إسلاميات - القرآن الكريم

ضوابط التأويل: الإحاطة العلمية والمرجعية السماوية

(هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) (7)

الإحاطة العلمية بالمنظومة العَقَدية، القِيمية، الثقافية، الفكرية، البلاغية، والأحكامية القرآنية، ومن دون تلك الإحاطة الشاملة، فانه لا يصح عقلاً ولا يجوز شرعاً خوض لجج البطون والاقتحام في مجاهيل المتشابهات لاقتناص شوارد المباني وحقائق المعاني وأسرار الحِكَم ولطائف الكَلِم. ويدلّ على ذلك العقل الاعتبار والأدلة النقلية والأخبار، أما الاعتبار...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ) (سورة آل عمران: الآية 7).

يدور الحديث حول ضوابط التأويل وقد مضت الإشارة إلى بعض الضوابط، ونضيف:

الإحاطة العلمية بالمنظومة القرآنية

أولاً: الإحاطة العلمية بالمنظومة العَقَدية، القِيمية، الثقافية، الفكرية، البلاغية، والأحكامية القرآنية، ومن دون تلك الإحاطة الشاملة، فانه لا يصح عقلاً ولا يجوز شرعاً خوض لجج البطون والاقتحام في مجاهيل المتشابهات لاقتناص شوارد المباني وحقائق المعاني وأسرار الحِكَم ولطائف الكَلِم.

ويدلّ على ذلك العقل الاعتبار والأدلة النقلية والأخبار:

العقل شاهد ودليل

أما الاعتبار، فان المتكلم إذا جاء بمنهج جديد وأسلوب فريد ومصطلحات غامضة أو مبهمة أو مجملة أو متشابهة ومزجها بالمحكمات والبينات، وفكّك في كثير من الأحايين إرادته الاستعمالية عن إرادته الجدية ونسخ حكماً أو أمراً ولم يبيّن لنا الناسخ من المنسوخ، والحاصل: انه إذا تفرد، إجمالاً، في مضامين بطونه ومعانيه وفي كيفية تشبيك درره ولئاليه، فانه لا يصح لعاقل ان يفسّر حتى آية من آياته إلا إذا أحاط بأسرار منهجه وأسلوبه ومبانيه ومنظومته بأكملها، إذ مادام دأبه تفكيك الإرادتين فلعل ما جاء به في ظاهر لفظه عاماً كان المراد به الخاص، ولعل ما أطلقه أراد به ما قيّده، ولعل ما استخدمه من المحكمات أريد به باطن لا ينمّ عنه ومعنى لا يؤمي إليه؛ ألا ترى ان مؤلفاً قديراً في علم الأصول مثلاً لو صرح بانه غيرّ بعض المصطلحات وطعّم بعضها بما يغايرها واستحدث أخرى غيرها وانه أجمل ذلك كله ولكنه بث عليه القرائن في مجمل صفحات كتابه، لما أمكن تفسير مفردة من مفرداته إلا بعد الإحاطة بكل ما ورد في كتابه؟

والروايات حجة ومستَند

وأما الأخبار فهي طوائف:

الآية أولها في شيء وآخرها في شيء...

1- فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: ( عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ شَيْ‏ءٍ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَأَجَابَنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ ثَانِيَةً فَأَجَابَنِي بِجَوَابٍ آخَرَ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ كُنْتَ أَجَبْتَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِجَوَابٍ غَيْرِ هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ إِنَّ لِلْقُرْآنِ بَطْناً وَلِلْبَطْنِ بَطْنٌ وَلَهُ ظَهْرٌ وَلِلظَّهْرِ ظَهْرٌ، يَا جَابِرُ وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَبْعَدَ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، إِنَّ الْآيَةَ لَتَكُونُ أَوَّلُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وَآخِرُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وَهُوَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ يُتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ)(1) والحديث يشير إلى جوانب من المنهج القرآني العام:

أ- (إِنَّ الْآيَةَ لَتَكُونُ أَوَّلُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وَآخِرُهَا فِي شَيْ‏ءٍ) فكيف نستدل بالسياق على ان هذا الكلام له هذا المساق؟

ب- (وَهُوَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ) فرغم ان أول الآية في شيء وآخرها في شيء مما يشعر بانه كلام منفصل متناثر إلا انه كلام متصل، فهو مما قد جمعت فيه الأضداد: أي انه من نمط الاتصال في الانفصال والانفصال في الاتصال، وأي كلام يشبه ذلك؟ وكيف لنا ان ننال بطونه بل حتى تفسيره مادام متصلّة كالمنفصل ومنفصلُه كالمتصل؟

ج- وهو مع ذلك كله (يُتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ) فإذا كان يتصرف على وجوه وهو متصل رغم تعدد مرامي مباديه ومقاصد خواتيمه، فأي وجه من الوجوه هو المراد؟

ولذلك كله، ولغيره، (لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَبْعَدَ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ) والرواية صريحة في ان تفسير القرآن لا يوجد ما هو أبعد منه من عقول الرجال، فكيف بتأويله؟ والسبب هو ما ذكرناه من جريه على تفكيك الإرادة الاستعمالية، وهي الموضوع له اللفظ، عن الإرادة الجدية وهي التي تفيد واقع مراده ومقصوده.

وبعبارة أخرى: ليست إرادته الاستعمالية مرآةً لإرادته الجدية، فلا تجري حينئذٍ أصالة التطابق بين الإرادتين، فكيف يمكننا حينئذٍ تفسير القرآن الكريم بدون الإحاطة بكل أطرافه وأكنافه؟

من لم يُحِط بخواص القرآن فليس بعالم به

ب- وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (واعلموا رحمكم الله أنه من لم يعرف من كتاب الله عز وجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني وأسباب التنزيل والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر والتقديم والتأخير والمبين والعميق والظاهر والباطن والابتداء والانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنى منه والجاري فيه والصفة لما قبل مما يدل على ما بعد والمؤكد منه والمفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه وأحكامه ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون والموصول من الألفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده، فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله ومتى ما ادعى معرفة هذه الأقسام مدّعٍ بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله (وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) )(2).

إذاً: من لم تتوفر له الإحاطة العلمية بكل ذلك (الناسخ والمنسوخ، الخاص والعام، المحكم والمتشابه، الرخص والعزائم... إلخ) فانه بنص الإمام (عليه السلام) (ليس بعالم بالقرآن) وهل للجاهل بالشيء ان يفسّره؟ و(لا هو من أهله) ولا من حملته وشراحه ومفسريه بل فوق ذلك انه (ومتى ما ادعى معرفة هذه الأقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله (وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) وقد قال تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (سورة يونس: الآية 59).

المحتملات الخمس في (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ)

ولنمثل لذلك بمثال مميّز، يمتلك الموضوعية في حد ذاته والقيمة الذاتية كما يمتلك الشهادة على ما قلناه والطريقية، فقد قال تعالى: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (سورة البقرة: الآية 256) والآية، في بدو النظر ظاهرة المعنى محكمة في النظرة الأولى، فقد يتوهم انها لا تحتاج إلى بيان وشرح أو ان تفسيرها مسموح به وجائز، ولكن أين نحن من قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (سورة النحل: الآية 44) وهو عام للذكر كله بمحكمه ومتشابهه بل هو أولى بالصدق على المحكم لأنه ذِكر، أما المتشابه فليس في ظاهره ذكراً ومذكّراً وتذكيراً، فما هو ذكر عرفاً يحتاج إلى البيان فما بالك بغيره؟ فتأمل

وعلى أي تقدير نقول: المحتملات في الآية الشريفة خمسة:

الاحتمال الأول: ان الآية نافية وليست ناهية، وانها مشيرة إلى حقيقة تكوينية وليست مفصحة عن قضية تشريعية، وان المراد: ان الدين أمر قلبي إذ هو الاعتقاد بالله تعالى ووحدانيته مثلاً، والقلب مما لا يمكن الإكراه عليه، إذ يمكنك ان تقسره على أن يقول أنا مسلم أو أنا مسيحي مثلاً ولكن لا يمكن تغيير ما ينعقد عليه قلبه بالقوة أبداً، فتلك حقيقة تكوينية – سيكولوجية تشف عن ان القلب منطقة شاردة أو حرة لا يمكن للأدوات المادية والسلطة والقوة القهرية أن تتحكم فيها أو تغيرها بطريقة قسرية.

الاحتمال الثاني: ان الآية ناهية وليست نافية، ولكن المراد بها أمر خاص في مورد خاص وهو إكراه أهل الكتاب أي انكم إذا قاتلتم أهل الكتاب فلا تكرهوهم على الإسلام بل خيّروهم بينه وبين أداء الجزية، فلا إكراه في الدين يراد به هذا المعنى المحدد الضيق، كما قاله بعض المفسرين.

الاحتمال الثالث: انها عامة وانها ناهية عن الإكراه على أصل الدين، أو الإكراه على أية خصوصية من خصوصياته، وهذا هو ما يستشهد به بعضهم مستدلين بعموم اللفظ، لكن تقع عليهم عهدة إثبات انها ناهية لا نافية.

وفي تفسير علي بن إبراهيم القمي عكس هذا الاحتمال، قال: (أَيْ لَا يُكْرَهُ أَحَدٌ عَلَى دِينِهِ- إِلَّا بَعْدَ أَنْ‌ قَدْ تَبَيَّنَ‌ لَهُ‌ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(3).

الاحتمال الرابع: انها وإن كانت عامة وناهية ولكنها منسوخة بآية القتال وهي: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (سورة التوبة: الآية 73، وسورة التحريم: الآية 9) وكما دلت عليه بعض الروايات والأقوال، ومع وجود هذا الاحتمال كيف نبني على الاحتمال الثالث؟ بل ومع وجود الاحتمالين الأولين كيف ندّعي بانه أراد الثالث خاصة(4)؟ بل ومع وجود الاحتمال الخامس الآتي وهو:

الاحتمال الخامس: ما ذكره بعض المفسرين ودلّت عليه بعض الروايات كرواية ابن أبي يعفور من ان المراد بالآية الكريمة (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) أي لا إكراه على التشيع وأن العامي لا يكره على ان يتشيع وإن كان يمكننا فرضاً إكراهه على ذلك، بل وإن عرف الحق وبقي منكراً له جاحداً!

فلاحظ بعض ما جاء في حديث ابن أبي يعفور: (ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): أَلَا تَسْمَعُ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) يَعْنِي مِنْ ظُلُمَاتِ الذُّنُوبِ إِلَى نُورِ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ؛ لِوَلَايَتِهِمْ(5) كُلَّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّهِ وَقَالَ: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى نُورِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَنْ تَوَلَّوْا كُلَّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَرَجُوا بِوَلَايَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ النَّارَ مَعَ الْكُفَّارِ (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏) )(6).

وروى في العياشي: (قَالَ قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ عَنَى بِهَا الْكُفَّارَ حِينَ قَالَ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) قَالَ فَقَالَ: وَأَيُّ نُورٍ لِلْكَافِرِ وَهُوَ كَافِرٌ؟ فَأُخْرِجَ مِنْهُ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِهَذَا... إلى آخر الحديث)(7)

ومن ذلك كله يظهر ان الظواهر أيضاً لا يمكن التمسك بها، إلا بعد الإحاطة العلمية بكل المنظومات والمجاميع العلمية والمعرفية المحتمل ارتباطها بالآية الشريفة نظراً لكونها من أطراف الشبهة المحصورة، وشبهة تفكيك الإرادة الجدية عن الإرادة الاستعمالية.

هل روايات العرض على الكتاب، تثبت حجيته مطلقاً؟

ولكن قد يعترض على ذلك بروايات العرض على الكتاب العزيز:

فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط) انتهى وكيف يمكن العرض ولا يفهم به شيء)(8).

وقد وردت في الكافي الشريف الروايات التالية:

- عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): (إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَ عَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ)(9).

- مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ أَنَّهُ حَضَرَ ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ قَالَ: (سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) عَنِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ يَرْوِيهِ مَنْ نَثِقُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا نَثِقُ بِهِ قَالَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمْ لَهُ شَاهِداً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وَإِلَّا فَالَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ أَوْلَى بِهِ)(10).

- عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: (كُلُّ شَيْ‏ءٍ مَرْدُودٌ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ)(11).

- مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: (مَا لَمْ يُوَافِقْ مِنَ الْحَدِيثِ الْقُرْآنَ فَهُوَ زُخْرُفٌ)(12).

- مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ وَ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: (خَطَبَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) بِمِنًى فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ وَمَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ)(13).

والجواب من وجوه:

أولاً: قوله (صلى الله عليه وآله) (حديث) في بعض الروايات السابقة غير معرفة(14) في سياق الإثبات، والقاعدة المشهورة هي ان النكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم.

ثانياً: ان القرائن ومنها مناسبات الحكم والموضوع والسيرة القطعية تفيد ان المراد من (إذا جاءكم عني حديث) ليس أي حديث ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل أ- اما خصوص الأحاديث المتعارضة، ولذا صرح في بعضها بـ(عَنِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ) ولذلك نقلها الأصوليون في باب التعارض، ب- أو الأحاديث المخالفة بظاهرها للعقل أو للمنظومة العامة للشريعة، أي ليس الكلام عن كل حديث، فان من البديهي ان المسلمين عندما كانوا يسمعون خطب الرسول (صلى الله عليه وآله) وكلماته كانوا يرونها أوامر ونواهي لازمة الإتباع ومواعظ وحكم تصقل القلوب وتجلو الأفكار، ولم نجد أحداً منهم طوال عشرتهم للرسول (صلى الله عليه وآله) قال عندما سمع منه (صلى الله عليه وآله) حديثاً: ان هذا الحديث يجب ان نعرضه أولاً على الكتاب ثم هو حجة عليها؟ أو ثم يجب علينا ان نعمل به؟

ثالثاً: ان معرفة كتاب الله تعالى أُخِذت مفروغاً عنها في الرواية (فما وافق كتاب الله) مما يعني انكم متى عرفتم كتاب الله ومراداته الجدية والاستعمالية فاعتبروه حينئذٍ الحكم والمرجع وليس قبل ذلك، وبعبارة أخرى: (كتاب الله) إذا عرفته والمراد منه، فحينئذٍ قس الأحاديث عليه فما وافقه فخذه وإلا فأطرحه، بعبارة ثالثة: ههنا حكم وموضوع وصفة، والموضوع هو (كتاب الله) والصفة (ما وافقه) والحكم (فاقبلوه) فإذا أحرزنا ان هذا كتاب الله وأحرزنا موافقة الحديث له أخذنا به، لكن الكلام كله في ما هو المراد بكتاب الله، فهل المراد به ظاهره أو معناه الكنائي أو المجازي؟ وهل هو منسوخ أو لا؟ متشابه أو لا؟ رخصة أو لا... إلخ؟

بعبارة رابعة: ان التمسك بهذه الرواية لإثبات حجية كل الكتاب تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، والتمسك بها فرع إثبات حجيته بأكمله أي كونه محكماً بكل آياته بل قد يقال إن محكماته بقول مطلق المسلّمة في كل جهاتها قليلة، وسيأتي الإطار العام الذي يجمعها، بل ان المحكمات غالباً مختلطة مع المتشابهات أي انه لا يعلم المحكم الذي كان عمومه مراداً غير مخصص وغير منسوخ، من غيره.

والحاصل: ان آيات الكتاب لا تكون غالباً محكمة إلا بعد الإحاطة بكل منظومته العلمية أولاً وبعد الرجوع إلى الراسخين في العلم ثانياً، وهي الضابط الثاني الآتي، فعندئذٍ تعرض عليه الأحاديث المتعارضة ويكون المرجع والحكم، لا قبل ذلك، وسيجيء في الدرس اللاحق مزيد تحقيق لهذا وتنقيح، كما سنبين الجمع بين هذا المبنى وبين الآيات الآمرة بالتفكر والتدبر كـ(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) (سورة النساء: الآية 82) كما سيجيء الفرق الدقيق والكبير بين مبنانا وبين مبنى بعض الاخباريين الذين ذهبوا إلى ان القرآن ليس حجة علينا واننا لا نفهمه بل إنما يفهمه الذين نزل في بيوتهم فقط وأننا مأمورون بالرجوع إلى الأحاديث فقط.

المرجعية السماوية

ثانياً: المرجعية السماوية، وذلك يعني انه لا يجوز الخوض في بطون القرآن الكريم أبداً إلا في الحدود التي أعطاناها الراسخون في العلم وذلك لصريح الآية والروايات:

أما الآية الكريمة فقوله تعالى: (وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) بل صرح قبل ذلك بـ(فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ) فمن يبغي تأويله ويتبع ما تشابه منه من دون الرجوع إليهم صلوات الله عليه فهو أحد صنفين (مبتغٍ للفتنة، ومبتغٍ لتأويله من غير صلاحية له ومن غير وجهٍ حق).

علّمني (صلى الله عليه وآله) تأويلها وتفسيرها

وأما الروايات فقد روي في الكافي بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين يقول: وساق الحديث إلى أن قال: (فَمَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيهَا وَأَمْلَاهَا عَلَيَّ فَكَتَبْتُهَا بِخَطِّي وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا وَتَفْسِيرَهَا وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا وَمُحْكَمَهَا وَمُتَشَابِهَهَا وَخَاصَّهَا وَعَامَّهَا وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَهَا وَحِفْظَهَا فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَيَّ وَكَتَبْتُهُ مُنْذُ دَعَا اللَّهَ لِي بِمَا دَعَا وَمَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ وَلَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ كَانَ أَوْ يَكُونُ وَلَا كِتَابٍ مُنْزَلٍ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا عَلَّمَنِيهِ وَحَفِظْتُهُ فَلَمْ أَنْسَ حَرْفاً وَاحِداً ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَدَعَا اللَّهَ لِي أَنْ يَمْلَأَ قَلْبِي عِلْماً وَفَهْماً وَحُكْماً وَنُوراً فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مُنْذُ دَعَوْتَ اللَّهَ لِي بِمَا دَعَوْتَ لَمْ أَنْسَ شَيْئاً وَلَمْ يَفُتْنِي شَيْ‏ءٌ لَمْ أَكْتُبْهُ أَفَتَتَخَوَّفُ عَلَيَّ النِّسْيَانَ فِيمَا بَعْدُ فَقَالَ لَا لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ)(15) ورواه العياشي في تفسيره والصدوق في إكمال الدين بتفاوت يسير في ألفاظه.

والرواية واضحة الدلالة على ان التفسير أيضاً بحاجة إلى تعليم فكيف بالتأويل فلاحظ قوله (عليه السلام): (وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا وَتَفْسِيرَهَا وَنَاسِخَهَا وَمَنْسُوخَهَا وَمُحْكَمَهَا وَمُتَشَابِهَهَا وَخَاصَّهَا وَعَامَّهَا وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَهَا وَحِفْظَهَا) وإذا كان مثل علي بن أبي طالب وهو الذي قال فيه الرسول (صلى الله عليه وآله): (أَعْلَمُكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ)(16) و(أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ)(17) يصرح بان الرسول (صلى الله عليه وآله) علّمه تفسيرها وتأويلها فما بالك بنا نحن؟ إذ تفيد الرواية بالصراحة ان التفسير أيضاً بحاجة إلى تعليم من الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلا لكان تعليمه التفسير لغواً، بدعوى ان ظواهر القرآن عرفية فنرجع فيها إلى العرف من غير حاجة إلى تفسير الرسول (صلى الله عليه وآله)؟

ومن الواضح، كلامياً، ان ذلك التعليم في مرحلة الظاهر، وإلا فانهم كانوا أنواراً بعرشه محدقين وانه (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقوله تعالى: (وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) (سورة آل عمران: الآية 61).

وجعله النبي عِلماً باقياً في أوصيائه

وورد أيضاً عن إسماعيل بن جابر قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) يقول: (إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء فلا نبي بعده وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب فلا كتاب بعده أحل فيه حلالاً وحرم حراماً فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم وجعله النبي (صلى الله عليه وآله) علماً باقياً في أوصيائه فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان وعدلوا عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم وأخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم، قال الله سبحانه: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى‏ خائِنَةٍ مِنْهُمْ) (سورة المائدة: الآية 13) وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض واحتجوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره إذ لم يأخذوه عن أهله فضلوا وأضلوا)(18) فلاحظ صريح قوله (عليه السلام): (وجعله النبي (صلى الله عليه وآله) علماً باقياً في أوصيائه) وليس علماً لجميع الناس فكان على الناس ان يأخذوه منهم، بعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه.. الخ فانهم الشهداء.. لكنهم اعرضوا عنهم واتبعوا غيرهم.. إلخ.

والحاصل: انه لا يصح التأويل إلا بعد الإحاطة بكل القرآن الكريم الذي لا يتيسر إلا بالرجوع إلى الراسخين في العلم، فإذا أوّلوا (عليهم السلام) الآية الكريمة بأمر كان حجة ولا يجوز لنا ان نتعدى منه إلى غيره أبداً.. ولنمثل لذلك بمثال لطيف حسبما جاء في تفسير البرهان:

تأويل الآخرة بالرجعة والولاية

(الآخرة – فقد ورد تأويلها بأشياء:

الأول: بالأئمة الآخرين أي غير الإمام الأول كما في الكافي وغيره عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُشْرِكينَ * الَّذينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) (سورة فصلت: الآية 6-7) يعني ويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول (عليه السلام) وهم بالأئمة الآخرين كافرون، الخبر. ودلالته على تأويل المشرك بمن أشرك مع إمام الحق إماماً آخر كما سيأتي في الشرك ومر في الفصل السابق من المقالة السابقة وعلى تأويل الآخرة بالأئمة، ظاهرة)(19).

أقول: هذا تأويل كما صرح به وليس تفسيراً، وهو لا يتضارب مع التفسير كما قد يتوهمه الجاهل بالمقصود، إذ كل منهما مراد: أي ان هذا (أي الشرك بالله والكفر بالآخرة أي القيامة) هو معناها الظاهر وهو مراد، وذاك (أي الشرك بالإمام الأول علي بن أبي طالب (عليه السلام) والكفر بالإمام الآخر وهم سائر الأئمة وصولاً إلى الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه) هو المعنى الباطن وهو مراد أيضاً..

وأقول: لو ان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) شرح الآية الكريمة، بنحو التأويل بل حتى لو فسرها بذلك على انه بنحو التنزيل وان هذا المعنى الثاني هو المراد، وثبت ذلك عنه بالنص الصحيح الصريح، أكان يمكن لأحد الاعتراض؟ كلا وألف كلا، إذ يقول تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ويقول: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في‏ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً) (سورة النساء: الآية 65) فكذلك إذا فسّر الإمام علي (عليه السلام) الآية وقد قال فيه الرسول (صلى الله عليه وآله): (أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعلي بَابِهَا، فَمَنْ أَرَادَ مَدِينَةَ الْعِلْمِ فَلْيَأْتِهَا مِنْ بَابِهَا)(20) وكذا لو فسر سائر الأئمة (عليهم السلام) الآية الكريمة إذ قد أودعهم الرسول (صلى الله عليه وآله) علمه فحكمهم حكمه وقولهم قوله.

و(الثاني: بولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) كما في الكافي وغيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى‏) (سورة الأعلى: الآية 17) ولعل العلة في هذا التعبير كون الأمر بالولاية آخر الأحكام كما يدل عليه أخبار يوم الغدير وما مر في الفصل الثاني من المقدمة الثانية من تأويل قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ) (سورة سبأ: الآية 46) وما مر آنفاً عن تفسير الإمام (عليه السلام) يوم الغدير.

الثالث: بالرجعة والكرة ودولة الحق كما في تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في قوله تعالى: (الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) (سورة الأنعام: الآية 113 و150) يعني لا يؤمنون بالرجعة أنها حق.

وفي كتاب في الرجعة لبعض إخواننا عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في قوله تعالى: (وَمَنْ كانَ في‏ هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) (سورة الإسراء: الآية 72) يعني لا يؤمنون في الرجعة.

وفي تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى‏) (سورة الضحى: الآية 4) قال: يعني الكرة في الآخرة للنبي (صلى الله عليه وآله))(21).

هل النص الديني صامت ومتحول؟

ومن ذلك كله نكتشف مكامن الإشكال فيما ذكره بعض الحداثويين قائلاً: (السبب في ذلك هو أنّ النص الديني (القرآن والسنة) صامت ونحن نستعين دائماً في فهم النصوص الدينية وتفسيرها – سواء في الفقه أو الحديث أو تفسير القرآن – بمجموعة من التوقعات والتساؤلات والافتراضات المسبقة؛ وبما أنّه لا يُمكن تبلور أي تفسير من دون الاعتماد على أيّ توقع أو تساؤل أو خلفية مسبقة، وبما أنّ هذه التوقعات والتساؤلات والخلفيات تأتي من خارج الدين، وبما أنّ ما هو خارج عن الدين متغيّر وسيّال – حيث إنّ العلم والفلسفة والنتاجات الفكرية الإنسانية في حالة تزايد وتراكم مستمرّ – فإنّ التفسيرات التي تتبلور في ظلّ هذه التساؤلات والتوقعات والافتراضات ستكون متنوعة ومتحولة)(22)

الأجوبة

ولكن هذا الكلام يعاني من نواقص وإشكالات متعددة:

النقض بنصوص المؤلف وانها تحمل رسالة واضحة

أولاً: انه ينقض عليه بنفس هذا النص الذي كتبه وحمل به فكرته ورسالته للقراء والباحثين فنقول له: ان هذا النص الذي كتبته صامت، والقراء يستعينون في فهم نصوصك، ككل النصوص الصامتة الأخرى، بمجموعة من التوقعات والتساؤلات والافتراضات المسبقة... إلخ فهل يرتضي هو ذلك؟ أي هل يعتقد بان هذا النص الذي كتبه يحمل رؤية معينة ورسالة معينة يريد إيصالها إلى الناس وانه كتبه بلغة معهودة عقلائية واضحة بحيث يفهم الجميع مقصوده، سواء أقبلوه أم رفضوه، أم يقول ان نصه هذا يخضع لتفسيرات متنوعة ومتحولة بحيث يكون سيّالاً ولا اقتضائياً بحسب نصوصه الأخرى إذ (يُبيّن هذا الكاتب في مؤلفاته الأخرى هذا الرأي بتعابير أخرى؛ نظير: لا اقتضائية النصّ بالنسبة إلى المعاني، عدم تعيّن المعنى وأمثال ذلك. وفي ضمن حديثه عن سبب الاختلاف في الأفهام يقول: ويرجع تنوّع الأذهان في النهاية إلى تنوّع النصّ؛ والمراد من ذلك أنّ النصّ في علاقته بالمعاني يتّصف باللاقتضاء... إنّ النصّ حقيقةً وذاتاً أمر مبهم ويتضمن العديد من المعاني.. فنحن نواجه في عالم النصّ والرموز نظير عدم التعيّن هذا)(23) (24) فهل يعترف بان نصه أيضاً مبهم؟ وما فرق نصّه هو عن سائر النصوص؟

النص الديني ناطق

ثانياً: ان النص الديني ليس بصامت، بل هو ناطق، كما هنالك من نطقوا ببيانه وتفسيره وهم المرجعية فيه (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)...

ولهذا الجواب تتمة كما ان هناك مجموعة أجوبة أخرى مستوعبة تتكفل بدفع شبهة الهرمينوطيقيين بشكل كامل(25).

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

.............................................
(1) محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي، المطبعة العلمية ـ طهران، ج1 ص12، وعنه بحار الأنوار: ج89 ص95.
(2) بحار الأنوار: ج90 ص3.
(3) علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، دار الكتاب ـ قم، ج1 ص84.
(4) إلا إذا استندنا إلى خبر معتبر.
(5) هذا تعليل لما سبقه.
(6) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج1 ص375.
(7) محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي، المطبعة العلمية ـ طهران، ج1 ص138.
(8) الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، مكتبة الصدر ـ طهران، ج1 ص36.
(9) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج1 ص69.
(10) المصدر.
(11) المصدر.
(12) المصدر.
(13) المصدر.
(14) بالمصطلح الدارج: نكرة.
(15) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج1 ص64.
(16) الكافي: ج7 ص423،
(17) الاحتجاج، ج2 ص353.
(18) الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، مكتبة الصدر ـ طهران، ج1 ص38-39.
(19) مقدمة تفسير البرهان، حققه وعلّق عليه لجنة من العلماء والمحققين الاخصائيين، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، المقدمة ص121.
(20) الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم: ص429.
(21) مقدمة تفسير البرهان، حققه وعلّق عليه لجنة من العلماء والمحققين الاخصائيين، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، المقدمة ص121.
(22) سروش، صراطهاى مستقيم، ص2و3.
(23) سروش، "حقانيت، عقلانيت، هدايت"، مجلة: كيان، العدد 40، ص16.
(24) محمد باقر سعيدي روشن / ترجمة: رضا شمس الدين، منطق الخطاب القرآني – دراسات في لغة القرآن -، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ـ بيروت، ص367-368.
(25) وراجع كتاب (نسبية النصوص والمعرفة... الممكن والممتنع) و(نقد الهرمينوطيقا) للمؤلف.

اضف تعليق