يتناول التقرير تحوّل راية أنمي ون بيس من رمز ترفيهي إلى علامة احتجاجية استخدمها شباب في بلدان متعددة خلال موجات احتجاجات جيل زد. ويبحث في شخصية مونكي دي لوفي، بوصفه قرصاناً خيالياً يسعى إلى الحرية ويواجه قوى فاسدة، وفي دور الثقافة الرقمية في نشر الرمز. كما يوضح اختلاف المطالب...

لم تعد راية القراصنة التي تحمل جمجمة تعلوها قبعة القش، والمعروفة لدى متابعي مسلسل «ون بيس» الياباني، مجرد علامة مرتبطة بعمل فني واسع الانتشار، بعدما ظهرت في احتجاجات شبابية شهدتها بلدان عدة، من إندونيسيا ونيبال إلى الفلبين وفرنسا ومدغشقر، وأصبحت جزءاً من الصور التي رافقت موجات احتجاجات جيل زد خلال عام 2025. 

وقد أثار انتشارها اهتمام وسائل الإعلام والباحثين في الثقافة الرقمية والحركات الاجتماعية، خصوصاً أن الرمز الذي انتقل إلى الشوارع ينتمي إلى قصة خيالية تدور حول مغامرات مجموعة من القراصنة، في حين ارتبط استخدامه الواقعي بمطالب تتصل بالفساد والعدالة الاجتماعية والحرية ومحاسبة السلطات.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في سبتمبر 2025، استُخدمت راية طاقم قبعة القش في احتجاجات إندونيسيا ونيبال والفلبين، وأصبحت لدى بعض المشاركين تعبيراً عن التحرر ومقاومة الظلم والسعي إلى مستقبل أفضل، رغم اختلاف الأسباب السياسية والاجتماعية التي دفعت المحتجين إلى الشارع في كل بلد. ويشير هذا الانتشار إلى أن الرموز المستمدة من الثقافة الشعبية باتت قادرة على أداء وظائف تتجاوز الترفيه، لتدخل في تشكيل اللغة البصرية التي تستخدمها الحركات الشبابية في التعبير عن مواقفها.

مونكي دي لوفي.. قرصان يرفع شعار الحرية

تتطلب قراءة الدلالة السياسية لراية «ون بيس» العودة إلى الشخصية التي تمثلها، وهي مونكي دي لوفي، قائد طاقم قبعة القش في العمل الذي ابتكره رسام القصص المصورة الياباني إييتشيرو أودا عام 1997. يسعى لوفي إلى العثور على الكنز المعروف باسم «ون بيس» وتحقيق حلمه بأن يصبح ملك القراصنة، لكنه لا يُقدَّم في القصة بوصفه نموذجاً تقليدياً للقرصان الذي يطلب الثروة والنفوذ عبر السلب والإخضاع، إذ تتحدد ملامح شخصيته من خلال التمسك بحريته، ورفض القيود التي تمنعه من اختيار طريقه، والاستعداد لمواجهة قوى تتجاوز قدراته الفردية حين يرى أنها تمارس الظلم على الآخرين.

ولا يعني ذلك أن لوفي يمثل شخصية مثالية خالية من التناقضات، أو أن عالم القصة ينقسم بصورة مطلقة بين الخير والشر، غير أن علاقته بالسلطة تشكل عنصراً أساسياً في تطور الأحداث؛ فهو يدخل في مواجهات مع شخصيات نافذة ومؤسسات تسعى إلى فرض إرادتها، كما يتدخل في مواقف متعددة لمساعدة جماعات تتعرض للقهر أو الاستغلال. وتمنح هذه المواجهات شخصية القرصان معنى مختلفاً عن الصورة النمطية التي تربط القرصنة بالجريمة وحدها، لأن الخروج على النظام القائم في عالم «ون بيس» قد يقترن بالدفاع عن أشخاص لا يستطيعون مواجهة القوى التي تتحكم في حياتهم.

وفي هذا السياق، أوضح تقرير نشرته هيئة الإذاعة الألمانية «دويتشه فيله» في أكتوبر 2025 أن قيم الحرية والاختيار الفردي ومواجهة الشخصيات الفاسدة في قصة لوفي وطاقمه تساعد على تفسير انجذاب بعض المحتجين إلى الراية. فالمعنى الذي يستعيره هؤلاء ليس بالضرورة تأييد القرصنة أو رفض القانون، وإنما الاستفادة من شخصية خيالية تقاوم الخضوع وتضع استقلالها في مواجهة سلطة تراها جائرة. ومن هنا تكتسب الراية قدرتها على الانتقال إلى سياقات سياسية مختلفة، من دون أن يحتاج مستخدموها إلى تبني جميع تفاصيل القصة أو الاتفاق على تفسير واحد لها.

إندونيسيا ونيبال والفلبين.. سياقات مختلفة ورمز مشترك

برز استخدام راية «ون بيس» في إندونيسيا خلال عام 2025، بالتزامن مع تصاعد الاعتراض على سياسات حكومية وامتيازات سياسية، وظهرت الراية لدى بعض المواطنين إلى جانب العلم الوطني قبيل الذكرى الثمانين لاستقلال البلاد في 17 أغسطس. وأثار انتشارها نقاشاً حول دلالات رفع رمز غير وطني في مناسبة ترتبط عادة بإظهار الانتماء للدولة، فيما ربط مستخدموها هذا الاختيار بالتعبير عن الاستياء من الفساد والامتيازات التي يتمتع بها بعض السياسيين. وأصبحت الصور المتداولة للراية جزءاً من المشهد الاحتجاجي الذي انتشر عبر المنصات الرقمية، في وقت كانت فيه المطالب تتصل أيضاً بالتفاوت الاقتصادي والقرارات الحكومية.

أما في نيبال، فقد ظهرت الراية خلال احتجاجات سبتمبر 2025، التي ارتبطت بغضب شبابي من الفساد والامتيازات السياسية وتراجع الثقة بالمؤسسات، إلى جانب قضايا تتعلق بفرص العمل ومستقبل الشباب. وقد اكتسب ظهور العلم أهمية إضافية بعد تصاعد المواجهات ووصول الاحتجاجات إلى مؤسسات الحكم، إذ تحولت صور الراية في محيط البرلمان ومراكز السلطة إلى مشاهد واسعة التداول خارج البلاد. ومع ذلك، فإن استخدام الرمز لا يفسر وحده أسباب الاحتجاجات النيبالية، التي تشكلت بفعل ظروف داخلية وتراكمات سياسية واجتماعية خاصة بالبلاد.

وفي الفلبين، ارتبطت الاحتجاجات التي شهدتها البلاد بمطالب المحاسبة على مزاعم فساد في مشروعات عامة، من بينها مشروعات الحماية من الفيضانات، إلى جانب الاعتراض على إدارة الأموال العامة. وظهر رمز «ون بيس» ضمن مفردات بصرية استخدمها بعض المشاركين للتعبير عن رفض الامتيازات والمطالبة بالمساءلة. وعلى الرغم من تشابه الراية المستخدمة في البلدان الثلاثة، فإن موضوعات الاحتجاج ومطالب المشاركين لم تكن متطابقة؛ فلكل بلد ظروفه السياسية ومشكلاته الاقتصادية والاجتماعية، بينما أتاح الرمز المشترك وسيلة للتعبير يمكن التعرف إليها بسهولة خارج الحدود الوطنية.

وتدعم دراسة أكاديمية نشرتها مجلة «أفكار» عام 2026 هذا التمييز، إذ قارنت استخدام الراية في إندونيسيا ونيبال والفلبين، وخلصت إلى أن معناها أُعيد تشكيله وفق السياق المحلي، فظهر في إندونيسيا بوصفه نقداً سياسياً ساخراً، وفي نيبال بوصفه علامة على المواجهة والمقاومة، وفي الفلبين ضمن التعبئة الرقمية والمطالب المتعلقة بالمحاسبة. وتوضح هذه النتائج أن انتقال الرمز بين المجتمعات لا يؤدي بالضرورة إلى توحيد أهدافها، بل يسمح لكل حركة بتوظيفه في التعبير عن مظالمها الخاصة.

الثقافة الرقمية ودورها في انتشار راية ون بيس

لا يمكن تفسير سرعة انتشار الراية بمعاني قصة «ون بيس» وحدها، إذ تؤدي البيئة الرقمية دوراً أساسياً في تحويل الرموز الثقافية إلى أدوات للتعبير السياسي. فقد نشأ قطاع واسع من جيل زد في بيئة إعلامية تتداخل فيها الألعاب والأنمي والصور الساخرة ومقاطع الفيديو مع الأخبار والنقاشات العامة، الأمر الذي جعل بعض الإشارات الثقافية مألوفة لدى جمهور واسع، وقابلة للتداول من دون الحاجة إلى شرح طويل أو ترجمة شعارات سياسية معقدة.

وتتيح المنصات الاجتماعية للصور ومقاطع الاحتجاج الانتقال بين البلدان خلال وقت قصير، كما تمنح المستخدمين القدرة على إعادة توظيف الرمز وإدخاله في سياق جديد مع الاحتفاظ بشكله الأصلي. وبذلك يستطيع المحتج في بلد ما استخدام راية معروفة عالمياً للتعبير عن موقف محلي، فيما يتعرف إليها مستخدم في بلد آخر من خلال متابعته للعمل الفني نفسه، حتى إن لم يكن على معرفة تفصيلية بالأحداث التي دفعت إلى رفعها في مكان آخر.

وفي تحليل نشرته صحيفة «جاكرتا بوست» الإندونيسية في سبتمبر 2025، رأت الباحثة نورريانتـي جالي أن انتشار راية طاقم قبعة القش يعكس تغيراً في المفردات الثقافية التي تستخدمها الأجيال الشابة للتعبير عن الاعتراض، إذ لم تعد الأفكار الاحتجاجية تنتقل عبر أساليب التظاهر التقليدية وحدها، بل باتت الرموز المستمدة من الثقافة العالمية قابلة للتكيف مع قضايا محلية مع بقائها مفهومة في بلدان أخرى. ويعني ذلك أن الثقافة الشعبية لا تلغي دور السياسة في تشكيل الاحتجاجات، وإنما توفر لغة بصرية إضافية يمكن أن تساعد على إيصال المطالب وجذب الانتباه إليها.

لماذا يجد بعض الشباب أنفسهم في شخصية لوفي؟

تتقاطع مجموعة من الصفات التي تتميز بها شخصية لوفي مع موضوعات تتكرر في احتجاجات الشباب، وفي مقدمتها رفض الفساد والامتيازات غير العادلة، والرغبة في امتلاك القدرة على تحديد المستقبل، والتضامن مع الأشخاص الذين يواجهون أشكالاً من الاستغلال. ولا يعني هذا التقاطع أن شخصية الأنمي هي التي أنشأت المطالب السياسية أو دفعت الشباب إلى الاحتجاج، بل إن بعض المحتجين وجدوا في قصتها تعبيراً ثقافياً مناسباً عن مواقف تكونت بفعل ظروف واقعية.

وتبدو قيمة الرمز في قدرته على الجمع بين البساطة البصرية واتساع المعنى؛ فالراية لا تحمل برنامجاً سياسياً محدداً، ولا تتضمن مطالب تفصيلية بشأن الاقتصاد أو نظام الحكم، لكنها تتيح للمستخدمين ربطها بفكرة عامة عن الحرية ومقاومة السلطة الفاسدة. وهذه المرونة قد تجعلها مناسبة لجماعات تختلف في توجهاتها وأولوياتها، كما تسمح باستخدامها في احتجاجات لا تجمع المشاركين فيها هوية حزبية أو فكرية واحدة.

وتتناول دراسة «القراصنة باللونين الوردي والأخضر: الرمزية والإبداع العابر للحدود في احتجاجات جيل زد بإندونيسيا»، المنشورة في المجلة الدولية للمراهقة والشباب عام 2026، دور الراية والألوان والملابس والرموز الأخرى في الاحتجاجات الشبابية الإندونيسية. وترى الدراسة أن هذه العناصر أسهمت في إظهار التضامن بين فئات اجتماعية مختلفة، وربطت التعبير الاحتجاجي بقضايا التفاوت الاقتصادي والقيم الديمقراطية. وتساعد هذه القراءة على فهم أهمية الرمز بوصفه جزءاً من المشهد الاحتجاجي، من دون افتراض أنه يمثل وحده دوافع جميع المشاركين أو يختصر مطالبهم كاملة.

القرصان في مواجهة السلطة.. دلالات الرمز وحدود المقارنة

يحمل اختيار راية القراصنة مفارقة تستحق الانتباه، لأن القرصان في الواقع التاريخي يرتبط عادة بالخروج على القانون والاعتداء على الممتلكات، في حين اكتسبت شخصية لوفي في الخيال معنى يرتبط بالاستقلال ومواجهة الظلم. وقد ساعد هذا الاختلاف بين الصورة التقليدية للقرصان والمعنى الذي تمنحه القصة للشخصية على جعل الراية قابلة للتأويل بوصفها اعتراضاً على السلطة، لا مجرد إشارة إلى الجريمة أو الفوضى.

ومع ذلك، فإن استخدام الراية لا يعني أن المحتجين يتبنون تصوراً واحداً لطبيعة الدولة أو القانون، كما لا يدل بالضرورة على رفض المؤسسات من حيث المبدأ؛ فقد يكون التعبير موجهاً إلى سياسات معينة أو ممارسات يراها المشاركون غير عادلة، مع استمرار مطالبهم بتحسين أداء المؤسسات ومحاسبة المسؤولين. ولهذا ينبغي التمييز بين المعنى الرمزي الذي تمنحه القصة للقرصان وبين طبيعة المطالب السياسية التي يرفعها المحتجون في الواقع.

كما أن انتشار الراية في بلدان متعددة لا يكفي لإثبات وجود حركة عالمية موحدة أو قيادة مشتركة بين احتجاجات جيل زد. فالتشابه في الصور والشعارات قد يعكس تأثير الثقافة الرقمية وتداول الرموز، لكنه لا يلغي الاختلاف في الظروف الاقتصادية والسياسية، ولا يثبت أن المشاركين يتفقون على أهداف نهائية واحدة. وتبقى دراسة كل حركة مرتبطة بأسبابها المحلية، وبالجهات المشاركة فيها، وبالمطالب التي تعلنها، وبالنتائج التي تحققها.

من الرمز الثقافي إلى لغة الاحتجاج

تكشف ظاهرة راية «ون بيس» عن اتساع الدور الذي تؤديه الثقافة الشعبية في الحياة العامة، بعدما أصبحت بعض الأعمال الفنية مصدراً لرموز تتجاوز جمهور المعجبين بها وتدخل في التعبير عن مواقف سياسية واجتماعية. وقد ساعدت شخصية لوفي، بما تمثله من سعي إلى الحرية ومواجهة القوى التي تمارس الظلم في عالم القصة، على منح الراية معنى يتجاوز الانتماء إلى مسلسل شهير، في حين أسهمت المنصات الرقمية في تسهيل انتقالها بين مجتمعات تختلف في لغاتها وظروفها.

لكن الأهمية السياسية للرمز لا تُقاس بمدى انتشاره أو عدد الصور التي تظهر فيها الراية، بل بقدرته على التعبير عن مطالب واقعية وبعلاقته بمسار الاحتجاج في كل بلد. فالرمز قد يجمع الانتباه ويمنح المشاركين لغة بصرية مشتركة، إلا أن معالجة الفساد والتفاوت الاقتصادي وأزمات الثقة بالمؤسسات تظل مرتبطة بالظروف المحلية، وبقدرة الحركات على تحديد مطالبها وتنظيم نشاطها والتأثير في القرارات العامة.

وبهذا المعنى، فإن تحول راية «ون بيس» إلى علامة في احتجاجات جيل زد لا يمثل انتقال شخصية خيالية إلى السياسة بصورة حرفية، بقدر ما يعكس قدرة الشباب على إعادة توظيف الرموز التي يعرفونها للتعبير عن قضايا يعيشونها. وبين قرصان خيالي يرفض الخضوع في عالم الأنمي، وشباب يرفعون رايته في شوارع بلدان مختلفة، تتضح العلاقة المتنامية بين الثقافة الرقمية والاحتجاج السياسي، مع بقاء المعاني والنتائج مرتبطة بالسياق الذي يُستخدم فيه الرمز.

..............................................

*المصادر:

1. صحيفة الغارديان البريطانية: «رمز للتحرر: كيف أصبحت راية مانغا ون بيس رمزاً لحركة احتجاجات جيل زد في آسيا»، سبتمبر 2025.

2. هيئة الإذاعة الألمانية دويتشه فيله: «ماذا ترمز راية قراصنة ون بيس في احتجاجات جيل زد؟»، أكتوبر 2025.

3. صحيفة جاكرتا بوست الإندونيسية: «كيف تحولت راية مانغا إلى رمز للمقاومة؟»، سبتمبر 2025.

4. المجلة الدولية للمراهقة والشباب: «القراصنة باللونين الوردي والأخضر: الرمزية والإبداع العابر للحدود في احتجاجات جيل زد بإندونيسيا»، 2026.

5. مجلة أفكار: «إطار تحليل رمز راية ون بيس المستخدمة في الاحتجاجات بإندونيسيا ونيبال والفلبين»، 2026.

6. مجلة جومانتارا الإندونيسية للفنون والثقافة: «راية ون بيس بوصفها احتجاجاً صامتاً: دراسة سيميائية لرموز الثقافة الشعبية في إندونيسيا المعاصرة»، 2026.

اضف تعليق