التكامل والترقّي دوماً وأبداً مطلوبٌ ومحبّذ، بل قد يكون واجباً إذا توقّفت عليه واجباتٌ معطَّلة لا يمكن القيام بها إلّا بدرجاتٍ أعلى من العلم، أو حُسن التدبير والإدارة، أو الثروة، أو العلاقات الواسعة، ونحو ذلك، فما هي أهمّ عوامل التسلّق إلى القمّة، والاستقرار عليها، وعدم التراجع أو السقوط، ثمّ...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَقُلْ رَبِّ زِدْني‏ عِلْماً)[1]، و(لِيَزْدادُوا إيماناً مَعَ إيمانِهِمْ)[2].

وقال سبحانه وتعالى في إطار أوسع: (وَالَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً * أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فيها تَحِيَّةً وَسَلاماً)[3]

وعلى مستوى العقل العملي، قال جل اسمه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)[4]

وورد في الدعاء: (اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِعِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ رِزْقاً وَاسِعاً حَلَالًا طَيِّباً بَلَاغاً لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، صَبّاً صَبّاً، هَنِيئاً مَرِيئاً، مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا مَنٍّ مِنْ أَحَدِ خَلْقِكَ، إِلَّا سَعَةً مِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِعِ، فَإِنَّكَ قُلْتَ: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)[5]، فَمِنْ فَضْلِكَ أَسْأَلُ، وَمِنْ عَطِيَّتِكَ أَسْأَلُ، وَمِنْ يَدِكَ الْمَلْأَى أَسْأَلُ)[6].

المقدمة:

يفتتح البحث بأنّ للروح قوّةً عظيمةً على التطوّر والتكامل اللامحدود، ولكن لماذا نجد أكثر الناس أكثر من عادي؟ ثم يواصل: بأنّ التكامل، علماً وتقوى وثراءً وسمعةً وجاهاً، مطلوبٌ وحسنٌ شرعاً، وأنّ المؤمن لأنّ قادته (عليهم السلام) هم قمّة قمم عالم الإمكان، فعليه أن يسلك طريق الرقي، منوّهاً إلى أنّ من ضعف الهمّة أن يطمح المرء إلى أن يسكن في صفّ نِعال الجنّة! مشيراً إلى قصة الرضيّ الذي لم يفكر بالمعصية أبداً، فلم لا نكون مثله؟ وإلى محمد يونس الذي أقرض 28 ألف عائلة، ثم لما يزيد على سبعة ملايين! وإلى سياسة السيد الشيرازي الكبير في نفخ الروح، مستعرضاً رؤوس نقاط هامّة من حياة السيد جمال الدين الأسد آبادي الذي تحدّى الملوك وربّى عدداً من العظماء وتحدّى عدداً من فلاسفة الغرب، ليصل البحث إلى دور الخبرة العميقة في التطوّر، مستعرضاً أمثلة طريفة من (ماكينة بعشرة ملايين) وشاي لآلام المعدة، ومشيراً إلى طريقة المدح الصادق كاستراتيجية لفتح قلوب الناس، وإلى الرجل الذي طالع مائة كتاب فكتب كتاباً باع منه الملايين! وقصة المتحدث في كيفية التأثير على المسؤول العنيد.

ليس للتكامل حدّ ولا للمسؤولية حدّ

ومن مجموع هذه الآيات الكريمة والروايات الشريفة، وغيرها مما هو كثيرٌ جداً، يستفاد أنّ الإنسان عليه ألّا يتوقّف عند درجة من درجات التكامل، بل عليه أن يترقّى ويصعد ويصعد أبداً ودوماً، فكلّما وصل إلى مرتبة من العلم أو الإيمان ازداد همّةً وسعياً وجِدّاً وجهداً ليصل إلى درجات أعلى منها.

وكلّما قدّم خدمةً للناس أو وفّر رأس مالٍ للفقراء لينتشلهم من الفقر، أو مساكن للأيتام، أو رواتب لهم ـ ما دام لا يمكنه توفير رأس مال ليعملوا لكونهم صغاراً ونحو ذلك ـ ازداد همّةً وسعياً ليخدم أناساً أكثر وفقراء أكثر ومساكين أكثر، وازداد همّه ليبني مساجد أكثر وحسينيات أكثر ومعاهد تربوية وتدريبية وعلمية وثقافية أكثر فأكثر، ومراكز دراسات ومواقع في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر وأفضل.

والمقصود الازدياد إمّا بنحو الكثرة العددية والوفرة كلّما لزم، أو بنحو التطوير الكيفي وتحسين الأداء أكثر فأكثر كلّما أمكن.

وكذلك الرزق الحلال الواسع الطيّب، والمقصود به ما يُوسَّع به على عياله وما يخدم به المجتمع والدين وأهله، لا ما كان عن حرصٍ وجشعٍ وطمعٍ وبخلٍ من الذين (يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في‏ سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليمٍ)[7]، أو الذين (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)[8].

بل ما يجيّره لآخرته بأن يكتسبه من حِلِّه ويصرفه في محلِّه، فبعد أداء الديون الشرعيّة من خمسٍ وزكاةٍ ونحوهما ينطلق برزقه الحلال الواسع الطيّب ليصل نفعه إلى العشرات من الناس، ثمّ المئات، فالألوف، فالملايين، ولمَ لا؟ وقد تهيّأت سبله في هذا الزمن، وقام به جمعٌ من مختلف البلاد كما سيظهر.

فإذا فعل ذلك كلّه فإنّه يكون قد اقترب خطوةً وخطواتٍ وأكثر فأكثر، بحسب سعيه وهمّته، من استجابة دعائه المحبّذ إلى ربّه في القرآن الكريم: (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقينَ إِماماً * أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فيها تَحِيَّةً وَسَلاماً)[9] فإنّ ذلك، أن يكون المرء إماماً للمتقين: هو المطلوب الأسمى والأعلى والأغلى والأبهى والأروع، وبذلك يصل الإنسان إلى القمّة، ثمّ يصعد منها إلى قمّةٍ أعلى، ثمّ إلى قممَ أعلَى فأعلَى، إذ لا حدّ للتكامل في جميع الأبعاد.

المعصومون قمة قمة القمم، فاصعد من الجبل...

وكان السيد الوالد (قدس سره) يوصينا بذلك، ويقول ما مفاده: إنّ المعصومين (عليهم السلام) هم قمّةُ قمّةِ قمّةِ القمم، بما لا يرقى إليه خيالُ بشر، فإنّ طائر الخيال مهما حلّق، بل العقل مهما تدبّر وتفكّر، لا يمكنه حتّى تصوُّر مقدار عظمتهم وعلوِّ قدرهم وجلالة شأنهم، كما صرّحت به الروايات[10]، فحيث أنّهم كذلك، وحيث أنّهم قادتنا وسادتنا، وحيث أنّنا أولياء لهم، فعلينا أن نَجِدَّ ونجتهد لكي نتسلّق جبال الكمال، لنقترب ـ قدر الممكن إليهم (عليهم السلام) ـ إذ المستحيل هو الوصول إلى مقاماتهم، لكنّ الممكن هو الازدياد والازدياد قدر ما يمكن للممكن غيرهم (عليهم السلام) أن يصل إليه.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ)[11].

السكن في كيشوانية الجنة!

ومن الطرائف أنّ أحدهم كان يقول لي: إنّني سأكون فرحاً ومسروراً جدّاً لو أنّ الله تعالى أسكنني حتّى في صفِّ نِعال أهل الجنّة، أي في الكيشوانيّة!

فقلت: إنّ أعظم فوز هو ما ذكره تعالى بقوله: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ)[12]، ولا شكّ في ذلك، إلّا أنّ الإنسان ما دام قادراً على نيل درجاتٍ أعلى في الجنّة، فلمَ تقتصر همّته على الدرجات الأدنى؟ فإنّ رضوان الله تعالى الذي يناله منه جل اسمه أعظم كلّما ازدادت الدرجات، كما أنّ ألطافه وفيوضاته ومنحه وهداياه أكبر، ويكفي أنّ ذا الدرجة الدنيا قد لا يحظى بالتشرف بمحضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة الزهراء والأئمة الهداة (عليهم السلام)، أو يحظى بقدرٍ أقلّ جدّاً من ذوي الدرجات العليا، حيث أنّ مقتضى القاعدة أنّ درجة الإنسان كلّما كانت في الجنّة أعلى كان قربه إليهم صلوات الله عليهم أكثر، ووُفِّق إلى زيارتهم أكثر، أو شَعَّت عليه أنوارهم أكثر، أو ما أشبه ذلك.

وممّا يقرّبه إلى الذهن أنّ الإنسان إذا كان معلِّماً في الابتدائيّة فإنّه شرفٌ وأمرٌ حسن، لكنّه إذا أمكنه أن يترقّى ليصبح معلِّماً في المتوسّطة، ثمّ الثانويّة، ثمّ الجامعة، كان أحرى وأجدر (إلّا لو ألزمته ضرورةٌ بأن يبقى في أدنى السُّلَّم التعليمي)، وكذلك الأستاذ في الحوزة، لو أمكنه أن يصعد من تدريس التبصرة مثلاً إلى الشرائع والعروة، ثمّ اللمعة، ثمّ المكاسب المحرّمة، فالبيع، فالخيارات، وهكذا، (وإن كان لا يمنع ذلك من التواضع وتدريس بعض الكتب الأدنى منزلة، إمّا لضرورة أو لكسر نفسه).

فإذا ظهر أنّ التكامل والترقّي دوماً وأبداً مطلوبٌ ومحبّذ، (بل قد يكون واجباً إذا توقّفت عليه واجباتٌ معطَّلة لا يمكن القيام بها إلّا بدرجاتٍ أعلى من العلم، أو حُسن التدبير والإدارة، أو الثروة، أو العلاقات الواسعة، ونحو ذلك) فإنّ السؤال التالي حينئذٍ ستبرز أهمّيّته وتتجلّى أكثر فأكثر، وهو: ما هي أهمّ عوامل التسلّق إلى القمّة، والاستقرار عليها، وعدم التراجع أو السقوط، ثمّ الاستمرار في الصعود إلى قممٍ أخرى أعلَى فأعلَى؟

إذا وقفت على القمة، سبقك غيرك

ذلك أنّ من أهمِّ القواعد التي يغفل عنها الكثير من الناس أو يجهلونها أنّ الإنسان إذا بقي واقفاً على القمّة تراجع وسبقه آخرون، وذلك لأنّ الآخرين في حالة حركةٍ سريعةٍ جدّاً، بل في سباقٍ مع الزمن، فإذا بقيتْ سرعتُك ثابتةً سَبَقَكَ غيرُك، فبعد أن كنت في الصفّ الأوّل تتأخّر إلى الصفِّ الثاني فالثالث، وهكذا.

والجواب: إنّ الطرق والوسائل التي تُمكِّن المرء من صعود القمم وبلوغها والانتقال منها إلى أعلى منها، وهكذا دواليك، من أهمّها ما اسميه (مربّع النجاح)، وهو: الهمّة العالية، والخبرة العميقة، وخطّة العمل المتقنة، وفريق العمل المتكامل المتجانس.

أولاً: الهمة العالية

أوّلاً: الهمّة العالية، فإنّ الله تعالى أعطى الروح قوّةً نادرة النظير، إذ جعلها من عالم الأمر: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَليلاً)[13].

والروح تُحلِّق وتطير إذا كانت همّة صاحبها عالية، وإلّا سكنت وقرَّت ورضيت بالفُتات، وفي ذلك يقول بكر بن النطاح:

لَهُ هِمَمٌ لا مُنتَهى لِكِبارِها --- وَهِمَّتُهُ الصُغرى أَجَلُّ مِنَ الدَهرِ

لَهُ راحَةٌ لَو أَنَّ مِعشارَ جودِها --- عَلى البرِّ صارَ البرُّ أَندى مِنَ البَحرِ

والنماذج التالية تُعبِّر لنا بوضوحٍ عن المستوى الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان لو تحلّى بالهمّة العالية ووضع أمامه أهدافاً كبرى:

المرتضى لم اعصِ الله، الرضي لم افكّر بها!

أ ـ السيد المرتضى علم الهدى، حيث قال: إنّني لم أعصِ الله تعالى في عمري قطّ، فأجابه أخوه الشريف الرضي جامع نهج البلاغة: وأمّا أنا، فبفضل الله، لم أُفكِّر، حتّى، بالمعصية أبداً. فصدّقه أخوه الأكبر المرتضى، لـِمَا كان يعلمه من حالاته ومن صفاته ومن ضرورة صدقه، لذا أعطاه الكتاب الذي كان كلاهما يطمح أن يكون نصيبه من الإرث.

وإنّ ذلك لأصعب من الصعب: أن لا يعصي الإنسان ربّه أبداً؛ لا بكذبة وبغيبةٍ ونميمةٍ وتهمة، ولا بغشٍّ ورشوةٍ ورباً وتدليس، ولا بإيذاء أحدٍ بجارح القول الذي ورد فيه:

جراحاتُ السّنانِ لها التئامُ --- ولا يُلْتامُ ما جَرَحَ اللسانُ

والأعجب من ذلك أن لا يدور في خَلَد الإنسان أن يعصي، إذ كثيراً ما يعزم على أن ينظر إلى الأجنبيّة أو أن يغتاب، ثمّ يتذكّر الله تعالى فيتّقيه ولا يفعل، لكنّ الأعظم منه أن لا يصمِّم ولا يفكِّر.

وقد يقول أحدُنا: قد مضى منّا ما مضى، فنقول: أمّا الماضي فلا يمكن تغييره، وأمّا المستقبل فبيدك، فلتكن همّتك ألّا تعصي الله بعدها أبداً أبداً أبداً، بل ألّا تفكّر، وجاهد نفسك أشدّ الجهاد، وقد قال تعالى: (وَالَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ)[14].

الرجل الذي أقرض 28 ألف عائلة في 6 سنوات!

ب ـ وعلى المستوى العملي، كانت لرجلٍ من بنغلاديش، لا يزال حيّاً، واسمه محمد يونس، همّةٌ عالية، فقام بتأسيس صندوقٍ لإقراض الفقراء رؤوس أموالٍ ليستثمروا بها في أعمالٍ حرّةٍ بسيطة يمكنها أن تؤمِّن حياتهم أو معظمها.

وهكذا بدأ منح القروض الميسّرة جدّاً، لأفراد حتى بلغ عدد الذين أقرضهم بين عامَي 1976 و1982م ثمانية وعشرين ألف شخص! وهو عددٌ كبيرٌ جدّاً (ثمّ بلغ بعد ذلك، وبالضبط عام 2007م، حدّاً مذهلاً سنشير له في البحث القادم بإذن الله تعالى)[15].

ولا شكّ أنّ الكثير منّا قادرٌ على ذلك، لكنّه لو امتلك الهمّة العالية، والخبرة، والخطّة، وفريق العمل، مع خلوص النية والتوكل على الله تعالى والتوسل بالرسول وآله آل الله.

ومن المـُحبّذ التنويه إلى أنّ من الحسن أن يبدأ الإنسان ولو ببرنامجٍ صغير، ثمّ يتوسَّع تدريجياً..

مشروع الإقراض المحلي الصغير

وإنّني شخصيّاً أعرف بعض الطلبة الذين بدأوا بمشروعٍ صغيرٍ جدّاً للإقراض الخيري، بدأوه من خمسمائة دولار، وقد وصل الآن إلى ما يتجاوز المائة ألف دولار، وقد مشّوا بهذا الصندوق حوائج كثيرة جدّاً لأعضائه الذين بدأوا بعدّة أشخاص ثمّ وصلوا إلى المئات، ومهمّة الصندوق إقراض من يحتاج مليون دينار عراقي أو أقلّ، حتّى خمسة ملايين، للزواج أو شراء بعض أمتعة المنزل أو نحو ذلك.

وللصندوق ألوانٌ وأشكال، ومنها هذان النوعان:

الأول: أن يهب كلُّ شخصٍ من الأعضاء شهريّاً عشرة آلاف دينار للصندوق مثلاً، أو أن يدفع كلٌّ منهم دفعةً واحدة مبلغاً كمليون دينار، ثمّ يُخوِّل الجميع مديرَ الصندوق إقراض الأعضاء بالتسلسل أو القرعة أو حسب ما يقرّرون ويتّفقون عليه.

الثاني: أن يُودِع كلُّ منهم مبلغاً من المال أمانةً، وله أن يسترجعه متى شاء، فإن استرجعه خرج عن العضويّة.

فخطِّطوا لمثل ذلك لعوائلكم، ثمّ لأصدقائكم، وهكذا.. ثمّ إذا وضعتم خطّةً متقنة، وتمتَّعتم أو من تجعلونه المدير ـ بخبرةٍ متميِّزة، وأسَّستم فريق عملٍ متكامل، ولو تدريجاً، أمكنكم أن تصلوا لسقف إقراض الألوف، ثمّ مئات الألوف، ثمّ الملايين، بلطف الله وكرمه.

السيد الوالد وسياسة نفخ الروح

ج ـ وكان السيد الوالد (قدس سره) ينتهج منهج نفخ الروح بالأشخاص الذين يلتقي به، قال تعالى: (وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي‏)[16]، فكانت تتفجَّر طاقاتهم ومواهبهم وقواهم، فيُبدِعون ويرتقون ويُحقِّقون ما لعلّه كان يبدو له مستحيلاً سابقاً.

هدى 17 ألف في جزر القمر!

ومن بين القصص المعبِّرة والطريفة، من بين مئاتٍ إن لم تكن الألوف من القصص: أنّ أحد الشباب من جزر القمر زار بعثة الحج الدينية للسيد الوالد بعد وفاته عام 1422هـ، أي بعد حوالي شهرين من وفاته، إذ توفّي (قدس سره) في شوّال، وكان ممّا قاله: إنّه كان يدرس في إيران العلوم الحوزويّة، فزار السيد (قدس سره)، وكان ذلك أوائل الثورة، فشجّعه على الرجوع إلى بلده وهداية الناس إلى المذهب الحقّ، مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، في بلده والبلاد المجاورة.

يقول: ونفخ فيَّ روح الهمّة والعزيمة، وأنّ عليك أن تهدي الألوف... إلخ، عملتُ بنصيحته ورجعت، وانشغلت بالتبليغ، حتّى إنّه بعد مضيّ عدّة سنوات استبصر على يدي ـ بالمباشرة أو بواسطة من هديتهم من علمائهم ـ حوالي سبعة عشر ألف إنسان!

لقطات معبرة عن حياة الأسد آبادي

- ومن أعظم القصص المعبِّرة عن دور علوِّ الهمّة، مع العلم والخبرة والخطّة، في رُقِيِّ المرء إلى مراتب قلَّ أن يصل إليها الآخرون، قصّة حياة السيد جمال الدين الأسد آبادي المتوفّى سنة 1275هـ، أي قبل وفاة الشيخ الأنصاري بستِّ سنين، وهذه رؤوس نقاط تلقي الضوء على جوانب معبّرة من حياته:

- فقد قيل إنّه نبغ في الدروس الحوزويّة ولَمّا يبلغ الثامنة عشرة، وقيل إنّه تتلمذ عند الشيخ الأعظم (قدس سره).

- نقل أنّ الشيخ أرسله عام 1254هـ إلى الهند في جولةٍ تبليغيّة واستطلاعيّة، ليعرف أوضاع الهند وكيفيّة تعامل البريطانيّين وإدارتهم للهند، وكيفيّة مواجهة الناس لهم... إلخ.

التقى بناصر الدين شاه ولكنه...

- وسافر إلى إيران والتقى بـناصر الدين شاه، وحاول إقناعه بأن يبني حكومته على القانون والنظام، ويبتعد عن الفرديّة والشخصنة وحاكمة هوى الحاكم بدل حكومة القانون، وعندما ألحَّ على الشاه بذلك ضاق به ذرعاً، وأمر بإبعاده عن البلاد!.

- فذهب إلى القفقاز، ثمّ إلى موسكو وبطرسبورغ، وواصل التبليغ زائد الاستطلاع.

- ثمّ سافر إلى ميونيخ، وهناك التقى بـناصر الدين شاه الذي كان قد جاء إلى ميونيخ أيضاً ومعه ميرزا علي آقا بك، وتأثّر الشاه هذه المرّة بشخصيّته القوية ومعلوماته الغزيرة، فدعاه إلى إيران.

- فرجع إلى إيران واستقرّ في شاه عبد العظيم، لكنّه واصل عمله الدعوي والتبليغي والضغط على الشاه ليخضع للقانون، حتى أخرجه الشاه مرّةً أخرى ونفاه خارج البلاد!.

- فسافر إلى البصرة وبغداد، ثمّ إلى أوروبا، وواصل تبليغه واستطلاعاته واستنهاضه للهمم.

اختاره أمير أفغانستان أمين السر فطوّر البلاد

- كما سافر إلى أفغانستان، واختاره أمير أفغانستان محمد خان ثم ابنه أمير شير علي خان أمين سرّه ومستشاره لشؤون المملكة، ويعزو بعض المؤرّخين أنّ أفغانستان أحرزت تطوّراً كبيراً ببركة آرائه السديدة.

- وسافر إلى بلادٍ مختلفة، منها الحجاز ومكة.

والتقى بالسلطان عبد الحميد

- كما سافر إلى تركيا بدعوةٍ من السلطان عبد الحميد، الذي كان يأمل أن يستثمر نفوذه لإدارة البلاد الإسلاميّة المترامية الأطراف التي كانت تخضع لـلإمبراطورية العثمانية، وترك السيد على السلطان تأثيراً، ثمّ إنّه لمـّا تعاظم نفوذه، ولم يجد فيه السلطان مطيّةً لأغراضه، بل أحسّ أنّ العكس يكاد يحصل، لم يتحمّله عبد الحميد فأخرجه من تركية!.

- كما سافر إلى مصر، والتقى بكبار علمائها وبالمفتي الأعظم للديار المصرية الشيخ محمد عبده، الذي تأثّر بشخصيّة جمال الدين الأسد آبادي تأثّراً كبيراً جدّاً، حتّى إنّه اعتبره أستاذاً له.

- ولمستواه العلمي أعطوه كرسيَّ الأستاذيّة في الفلسفة والمنطق بـالأزهر.

- وكان ثقله الثقافي والفكري، وحضوره السياسي، من الوزن والثقل والتأثير، حتّى ضغطت الحكومة الغربيّة (بريطانيا خاصّةً) على مصر لإخراجه منها، فأُخرج إلى الهند ووُضع تحت الإقامة الجبريّة في كلكته.

- ثمّ سُمح له بالسفر إلى أوروبا.

الأسد يجد طعمته حيث حلّ!

- وفي واقعة أخرى عندما أراد أن يركب القطار عند إخراجه من مصر، اجتمع تلامذته وأحباؤه، وكانوا قد جمعوا له مبلغاً جيّداً من المال، لأنّه يُسفَّر إلى بلادٍ غريبة حيث لا يأويه صديق ولا قريب، وكان لا يملك فلساً واحداً، لكنّه رفض أخذ المال تماماً، وعندما ألحّوا عليه، لعلمهم أنّه ليس معه أيّ مبلغ، وأنّه ليس له في بلاد المنفى أيّ ملجأ، أجابهم: (الأسد يجد طعمته ـ أو فريسته ـ حيث حلّ وارتحل!)، وكان في واقع الأمر عظيم التوكّل على الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً)[17].

- وعندما وصل إلى باريس، كانت له نشاطاتٌ عديدة، أبرزها إصدار مجلّة العروة الوثقى، التي أصدر منها 18 عدداً، وكان يتواصل مع المفكّرين والشخصيّات.

حواره المؤثر مع إرنست رينان الفيلسوف الفرنسي

- وعندما نشر المستشرق والفيلسوف الفرنسي المعروف إرنست رينان مقالةً في إحدى الجرائد الفرنسيّة عام 1883م، وكان أستاذاً في السوربون، تحت عنوان (الإسلام والعلم والفلسفة)، وكان قد اتّهم الإسلام بأنّه دينٌ بدويّ متخلّف بدائي يعادي العلم، ويعيش أتباعه على الجهل والأساطير، كتب جمال الدين الأسد آبادي (المتتبّع دوماً) ردّاً علميّاً قويّاً تُرجم إلى الفرنسيّة وطُبع في نفس الجريدة.

وعندما قرأ رينان الردّ أُعجب به، وجرت بينه وبين الأسد آبادي مراسلات متعدّدة، وقد تأثّر بشخصيّته وعلمه كثيراً، حتّى قيل إنّه عبّر عنه بأنّه في مصافّ ابن رشد (الذي كان ارنست رينان قد كتب عنه رسالته في الدكتوراه)، وقيل إنّ عباراته عنه هي: إنّ الأسد آبادي يشبه ابن سينا وابن رشد في قوّة العقل والتحرّر الفكري.

وهناك قول بأنّ إرنست رينان أسلم على ضوء حواراته مع الأسد آبادي، ولكن يقول بعضهم إنّه لا يوجد سندٌ تاريخيّ موثّق يدلّ على ذلك، إلّا أنّ المسلّم أنّ الأسد آبادي عدّل نظرته إلى الإسلام إلى حدٍّ كبير.

- ولكن لم يسلم الأسد آبادي من الاتهامات المتنوّعة، حتّى إنّه شكى وقال: إنّ السنّة يعتبرونه رافضياً، والشيعة يعتبرونه ناصبياً، والإنكليز يعتبرونه روسياً... وهكذا!!

- وموطن الشاهد أنّ جمال الدين الأسد آبادي كان يمكن أن يكون كأيّ طالب علمٍ متفوّقٍ منعزلٍ في زاويةٍ يدرس ويُدرّس حتّى يموت، لكنّه انطلق إلى آفاق العالم الرحب، وحاول أن يؤثّر على أكابر العلماء والمفكّرين: المسلمين من جهة وغيرهم من جهةٍ أخرى.

ولا شكّ أنّ علوّ همّته وعلمه كان لهما الدور الأكبر في شخصيّته التي سطّرت على صفحات التاريخ بأحرفٍ بارزة، لكن نقطة ضعفه الأساسيّة كانت تكمن في عدم امتلاكه فريق عملٍ متجانس، وعدم تركيزه على الجماهير كما صرّح هو بذلك.

قال هو مثلاً: (أتحسّر لأنّي لم أحصد ما زرعته من تضحيات… ليتني غرست جميع أفكاري في الحقل الخصيب لأفكار الأمّة.

ما أجمل لو أنّ بذوري النافعة والمثمرة لم تُلقَ في أرضٍ سبخة تحت سلطانٍ فاسد.

فما زرعته في ذلك الحقل [الشعب] أثمر، وما غرسْتُه في هذه الصحراء [السلاطين والنخب الحاكمة] قد فسد وضاع).

ثانياً: الخبرة العميقة

ثانياً: الخبرة، فإنّ الهمّة العالية دون خبرة لا تُثمر كثيراً، والخبرة تختلف عن العلم في أنّها تنشأ من التجربة وسبر الأمور ومدارستها ميدانياً غالباً.

ولنبدأ ببعض الشواهد الطريفة على موقع الخبرة ـ الأساسي ـ ثمّ لنركّز على بيت القصيد في البحث:

ساعتان بربع مليون دولار!

- قبل عقود، تعطّل في إحدى المصانع جهازٌ ضخم كانت قيمته في ذلك الوقت عشرة ملايين دولار، لكنّ مختلف الخبراء عجزوا عن اكتشاف الخلل وإصلاحه، حتّى اقترح عليهم أحدهم اسماً لخبيرٍ مغمورٍ لكنّه ذكيٌّ جدّاً، فطلبوه، ففحص الجهاز لمدّة ساعتين، ثمّ لمـّا اكتشف الخلل أصلحه في دقائق ببعض الأدوات.

وعندما سألوه عن أجرته قال: ربع مليون دولار وعشرة دولارات! فذُهلوا للرقم الضخم الذي طلبه وسألوه باستنكار: ربع مليون دولار لساعتين عمل! فأجابهم: عشرة دولارات لساعتين من العمل اليدوي، أمّا الربع مليون فهي أجرة الخبرة! وألم تروا عجز الخبراء عن حلّ المشكلة، ولولا خبرتي لخسرتم الجهاز كلّه، أي عشرة ملايين دولار!

وذلك منطقيٌّ تماماً، إذ ما أكثر الخسائر التي تنجم عن قلّة الخبرة أو عدم البراعة فيها في المستشفيات والمصانع والمعامل وغيرها.

حل آلام المعدة بالشاي فقط

- قبل حوالي أربعين عاماً أصبت بآلامٍ في المعدة وحالاتٍ من التهوّع[18]، وقد راجعت أطباء مختلفين أعطوني علاجاتٍ كثيرةً شديدةً، بما لها من مضاعفات ومتنوّعة، لكن لم يفلح أيٌّ منها أبداً.

بعد حوالي عامٍ ربما، سافرتُ إلى مشهد المقدسة، وسألتُ صديقنا الراحل العزيز الشيخ علي السياح عن طبيبٍ خبير، فأرشدني إلى طبيبٍ أذربيجاني مقيم في مشهد، وقال إنّ له خبرةً استثنائيّة.

ولـمّا راجعته سألني عدّة أسئلة، ثمّ فاجأني بالحلّ الذي لم أصدّقه لشدّة بساطته، قال: اترك شرب الشاي خاصّةً الحلو، وستشفى فوراً!

لم أكَد أصدّقه، لكنّي، مضطرّاً، عملت بنصيحته، وإذا بالأعراض ترتفع فوراً.

ولا أزال منذ أربعة عقود كلّما ابتعدت عن الشاي كنت طبيعياً، وكلّما شربته اضطربت المعدة فوراً!

إمتلك خبرة في التعامل مع النفوس البشرية

وفي هذين الحدثين إلفات إلى موقع الخبرة الكبيرة.. الكبير.. إلا أن بيت القصيد أنّ المبلّغ والعالِم إذا أراد أن يترك تأثيراً كبيراً على المجتمع فإنّ عليه أن يمتلك خبرة التعامل مع النفوس المختلفة؛ فإنّ في الناس ساذجاً وبسيطاً، ومعقدّاً ومحتالاً، وحقوداً وحسوداً، وغيوراً وعديم الغيرة، وبخيلاً وجواداً، وشهماً وغادراً، وشجاعاً وجباناً، وهكذا...

والعالِم، بل مطلق الداعية والمؤمن في الجامعة وغيرها، يتعامل مع هذه النفوس المختلفة، فعليه أن يكون خبيراً بعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي وبعلوم التربية وغيرها.

- ومن أورع الكتب في هذا الحقل كتاب (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس) لديل كارنيجي، والذي طبعت منه عشرات الملايين من النسخ.

سياسة المدح الصادق

- ومن الأساليب المهمّة في التأثير على الناس وفي وعظهم وإرشادهم هي: المدح الصادق، فإنّ المدح الكاذب كذبٌ ونفاق، أمّا الصادق فـأمرٌ حسن وفضيلة.

والكثير من الناس يخطئ في منهجه التربوي، إذ إنّه إذا رأى سيّئةً في بعض أبنائه أنَّبهم ونَهَرهم وزَجَرهم، لكنّه إذا رأى حسنةً فيهم فإنّه لا يثني عليهم، مع أنّ الثناء الصادق يشجّع على الاستمرار في عمل الخير، وفي الدرس والمطالعة والخدمة... إلخ.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَوَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَتَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ [فِعَالِهِمْ‏] أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)[19].

وكذلك رجل الدين، وكل مثقّفٍ ورساليٍّ ومؤمن، سواء أكان إماماً في المسجد، أم أستاذاً في الحوزة أو الجامعة أو الثانوية، حتى الروضة، أم كان رئيس شركة له موظفون، فإنّ عليه أن يمتدح كلّ واحدٍ منهم متى فعل صواباً وأجاد في عمله والتزم بمواعيده وأحسن التعامل مع العملاء، أو إذا حضر بانتظام إلى المسجد أو المدرسة، أو إذا حافظ على نظافة المنزل... إلخ.

وقد جرّبت هذه الطريقة شخصيّاً مراراً كثيرة، وكان من ألطفها:

كيف غيّر المدح الصادق قرار المسؤول العنيف!

- أنّني كنت أسكن في بلدٍ مجاور أيّام سقوط النظام البائد عام 2003م، وكانت الحكومة قد فرضت على من يريد السفر إلى العراق للزيارة أن يأخذ تصريحاً، وكان المسؤولون عن التصاريح في البداية متساهلين، ثمّ جاء مسؤول متشدّد فألغى جميع التصاريح.

ولـمّا كنتُ مصمِّماً على السفر للزيارة كلّ شهرٍ كسابق عهدي، سألتُ الأصدقاء فقالوا: لا يمكن السفر لأنّ المسؤول متشدّد جدّاً.

لكنّي كنت مصِرّاً، فذهبت إلى مركز التصاريح، فقال لي كلّ من يرتبط بالأمر إنّ الأمر خرج من أيدينا، وإنّ الرئيس حصر إصدار التصاريح بنفسه شخصيّاً، وقد قرّر ألّا يعطي تصريحاً أبداً حتّى إشعارٍ آخر! لكنّي كنت مصمِّماً، فسألتُ عن غرفته، فأرشدوني إلى الطابق الأعلى، فقرأت آية الكرسي، ثمّ تذكّرت قاعدة المدح الصادق، فقلت في نفسي: أمدحه بماذا وأنا لا أعرفه أصلاً؟ لكنّي توكّلت على الله تعالى وطرقت الباب، ولـمّا فتحته وسلّمت عليه، وقد فوجئت بوجهه العبوس، ألقيت نظرةً سريعة على الغرفة – المكتب علّني أجد فيها ما يستحقّ المدح الصادق، وساعدني التوفيق إذ وجدت خلف رأسه لوحاتٍ جميلةً جدّاً، فبادرت قبل أن يتكلّم بالرفض، وقلت: ما أروع هذه اللوحات التي تنمّ عن ذوقٍ رفيع! وكانت كذلك بالفعل.. فابتسم الرجل، وقال: لَنِعم ما توسّلت به! حسناً سأوقّع لك التصريح!

طالع مائة كتاب فأصبح كتابه يباع بالملايين!

- والحادثة التالية تكشف عن بُعد آخر في دور الخبرة المفتاحيّ في الصعود إلى القمّة، فقد نُقل أنّ أحد الكتّاب الناشئين في أمريكا فكّر أن يكتب كتاباً تُطبع منه الملايين من النسخ، وحيث إنّ من الواضح أنّ ذلك أشبه بالمحال العادي، إذ الكتّاب المشهورون جدّاً تُطبع كتبهم بالملايين، ولكن من يشتري كتاب مؤلف مجهولٍ مغمورٍ، حتّى إلى سقف خمسة آلاف نسخة مثلاً؟! لكنّه قرّر أن يفعل.

وقادته غريزته إلى أنّ الخبرة هي السبب الأساس، فقرّر أن يحصل عليها بطريقةٍ فذّة، وهي أنّه ذهب إلى المكتبات واشترى مائة كتابٍ كانت من أكثر الكتب مبيعاً (بالملايين)، ثمّ قرأها بدقّةٍ بالغة، مستكشفاً نقاط قوّتها، وكيفيّة البداية والخاتمة والأسلوب ومستوى الأدب و... حتّى إذا عرف الأسرار كتب كتاباً فباع منه الملايين من النسخ!!.

الخاتمة: انعقد البحث للتحريض على إتّباع منهج متكامل يصل بالمرء إلى أعلى القمم المعرفية والعلمية والأخلاقية والعملية، ونوّه إلى أنّ الطريق إلى ذلك: أولاً: علوّ الهمّة، وثانياً: الخبرة العميقة، مستعرضاً الكثير من الشواهد والقصص التربوية الرائعة في هذا الحقل.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

.....................................................

[1] سورة طه: 114.

[2] سورة الفتح: 4.

[3] سورة الفرقان: 74-75.

[4] سورة البقرة: 148.

[5] سورة النساء: 32.

[6] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص550.

[7] سورة التوبة: 34.

[8] سورة التكاثر: 1-8.

[9] سورة الفرقان: 74-75.

[10] ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: (إِلَّا عَرَّفَهُمْ جَلَالَةَ أَمْرِكُمْ وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ). (من لا يحضره الفقيه: ج2 ص613).

[11] نهج البلاغة: الكتاب 45.

[12] سورة آل عمران: 185.

[13] سورة الإسراء: 85.

[14] سورة العنكبوت: 69.

[15] اقرض مصرف غرامين بحلول عام 2007 سبعة ملايين واربعمائة ألف مقترض! مبلغاً بلغ مجموعه ستة مليارات دولار وثلاثمائة وثمانين مليون دولاراً!

[16] سورة الحجر: 29.

[17] سورة الطلاق: 3.

[18] بالدارجة يسمى لعبان روح.

[19] نهج البلاغة: الكتاب 53.

اضف تعليق