الى أدنى مستوى ممكن لأجل الضغط أكثر على روسيا تحت تأثير قناعة بان انخفاض موارد النفط سيقوض الاقتصاد الروسي. والهدف الأمريكي الآخر وراء الضغوط الاقتصادية على بوتين هو اضعاف دوره وجهوده واصراره على التحرر من هيمنة الدولار على التجارة الدولية ومؤسسات البنك والنقد الدوليان التي تشترك معه في تنفيذها مجموعة دول البريكس وشنغهاي والاتحاد الجمركي مع دول اسيا الوسطى.

ورغم أن الجهود الروسية لن تحقق النجاح فورا لكنها تمهد دون شك الى تقليص الدور الحالي للدولار الذي تناقص دوره بنسبة 30% خلال السنوات العشرة الماضية. وعلى حد علمنا لم تثمر المحاولات الامريكية كما لا يبدو انها ستثمر في اضعاف عزيمة بوتين عن سعيه الحثيث لتهميش الدولار كعملة رئيسية للغطاء النقدي لدول العالم.

وتهدف الولايات المتحدة والسعودية أيضا من وراء لعبة أسعار النفط اغراء دول جنوب وشرق ووسط أسيا على شراء النفط السعودي بالاسعار المنخفضة التي قد تصل الى 50 دولارا للبرميل وربما دون ذلك بدلا من النفط الروسي والايراني. الدول المنتجة للنفط الأكثر اعتمادا على موارد النفط ستتحمل العبء الأكبر لهذه المؤامرة مثل فنزويلا وبالأخص العراق وسوريا المنشغلتان في حرب أهلية تم افتعالها لتحقيق اهداف دول بعينها.

ففي مقال للكاتب F. William Engdahl نشره في موقعه على الانترنيت تحت عنوان: The Secret Stupid Saudi-US Deal on Syria " " ألخص أهم ما جاء فيه ادناه:

ذكر السيد وليم تفاصيل الصفقة السرية الغبية جدا (حسب تعبيره) التي بدأت في الظهور أخيرا وهدفها السيطرة على تجارة ونقل النفط والغاز في أوربا ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها لحرمان روسيا من أسواق الصين وأوراسيا. وبحسب الكاتب فان مثل هذه السياسة مكتوب لها الفشل لأسباب كثيرة ليس أقلها أن روسيا بوتين اتخذت خطوات استراتيجية كبرى جنبا لجنب مع الصين ودول أخرى لتقليل اعتمادها على الغرب. الواقع ان سلاح النفط الذي يستخدم ضد روسيا قد ساعد على التعجيل في التحركات الروسية الأخيرة للتركيز على تنويع مصادر الدخل لتعزيز قوتها الاقتصادية لحماية المصالح الوطنية وتقليل الاعتماد على المورد النفطية من جانب والسير قدما بمشروعها الذي بدأته منذ أمد بتقليل الاعتماد على نظام الدفع بالدولار. فإذا لم يعد الدولار عملة التجارة العالمية وخاصة تجارة النفط فستواجه وزارة الخزانة الأمريكية كارثة مالية يصعب تقدير تبعاتها. لهذا السبب أسمي حرب النفط التي يقودها كيري والملك السعودي عبدلله تكتيكا غبيا جدا.

الاتفاق السري بين جون كيري وزير الخارجية الأمريكية والملك السعودي الذي تم في سبتمبرأيلول الماضي في قصر الأخير على البحر الأحمر بحضور رئيس الاستخبارات السعودي الامير بندر، حيث اعطت السعودية موافقتها على قصف داعش في سوريا بشرط ان تدعم أمريكا السعودية في مجهودها للإطاحة ببشار الاسد الحليف القوي لروسيا وايران. فالرئيس الأسد يعرقل خطة السعودية وقطر والامارات العربية المتحدة لنقل الغاز الطبيعي الى سوق الاتحاد الأوربي بهدف منع وصول الغاز الروسي الى تلك السوق التي يهيمن عليها حاليا. وكانت صحيفة WALL Street Journal قد نشرت تقريرا ورد فيه أن نشاطا واسعا ومتواصلا قد جرى خلف الكواليس لشهور عديدة بين الولايات المتحدة والقادة العرب تم الاتفاق فيه على الحاجة الى تعاون مشترك ضد داعش لكنهم لم يتفقوا على التفاصيل. الاجتماع منح السعوديين موافقة الامريكيين على تدريب المقاتلين المعارضين للأسد بهدف اسقاطه الذي يعتبره السعوديون هدفهم الأول.

السائد حاليا في أوساط خبراء الطاقة أن الغاز الطبيعي يعتبر مصدر الطاقة النظيفة في القرن الحادي والعشرين وحيث يشكل الاتحاد الأوربي السوق الأكبر في العالم المستهلك للغاز الطبيعي الذي تعتبر روسيا مصدره الرئيسي. ولتكبيد روسيا مزيدا من المصاعب الاقتصادية تحاول واشنطن كسر اتفاقات الاتحاد الأوربي المعقودة مع شركة الغاز الروسية غازبروم التي تزود أوربا بالغاز وتحويل تجارة الغاز مع دول تابعة لها مثل قطر باشراف شركات الطاقة الامريكية. فأكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم موجودة في موقع يقع في منتصف الخليج الفارسي حيث يمتد جزء منه الى قطر بينما يمتد الجزء الآخر الى ايران ويعرف بحقل شمال بارس. في عام 2006 عقدت الشركة الصينية CNOOC المملوكة للدولة اتفاقا مع ايران لتطوير حقل شمال بارس لبناء البنية التحتية لانبوب ينقل الغاز الى الصين. الجزء القطري من احتياطيات غاز الخليج الفارسي المعروف بالحقل الشمالي يحتوي على ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم بعد روسيا وايران.

وفي شهر تموز عام 2011 وقعت الحكومة السورية والعراق وايران على اتفاق تاريخي لبناء انبوب نقل الغاز من ايران عبر الدول الثلاثة، لم يجلب الاتفاق انتباه الدول المنشغلة في حربها للاطاحة بالأسد. مشروع الانبوب مقدرا له ان يستغرق ثلاثة سنوات لبنائه بكلفة عشرة بلايين دولارا ويبدأ من ميناء السلاوية بالقرب من حقل بارس غاز في الخليج الفارسي عبر العراق الى دمشق. الاتفاق يجعل من سوريا مركزا لتجميع الغاز بعد دمج الغاز القادم من حقل الغاز اللبناني. انها منطقة ستراتيجية جيوسياسية جديدة تظهر لأول مرة تربط كلا من ايران والعراق وسوريا ولبنان. وكما كتب مراسل صحيفة أسيا تايمز بيب أسكوبار قائلا: اذا كتب لهذا الانبوب أن ينجز فانه سيعزز المحور الشيعي وسيجعل منه قوة اقتصادية وسياسية صلدة غير قابلة للكسر.

بعد فترة قصيرة من توقيع الاتفاق بين ايران والعراق في 168 2011 اعلن وزير النفط السوري انه قد تم اكتشاف حقل للغاز في وسط سوريا بالقرب من حمص. ومن المحتمل ان تقوم شركة غازبروم الروسية باستثمار الحقل. انبوب الغاز الايراني الذي سيمر عبر العراق وسوريا سيمتد الى لبنان على البحر الابيض المتوسط ومن هناك سينقل الى السوق الأوربية. لكن قطر التي تصدر نسبة كبيرة من غازها الى آسيا تسعى للاستحواذ على السوق الاوربية التي تسعى ايران للوصول اليه أيضا. ولهذا فان التخلص من بشار الاسد حليف ايران وروسيا بالنسبة لقطر يعتبر مطلبا غير قابل للمساومة خاصة وانه قد رفض في عام 2009 طلبها لبناء انبوب لنقل الغاز من حقل الشمال في الخليج الفارسي الى سوريا ومنها الى تركيا ثم الى دول الاتحاد الأوربي بحجة علاقاته الودية مع روسيا. رفض الاسد من جانب ومن ثم توقيعه الاتفاق مع ايران والعراق عام 2011 وحد جهود قطر والسعودية ودول خليجية أخرى ضد الأسد ودفعهم الى التعاون مع منظمة القاعدة وبقية الجهاديين الحاقدين على العلويين والشيعة للإطاحة به بعد أن خصصوا 100 دولارا في الشهر وكلاشينكوف لكل متطوع لقتال العلويين.

اليوم تقود الولايات المتحدة حربين على جبهتين هما أوكرانيا وسوريا لخلق العقبات أمام كل من روسيا والصين ومنع أي من دول الأوراسيا الخروج عن هذه السياسة. الهدف الاستراتيجي الذي يسعى الأمريكيون الى تحقيقه من وراء ذلك هو الهيمنة على انابيب الطاقة وبصورة خاصة انابيب الغاز الطبيعي الروسي الى الاتحاد الأوربي عبر أوكرانيا ومن ايران وسوريا الى الاتحاد الأوربي ايضا. وما تظاهر أمريكا واسرائيل بحرب داعش إلا حجة لقصف مصافي النفط ومخازن الغلال السورية لتخريب الاقتصاد وهو نفس الاسلوب الذي مهد لإطاحة القذافي في ليبيا وتم بنتيجته ازاحة روسيا والصين وايران حلفاء القذافي.

في المعنى الضيق للموضوع كما يراه المحافظون الجدد " ان من يسيطر على سوريا يمكن أن يسيطر على الشرق الأوسط، ومن يمر عبر بوابة سوريا نحو أسيا سيكون بيده مفتاح البيت الروسي وكذلك الصين عبر طريق الحرير". كانت الحروب الدينية أشنع كل الحروب في التاريخ وحروب اليوم لن تكون استثناء وخاصة عندما تكون تريليونات الدولارات من دخل النفط والغاز هي الرهان. أما لماذا كان الاتفاق السري حول سوريا الذي تم في الحادي عشر من أيلولسبتمبر الماضي بين جون كيري والملك السعودي عبدالله غبيا، فلأن المخططين البارعين في واشنطن والرياض والدوحة وإلى حد ما في أنقرة غير قادرين على النظر الى ماوراء تخيلاتهم لرؤية الترابط بين الدمار والخراب الذي يتسببون في حدوثه وهيمنتهم غير المشروعة على الغاز والنفط. انهم بذلك يزرعون بذور دمارهم بأنفسهم في نهاية المطاف.

لقد وصل انخفاض أسعار النفط الى نقطة حرجة، فشركات انتاج النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة لا يلائمها هبوط سعر النفط الى ما دون 70 دولارا للبرميل، لأن ذلك سيعرض الشركات التي استثمرت مبالغ كبيرة في انتاج النفط وخاصة الصغيرة منها الى التلاشى نتيجة الخسائر. وليس ذلك فحسب فان عددا من الشركات التي خاطرت بالتعامل مع أسهم وسندات شركات الطاقة هذه ستتعرض هي الأخرى الى الخسائر ايضا. فمنذ 2010 أبقى البنك الفيدرالي سعر الفائدة الأساسي في حدود الصفر مما شجع شركات الطاقة على اصدار ما قيمته 550 بليون دولارا من السندات اضافة الى الاقتراض. لكن السؤال المطروح الآن، هل سيتمكن المقترضون من خدمة ديونهم في ظل سوق النفط الحالي..؟؟ لقد حان الآن وقت التشاؤم والقلق، وينظر المضاربون الماليون الى الدور السعودي بخفض أسعار النفط بكونه عملا ارهابيا مدبرا.

التآمر الأمريكي - السعودي غير اتجاه السوق الأمريكي، فالصناعة المحلية تنكمش ويتعرض مستقبل الاسهم والسندات المالية للشكوك وبينما ينحدر السوق المالي الى الهاوية يتظاهر صناع السياسة في واشنطن بالصمت.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق