يناقش المقال تعيين شخصيات مرتبطة بصلات عائلية داخل الحكومة العراقية من خلال نظرية دوغلاس نورث عن الدولة الطبيعية ونظام الوصول المحدود. ويرى أن ضعف المؤسسات والضمانات القانونية يجعل الولاء الشخصي والقرابة أدوات لتنظيم النفوذ وتقاسم الريع. كما يربط توسع المناصب الحكومية بمنطق توزيع الحصص، مؤكدًا أن ترسيخ الديمقراطية...
بعد خمسة أشهر من نيل حكومة علي الزيدي الثقة، اكتملت الكابينة أخيرًا. غير أن اسمين خطفا الأضواء: ياسر المالكي، صهر نوري المالكي، وزيرًا للداخلية؛ وليث الخزعلي، شقيق الشيخ قيس الخزعلي، نائبًا لرئيس الوزراء.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى حكاية مألوفة عن المحسوبية في السياسة العراقية. لكنه، إذا نظرنا إليه بعدسة دوغلاس نورث ورفيقيه، يكشف عن المنطق الداخلي للنظام الذي قام عليه العراق بعد 2003.
يصف نورث وواليس ووينغاست «الدولة الطبيعية» أو «نظام الوصول المحدود» بأنه نظامٌ يتقاسم فيه الائتلاف المهيمن الريع، فيمتنع أطرافه عن الاقتتال ما دام نصيب كلٍّ منهم من النظام القائم أكبر من مكسبه من العنف. وفي غياب دولةٍ محايدة وقانونٍ غير شخصي يضمن الالتزامات، لا تجد النخبة من تثق به إلا من تربطهم بها صلةٌ شخصية.
يميّز نورث بين منظماتٍ تعاقدية تقوم على التزاماتٍ يضمنها طرفٌ ثالث هو الدولة، ومنظماتٍ مريدية تقوم على الولاء الشخصي والرابطة مع «المراد». والأحزاب العراقية، في جوهرها، منظماتٌ مريدية؛ فلا «دولة القانون» تُتصوَّر بلا المالكي، ولا «العصائب» بلا الخزعلي.
في هذا البناء، لا يغدو تعيين الصهر والأخ خروجًا على القاعدة، بل هو القاعدة عينها. فحين تغيب الضمانة المؤسسية، تصبح القرابة الوثيقة الأمتن، وتحلّ رابطة الدم محلّ العقد الذي تعجز الدولة عن ضمانه.
وليس اختيار الداخلية مصادفة؛ فجوهر الدولة الطبيعية هو التحكّم في العنف، والداخلية أهم أدواته في العراق. والأبلغ أن المالكي كان مرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الحكومة قبل أن يصطدم بالفيتو الأميركي؛ فما خرج من الباب الرئيس، عاد اليوم من نافذة القرابة.
منصبٌ بلا راتب: الريع في الوصول لا في الأجر
أعلن الزيدي أن نوابه سيعملون بلا رواتب ولا امتيازات، ومع ذلك احتدم الخلاف على هذه المناصب بين دولة القانون والعصائب، حتى اضطر رئيس الوزراء إلى التدخل بنفسه. وتلك أبلغ شهادةٍ على صحة نظرية نورث: قيمة المنصب في الدولة الطبيعية ليست في أجره، بل في ما يفتحه من أبواب القرار والعقود والريع.
ولا تناقض، من منظور نورث، في أن تتحدث حكومةٌ عن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد، ثم تمنح شقيق زعيم فصيلٍ مسلح منصب نائب رئيس الوزراء؛ فهذه هي الصفقة ذاتها: في الدولة الطبيعية، يُكسَب ودّ حَمَلة السلاح بإشراكهم في السلطة، لا بنزع سلاحهم.
ولا يقف الأمر عند الأسماء. فقد استُحدثت وزارتان جديدتان للذكاء الاصطناعي والسياحة، وأُضيفت إلى الهيكل الحكومي أربعة مناصب لنواب رئيس الوزراء. ومهما قيل عن عمل النواب بلا رواتب، فإن كل وزارةٍ جديدة تعني مبنىً وكوادر وموازنةً تشغيلية، وكل منصبٍ جديد يعني مكتبًا وحمايةً وحاشية.
يأتي ذلك بعد أيامٍ قليلة من رفع سعر صرف الدولار الرسمي إلى 1520 دينارًا، وهو قرارٌ قدّمته الحكومة جزءًا من مسار إصلاحٍ اقتصادي تفرضه أزمة الإيرادات. فكيف تطلب الدولة من المواطن أن يتحمّل كلفة دينارٍ أضعف باسم الإصلاح، ثم توسّع جهازها الإداري ليتّسع لحصص الشركاء؟ هنا يتجلّى منطق الدولة الطبيعية مرةً أخرى: حين يتقلّص الريع، لا يتقلّص عدد المتقاسمين، بل تُستحدث مقاعد جديدة حول المائدة، ويُحمَّل المجتمع فاتورتها.
يشترط نورث، للانتقال إلى نظام الوصول المفتوح، سيادةَ القانون على النخب، ومنظماتٍ تعيش بعد مؤسسيها، وسيطرةً سياسية موحّدة على القوة المسلحة. وكابينة الزيدي المكتملة تبتعد عن الشروط الثلاثة جميعًا.
وربما كان من الإجحاف تحميل الزيدي وحده الوزر، فهو ابن هذا الائتلاف، ولم يكن ليكمل حكومته من دون رضا القادة. لكن هذا الاضطرار نفسه يجيب عن السؤال القديم: لماذا لم تترسّخ الديمقراطية في العراق؟
ما دامت الثقة تمرّ عبر الدم والولاء الشخصي، لا عبر المؤسسة والقانون، فإن الانتخابات قد تغيّر الوجوه، لكنها لا تغيّر منطق السلطة. والصهر والأخ، في هذا المنطق، ليسا استثناءً، بل توقيعه.



اضف تعليق