علم الماضي أو (علم التاريخ) مطروق لدينا في الجملة وإلى حد ما وإن كان (علم فلسفة التاريخ) وهو علم مستبطن في ذاك العلم، بل هو مباين له، مهملا عندنا، لكن علم المستقبل بشكل عام مهمل. وعلم المستقبل هو من العلوم التي قد تكشف كما قد...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الارضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) ([1])

بين علم التاريخ وعلم المستقبل

ان من أهم العلوم المجهولة لدينا نظرياً، والمهملة عملياً وتطبيقا: (علم المستقبل) وسيدور الحديث هذا اليوم حول هذا المحور بإذن الله تعالى وعلى ضوء هذه الآية الشريفة وبعض الروايات:

هناك علمان متقابلان، أحدهما: علم التاريخ وهو يتحدث عن الماضي، اي ماضي الأفراد والأمم والشعوب والاديان والحضارات وغيرها، ثانيهما علم آخر يتعلق بالمستقبل.

ان علم الماضي أو (علم التاريخ) مطروق لدينا في الجملة وإلى حد ما وإن كان (علم فلسفة التاريخ) وهو علم مستبطن في ذاك العلم، بل هو مباين له، مهملا عندنا، لكن علم المستقبل بشكل عام مهمل.

وعلم المستقبل هو من العلوم التي قد تكشف كما قد ترسم مستقبل أمة أو حضارة أو شعب أو دولة أو حزب أو عشيرة أو فرد أو عائلة.

مثلا: ان هذا الشخص، وقد يكون ابنكم، أو أخاكم، أو عمكم، أو ابن عمكم، أو زميلكم في الدراسة، هذا الطبيب وذاك المحامي، ما هو مستقبله بعد عشر سنوات أو عشرين سنة؟ كيف سيكون بعد هذه المدة من الزمن؟ وهذه الدولة هنا في الشرق أو في الغرب ما هو مستقبلها؟ يعني: ان مجمل أوضاعها وحركاتها وتفاعلاتها مع الأوضاع المحلية والعالمية إلى ماذا تؤدي بعد خمس سنوات أو بعد خمسين سنة؟

وعلم المستقبل من العلوم التي تكشف بنحو (الأمارية) لا بنحو (اليقين)، لأن اليقين وعلم الغيب بيد الله والراسخين في العلم، لكن هذه امارات ظنية تصيب في أكثر الأحيان وقد تخطئ، كما هو الحال في (علم الطب)، إذ الطبيب يكتشف من الأمارات المرض وقد يخطئ، ولكنه يبقى علماً من العلوم وينبغي أن يُسلك ويطرق.

ضوابط استكشاف المستقبل:

فما هي الضوابط لاستكشاف المستقبل؟ لان كل علم يحتاج إلى ضوابط، ولا يعني علم المستقبل مجرد التنبؤ الكلي الهلامي والدعوى الضبابية.

ان لعلم المستقبل ضوابط محددة شأنَه شأن بقية العلوم، حيث يمكن للإنسان أن يرى نفسه في مرآة علم المستقبل بعد بضع سنوات، هل سيكون من الأولياء أو يتراجع تقوى وورعاً او يكون كما هو هو الان؟ هل سيكون من المجتهدين أو المراجع أو القادة أو غيرهم أو لا؟ وهل سيكون ممن يترك تأثيرا على مساحة الملايين من الناس إيجابا بإذن الله أو سلبا لا سمح الله او لا؟ هل حب الشهرة والرياسة والمال سيزداد عمقاً وتجذراً فيه وسيكون عندئذ لا سمح الله أسير هذه الشهوات، ام لا بل سينتصر على هذه الرذائل والآصار؟

علم المستقبل له ضوابط كثيرة، وسوف نذكر ضابطين من أكثرها يسرا، لأن بعض الضوابط دقيقة تحتاج إلى معلومات كثيرة وإلى تفكر مستدام وإلى معرفة المداخلات والمتداخلات، لكن هناك ضوابط سهلة نسبيا، وعامة، بمعنى ان كل أحد عندما تطرح عليه سيراها على القاعدة كما يمكن أن يطبقها في الجملة:

1) استطلاع وتقييم ماضي الدنيا والدول والجماعات والأفراد

المؤشَّر الأول: ملاحظة ماضي الدنيا فإن ماضي الدنيا يكشف عن مستقبلها، وهذا الضابط بالذات مذكور في الروايات، وقد جاء في إحداها ما مضمونه: "أنه إذا أردت أن تعرف مستقبل الدنيا فانظر إلى ماضيها".

مثلا لو اردتم أن تكتشفوا بأن هذا الشخص الذي يدعي بأنه لو وصل إلى الرياسة في دولة أو في شركة أو في مؤسسة هل سيكون صادق الوعد؟ فان الكثير من الناس يَعِدون، لكن كثيراً منهم يخلفون الوعد، وكثير من الناس – في إطار بحثنا - يكذب في وعده، مثلا عندما يريد أن يتزوج فانه يعد أهل الفتاة بوعود ثم يضرب بها عرض الجدار، فإذا أرادوا أن يكتشفوا هل أن هذا الإنسان صادق في وعده أم لا فماذا يصنعون؟

وكما في الزواج، كذلك في الرياسة، في الشركة، في المال، وفي كل حقل من الحقول فان هذا البحث سيال وعام.

فالمقياس الاول هو ان تلاحظ ماضي ذلك الشخص، فهل كان عندما يعد اولاده واسرته ممن يفي بوعده أم لا؟ أو هل كان وهو موظف بسيط، عندما يَعِد ان يدفع مبلغاً محدداً لمشروع خيري، ممن يفي أو لا؟ وهل هو ممن كان عندما يعطي كلمة يلتزم بها أم لا؟ يجب أن ننظر إلى ماضيه وعلى مستوى الأمور الصغيرة أيضاً، فإذا رأيت هذا الشخص لا يلتزم بوعوده في الأمور الصغيرة أو كان كاذباً في وعوده في ماضي أيامه فما بالك بالأمور الخطيرة في مستقبل أيامه؟ فهذا إذا صارت الدولة بيده أو صارت الامة بيده أو المليارات بيده فكيف يصنع، فإذا كان في الدينار الواحد يكذب، فكيف بالمليارات إذا حطّت أمامه؟ وهكذا في باقي الامور، وهذا مقياس جدا واضح، ولكن أكثر الناس مع الأسف غافلين عنه في الكثير من القضايا.

والمهم في الإنسان أن يراقب نفسه: فقد ادعي باني من الصالحين، فعليَّ ان انظر في الامتحانات الصغيرة البسيطة السابقة وفي عهدي مع الله تعالى، أكنــت صادقا ام لا؟ فكيف بالكبيرة اللاحقة الآتية؟

شأن النزول خاص والآية عامة(2)

ان شأن نزول الآية الشريفة هو ثعلبة بن حاطب، (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) وفضل الله ليس خاصاً بالمال، ولكن شأن النزول في ثعلبة بن حاطب وطلبه المال، فان البعض قد يعد ويقول: "لإن آتاني الله من العلم" والعلم فضل من الله، أو "من المال" أو "من الرياسة" أو "من الشهرة لأفعلنَّ كذا وكذا وسأجنِّد طاقاتي لخدمة الناس وللدين، فهل هو كاذب في وعده أم صادق وهل سيفي بما وعد أم لا؟ ان علينا ان نرى ملفه الماضي كيف هو، هل كان ملتزماً بالعمل بوعوده ام كان كاذبا في وعوده وعهوده وأقواله مع نفسه ولندع وعوده للآخرين الآن؟.

هذا الرجل عاهد الله (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ)، لكن نقول: بل الآن كن صالحا، فلماذا تعد أن تكون صالحا في المستقبل؟

ان الكثير منا هو هكذا، وبعض الشباب مثلاً يطلب من أهله أن يذهب إلى الجامعة الفلانية أو إلى دولة غربية، ويعِد اهله بأنه سيكون ملتزماً اخلاقيا، فليراقبوا سلوكه الآن، هل انه وهو في الشارع والأزقة والأسواق والمدرسة ملتزم بالاخلاق العالية؟ فهذا مؤشر ولا نقول انه تام الاقتضاء، بل هو مؤشر على أنه سيكون ملتزما، لكن إذا كان الان ليس بذلك الوضع المنضبط مع وجود الرقابة الاجتماعية، فكيف لو انتقل إلى مكان آخر ولا رقابة ولا ضوابط؟

وهنا نقول: كن الآن صالحا، فلماذا التسويف؟ الآن كن مثالياًّ الآن تصدّق بالقليل الذي عندك! والآن كن كأفضل ما يمكن أن تكونه!

ان ذلك الشخص الذي كان فقيرا(3) الا انه عمل وحصل على صاعين من التمر وجاء الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يحمل احد صاعيه وقال: "يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عملت في النخل بصاعين فصاعاً تركته لأهلي وصاعاً أقرضته ربي"، فتصدق بأحدهما ودفعه للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبقى الآخر لقوت أهله لتلك الليلة أو الأيام القادمة، هذا الشخص صادق، وعمله هذا مؤشر على أنه لو حصل على مليار من الأموال فإنه ايضا سوف سينصِّفها، ان ذلك مؤشر ولا نقول انه علة تامة، اما ذاك الذي يبخل بالقليل الآن فسيبخل بالكثير في المستقبل أيضا.

قضية ثعلبة: البخيل الفيلسوف!

وعَوْداً إلى شأن نزول الآية: فان هذا الرجل – ثعلبة - طلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو له فدعى له النبي – والرواية نصها جدا جميل كما سيأتي - فحصل على غنم – حسب تعبير الرواية -: كانت تنمو كما ينمو الدود حتى ضاق بغنمه المدينة، ولكن: ههنا بخل هذا الرجل!.

الرواية في تفسير القمي، عن الإمام الباقر عليه السلام: (هو ثعلبة بن حاطب الانصاري، كان محتاجا فعاهد الله، فلما آتاه بخل به)،

وجاء في (الجوامع): هو ثعلبة بن حاطب قال يا رسول الله: ادع الله لي أن يرزقني مالا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه) فانه احيانا يمتلك الإنسان كمية زهيدة من المال لكنه يؤدي حقها، لكن بعض الناس إذا تكاثر المال لديه فانه قد يطغى، فلما الحرص على المزيد إذن؟ إن بعض الناس مستواه إدارة شركة أو إدارة محلة، فإن اعطي منصباً أكبر طغى وتجبر، ان على الإنسان أن يراعي هذه الجهة ولا يتملكه الحرص لكي يحصل على فوق ما يمكن أن يؤدي حقه.

(فقال – ثعلبة -: والذي بعثك بالحق لإن رزقني مالا لأعطينَّ كل ذي حق حقه، فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم) له، فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها المدينة!، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المصدِّق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل، وقال: ماهذه إلا أخت الجزية)!.

اللطيف في الأمر أن البخيل يتحول إلى فيلسوف !!، وكذلك الإنسان الفاسق، اعاذنا الله وإياكم، يُفلسف لفسقه، فقد يدعو إلى الفساد الاخلاقي والتحلل والحرية غير المنضبطة ثم يذكر قواعد من علم الاجتماع والنفس لكي تبدو عقلانية منطقية!.

وههنا نجد فلسفة ثعلبة: ان الجزية أمر قبيح بنظره لانها تؤخذ من النصارى ومن اهل الكتاب، فكيف تأخذون مني انا المسلم ما هو اخت الجزية؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يا ويح ثعلبة).

وهناك روايات عديدة في هذا الحقل، نتركها إلى المستقبل إن شاء الله.

لا تقل: لاكونن من الصالحين، بل كن منهم!

إذن نقول: ماضي الدنيا يكشف عن مستقبل الدنيا. والإنسان إذا قال [سأكونن من الصالحين] يجب أن نشك في كلامه، إذ يجب عليه أن يكون الآن من الصالحين. انه يقول أنه إذا تعرض إلى امتحانات كبرى هناك سأكون من الصادقين والصالحين لكنه الآن يسقط في امتحان نظره واحدة، فكيف إذا تعرض لامتحان صعب؟ فلا تقل إن كنت صادقاً [لأكونن من الصالحين]! بل كن الآن من الصالحين.

مرض التسويف

ان المشكلة الأساسية في الإنسان هي (التسويف)، هذا الداء العضال، والذي يسوّف يجب ان يُخشى منه وعليه ان يخشى من نفسه؛ إذ تجد ان عليه قضاء صلوات ثم يسوّف، أو عليه ديون وحقوق شرعية فيسِّوف، يقول: غدا وبعد غد، او يجب عليه أن يكتب كتابا في الدفاع عن أهل البيت عليهم السلام فيسوف، فالمشكلة كل المشكلة في التسويف.

ثم ان الذي كان يسِّوف في الماضي، يكون مضارعه أخطر من ماضيه إذ بمرور الزمن تضعف عزيمة الإنسان وهمته كما ثبت بالتجربة.

ان هذا الذي تقول له الآن: جنِّد طاقاتك لخدمة أهل البيت عليهم السلام، حضّر للمنبر جيدا، اكتب وربّ الناس واهدهم، أرشدهم، فرّغ نفسك لذلك، فيقول: إن شاء الله في المستقبل سأفعل، فاعلم انه يحتمل بدرجة كبيرة ان يكون كاذباً من حيث يدري او لا يدري.

ان قولنا (لأفعلن كذا) ينبغي ان يلغى من قاموس حياتنا بل من قاموس الإنسانية، ويجب ان تستبدل بـ(انني فاعل ذلك الآن)

أدخِل (سوف) على المعاصي لا الطاعات!

وقد كنت أقول لأحد الاخوة في حديث أخوي لطيف، قلت له: سين التسويف ادخلها على المعاصي، وألغها من الطاعات.

فان كثيراً من الناس في الطاعات يُسِّوف، فقد ينوي أن يكتب كتاباً مثلا لكنه يقول: الآن لست في مزاج جيد ويوجد متسع من الوقت إن شاء الله غدا، فـ(سأكتب حينذاك) وهذه الـ(غدا) تصبح بعد غد وهكذا.. وقد لا يوفق أبداً.

أما المعصية فيبادر لها لا سمح الله، فهذه الـ(سين) أو (سوف) يجب ان يدخلها الانسان على المعصية، مثلا يريد أن ينظر إلى إمرأة- لا سمح الله - أو أن يكذب أو أن يغتاب، فإذا لم يقدر أن يردع نفسه كاملا، فليقل مثلا: يوجد مجال للغيبة غدا، فلماذا الآن اغتاب صاحبي؟ فهكذا ينبغي ان يماطل نفسه عن المعاصي، لا ان يماطلها في الطاعات

الأمير (عليه السلام): لا تقل غداً وبعد غد

وهذا ما تشير له الرواية الشريفة الأخرى، من كلام الإمام علي عليه السلام الذي يكشف عن هذه القاعدة من قواعد علم المستقبل؛

يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: "فَارْفُضِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي وَيُصِمُّ وَيُبْكِمُ وَيُذِلُّ الرِّقَابَ، فَتَدَارَكْ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِكَ وَ لَا تَقُلْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى الْأَمَانِيِّ وَ التَّسْوِيفِ حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللَّهِ بَغْتَةً وَ هُمْ غَافِلُونَ فَنُقِلُوا عَلَى أَعْوَادِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمُ الْمُظْلِمَةِ الضَّيِّقَةِ وَقَدْ أَسْلَمَهُمُ الْأَوْلَادُ وَالْأَهْلُونَ فَانْقَطِعْ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا وَ عَزْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْكِسَارٌ وَ لَا انْخِزَالٌ أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ عَلَى طَاعَتِهِ وَ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ لِمَرْضَاتِه"([4])

ان حب الرياسة، وحب المال، وحب الراحة، او حب النوم، او حب جلسات البطالين وما أشبه ذلك – والإنسان بطبعه يحبها اعاذنا الله وإياكم منها والكل يجمعه (حب الدنيا) – كل ذلك يُعمِي والاعمى يقع في البئر لا محالة، ويُصِم وحينما يصبح الانسان أصما فانه لا يسمع الحق، ويبكم وحينما يصبح الانسان أبكما فانه لا ينطق بالحق، لانه منتكس في وحل الدنيا، فكيف يعظ الناس؟ إلا إذا كان محتالا من الدرجة الأولى والعياذ بالله كالحجاج بن يوسف، الذي ورد في التاريخ انه كان يعظ الناس حتى يُبكي ويَبكي!!

كما ان حب الدنيا يذل الرقاب، فلأجل رئاسة أيام معدودات يذل رقبته ويعصي ربه كي يحصل على منصب أو وظيفة أو غير ذلك

ان كلام الإمام (صلوات الله تعالى عليه) هذا، يجب أن يكتب بأحرف من ذهب وأن ينقش على الصدور والقلوب وأن يُتأمل فيه دائما وان يوضع نصب العين أبد الدهر.

يقول تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) وشأن الورود المال، لكن الوارد، إطلاقاً أو ملاكاً، أعم: لئن اتانا من فضله: علما، مالا، شهرة، رياسة او أي شيء آخر، (لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ)

للنفاق سببان: الوعد الكاذب وخلف الوعد

ان (خلف الوعد) و (الوعد الكاذب) بمعنى أن يكذب الإنسان في وعده، كلاهما من أسباب النفاق.

فان النفاق له سببان من جملة الأسباب الرئيسية :

1- السبب الأول: سابق على الشيء.

2- السبب الثاني: لاحق على الشيء.

والآية الشريفة أشارت في لفتة دقيقة إلى كلا السببين وكلا العاملين: العامل السابق وهو الوعد الكاذب، يعني: ان يكذب في وعده، اي ان يقول: سأفعل كذا، وهو عازم على أن لا يفعل، فان هذا يسبب النفاق.

والعامل اللاحق للنفاق: وهو أن يعد وهو صادق حين وعده بينه وبين نفسه وربه لكنه ان تحققت الحاجة يخلف الوعد، وهذا ايضا سبب اخر للنفاق.

(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ (وهذا هو السبب اللاحق) وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (وهذا هو السبب السابق).

وهاتان رذيلتان أخلاقيتان إحداهما محرمة قطعا والثانية فيها كلام:

الوعد الكاذب وهو محرم قطعا، أي الكذب في الوعد فانه محرم قطعا بلا خلاف، وهذا هو السابق وهو مورد حديثنا.

اما اللاحق ففيه كلام، إذا لم يكن ما وعد مما هو في الإطار الكلي للواجبات؛ فخلف الوعد لاحقا في الأمور التي لم تجب بذاتها على الإنسان أو في ضمن شرط، هل هو حرام أم هو رذيلة أخلاقية؟ ذاك كلام آخر، لكن مقدميته إلى النفاق – بنحو العلّة المعدّة وإن كانت بعيدة - والعياذ بالله، مسلّمة.

اعاذنا الله وإياكم من الوعد الكاذب على أنفسنا، أو أهلينا، أو شعبنا، أو أمتنا، ومن الخلف في الوعد، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

.................................................
([1]) التوبة: آية 75 – 77.
([2]) إطلاقاً أو ملاكاً.
([3]) وهو عقبة بن زيد الحارثي.
([4]) الكافي ج2 ص136.

اضف تعليق