قمة ترامب–شي لا تُقرأ بوصفها لحظة مصالحة، بل بوصفها محطة في مسار منافسة تتصاعد على كل الجبهات: الاقتصاد، والتكنولوجيا، وتوازنات النفوذ من آسيا إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، مع بقاء تايوان بؤرة الخطر الأكثر قابلية للاشتعال. شي جين بينغ يبدو أكثر وضوحًا في تصوراته واستعداده للمواجهة، بينما يظل...
بقلم: د. منذر سليمان

رغم بعض التكهنات التي عززها ترامب بتصريحاته الأخيرة -وإن كانت تلميحاً- بإمكانية أن تلعب الصين دوراً في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ولا سيما في العقدة الشائكة المتعلقة بالملف النووي ومصير كمية التخصيب العالية.

إلاّ أن القراءة الأولية لمعظم الخبراء الأميركيين في العلاقات الصينية-الأميركية لا تتوقع حدوث اختراق في هذا الملف وإن وجدت في القمة وتوقيتها فرصة لمناقشة الدور الصيني واستكشاف آفاقه في ظل محدودية خيارات ترامب، بعد الرد الحازم الإيراني حول شروط التوصل إلى إنهاء حالة الحرب عليها. 

ويمكن ملاحظة تقاطع التحليلات الأميركية حول أهمية القمة وتقييمها وفق الملخص الآتي: 

لطالما كانت لقاءات القادة الكبار أكثر من مجرد مناسبات بروتوكولية؛ فهي لحظات كاشفة لاتجاهات التاريخ عندما تتغير موازين القوة أو تُعاد صياغة قواعد اللعبة الدولية. ومن هذا المنظور، تبدو قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين حدثًا لافتًا، لا بسبب الصور والتصريحات، بل لأنها تأتي فيما تتسارع وتيرة المنافسة الأميركية–الصينية على الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ العالمي. القمة، إذاً، ليست سوى واجهة دبلوماسية لصراع أعمق يتشكل في الخلفية، وقد يحدد ملامح النظام الدولي في السنوات القادمة.

تظهر سياسة ترامب تجاه الصين كمزيج متنافر بين نزعة "الصفقة" ونزعة "المواجهة". ففي ولايته الأولى، بدا مترددًا بين السعي إلى اتفاق تجاري كبير يمكن تقديمه كإنجاز داخلي، وبين الانخراط في مسار تنافسي أشبه بحرب باردة جديدة. ومع الوقت، انتهت هذه التذبذبات إلى حقيقة واحدة: انتقال العلاقات نحو منافسة أشد، مع تصاعد أدوات الضغط الاقتصادي وتوسّع الحديث عن المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بصعود الصين.

وفي ولايته الثانية، اتجه ترامب إلى التصعيد عبر فرض تعريفات كبيرة في 2025، على افتراض أن الصين في وضع أضعف يسمح بانتزاع تنازلات سريعة. غير أن بكين ردّت بصلابة مستخدمة أدوات ضغط أكثر حساسية للاقتصاد الأميركي، من بينها القيود المرتبطة بالمعادن النادرة، وإجراءات تُربك سلاسل التوريد، وعقوبات مضادة. وقد أفضى ذلك إلى تراجع واشنطن نحو هدنة تجارية، بما يعكس أن المواجهة الاقتصادية ليست طريقًا أحادي الاتجاه، وأن للصين قدرة متزايدة على إيلام خصمها حين تختار ساحة الضغط بعناية.

ومع أن الخطاب الأميركي يروّج للمنافسة من دون الصدام مع الصين، فإن قرارات ترامب كثيرًا ما بدت مربِكة للحلفاء. فقد تزامنت إشارات عن تخفيف قيود تصدير الرقائق إلى الصين مع مواقف متناقضة تتعلق بتايوان، وانتقاد بعض الشركاء الآسيويين في لحظات حساسة. هذه الرسائل المتضاربة زادت قلق الحلفاء من قابلية السياسة الأميركية للتبدل وفق الحسابات اللحظية.

لكن هذه الصورة لا تعني أن سياسة ترامب "استسلامية". ففي المقابل، اتُّخذت خطوات تعزز الردع في المحيط الهادئ، مثل توسيع التعاون العسكري مع اليابان وأستراليا، والموافقة على صفقات تسليح كبيرة لتايوان وإن كان هناك بعض الغموض يلف مواعيد تسليمها، وإطلاق شراكات مرتبطة بالمعادن الحيوية، ودعم مبادرات تهدف إلى تأمين سلاسل التوريد. وبذلك تظهر السياسة الأميركية -وفق هذا المسار- في بعض الملفات، لكنها تفتقر إلى الاتساق الذي يطمئن الشركاء ويقيّد هامش المناورة الصيني.

على الجانب الآخر، تتحرك الصين بثقة أكبر وبأدوات أوسع، في منافسة لم تعد تُختزل في العجز التجاري أو الرسوم الجمركية. فبكين طوّرت ترسانة اقتصادية أدق من أدوات الضغط التقليدية كحظر السياحة أو منع الواردات، وأصبحت تمتلك أطرًا قانونية وإجرائية للتحكم في المعادن النادرة، وفرض إجراءات عقابية على دول بعينها مثل اليابان، وبناء وسائل تساعدها على إرباك فعالية العقوبات الأميركية. والهدف من هذا التحول هو امتلاك القدرة على الضغط من دون أن تُعرّض نفسها بسهولة لضغط مضاد مماثل.

غير أن ساحة المعركة الأهم تبقى التكنولوجيا. ويسود الاعتقاد لدى أوساط أميركية وأوروبية بأن الصين تقترب بسرعة من الولايات المتحدة في مجالات حاسمة مثل الذكاء الاصطناعي، والبطاريات، والبيو تكنولوجيا، والرقائق، والأمن السيبراني. وما يزيد القلق الأميركي هو سعي بكين إلى دمج كل تقدم تكنولوجي في خدمة الاقتصاد والقدرة العسكرية معًا، بما يهدد تفوق الولايات المتحدة في المجالات التي كانت تاريخيًا مصدر قوتها ورافعة نفوذها العالمي.

وتتسع المنافسة كذلك إلى الجغرافيا السياسية، حيث يتقاطع الصراع على النفوذ في مناطق بعيدة عن شرق آسيا، وتشهد عمليات شدٍّ وجذبٍ يمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط: فالولايات المتحدة اتخذت خطوات ضد حلفاء للصين مثل نيكولاس مادورو في فنزويلا، بينما ردّت بكين بممارسات ضغط في محيط حيوي مثل الملاحة المرتبطة ببنما. وفي الشرق الأوسط، تدعم الصين إيران في وقت تتخذ واشنطن موقفًا صداميًا معها، مستفيدةً من أي انشغال أميركي لتروّج لفكرة أن الولايات المتحدة مشتتة عن آسيا، وأن قدرتها على التركيز الاستراتيجي آخذة في التراجع.

أما تايوان فتبرز بوصفها الاختبار الأخطر. إذ تعتمد الصين نهجًا أقرب إلى مفعول أفعى "الأناكوندا": ضغط متدرج يهدف إلى إضعاف إرادة التايوانيين من دون الاضطرار إلى غزو مباشر، عبر محاكاة الحصار، وتصعيد الهجمات السيبرانية، وتكثيف حرب المعلومات، وتنفيذ مناورات عسكرية واسعة. هذا الأسلوب يراهن على إنهاك الخصم سياسيًا ونفسيًا واقتصاديًا، مع إبقاء كلفة الحرب الشاملة مؤجلة ما أمكن.

ضمن هذا السياق، يمكن وصف رؤية شي جين بينغ بالأكثر وضوحًا وحسمًا: قناعة بأن الولايات المتحدة تسعى إلى محاصرة الصين، وأن العالم يتجه نحو اضطرابات أكبر، وأن المواجهة مع واشنطن قادمة عاجلاً أم آجلاً. لذلك، يتعامل شي مع أي تهدئة على أنها ترتيبٌ للوقت لا تغييرٌ للمسار؛ فيخزّن الغذاء والوقود، ويعدّ الجيش لسيناريوهات مرتبطة بتايوان في أفق 2027، ويستخدم الدبلوماسية مع ترامب لكسب مساحة مناورة، بالتوازي مع محاولات لتفكيك تماسك الحلفاء الغربيين وتشجيع الشركات الأميركية لممارسة ضغوط على إدارة ترامب من أجل تخفيف القيود. الهدنة هنا تبدو، وفق هذا التصور، استراحة تكتيكية قبل جولة أشد.

ويبقى السؤال: هل لدى ترامب استراتيجية متماسكة تجاه الصين، أم أنه يتصرف بعفوية ويترك النتائج تتراكم؟ كما جرت العادة في التعامل مع ملفات مختلفة يمكن تلخيص المسار وفق احتمالين متعارضين؛ أولهما أن ترامب يناور ببراغماتية شديدة، فيشتري الهدوء مؤقتًا بينما يعزز التحالفات في المحيط الهادئ، ويبني سلاسل توريد بديلة، ويستخدم مساحة تصدير التكنولوجيا كورقة لإبقاء الصين معتمدة جزئيًا على المنظومة التقنية الأميركية، بالتوازي مع زيادة الضغط على حلفاء بكين مثل إيران وفنزويلا.

أما الاحتمال الثاني فهو أن هذه التحركات نفسها قد تُضعف الموقف الأميركي دون قصد: فالحروب في مناطق أخرى قد تستنزف الذخائر والقدرات التي تحتاجها واشنطن لردع الصين في آسيا، وأي إعادة تموضع للقوات بعيدًا عن اليابان وكوريا تقلّص قوة الردع، كما أن الرسائل المتناقضة في ملفات حساسة -مثل قيود الرقائق- تربك الحلفاء وتفتح مساحات للصين لاستمالة دول جنوب شرق آسيا، فضلًا عن احتمال اتساع فجوة الثقة مع أوروبا. وفي نهاية المطاف، يظل الغموض سيد الموقف: هل الهدف هو التفوق الاستراتيجي طويل المدى على الصين، أم مجرد صفقة تجارية تبدو “رائعة” في الداخل الأميركي؟

خلاصة القول إن قمة ترامب–شي لا تُقرأ بوصفها لحظة مصالحة، بل بوصفها محطة في مسار منافسة تتصاعد على كل الجبهات: الاقتصاد، والتكنولوجيا، وتوازنات النفوذ من آسيا إلى الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، مع بقاء تايوان بؤرة الخطر الأكثر قابلية للاشتعال. شي جين بينغ يبدو أكثر وضوحًا في تصوراته واستعداده للمواجهة، بينما يظل موقف ترامب في موقع غير قابل للتنبؤ بالكامل، وهو ما يزيد من قلق الحلفاء ويفتح مجالًا واسعًا للحسابات الخاطئة. في مثل هذه الأجواء، قد تتحول الدبلوماسية إلى لغة تهدئة مؤقتة.

اضف تعليق