الزواج بوصفه رسالة حضارية

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

على كل إنسان أن يبذل ما بوسعه في أمر التزويج، خاصة مع أقربائه وجيرانه والمقربين منه؛ فالعمل بالسنة يستدعي توظيف الإمكانات والوقت لتيسير الزواج وتفعيله بين الأسر، كونه المدخل الأساس لترسيخ العفة وبناء النسل الصالح الذي ينتفع منه العالم لقرون مديدة...

(على كل إنسان أن يبذل ما بوسعه في المساعدة والتشجيع على الزواج)

سماحة المرجع الشيرازي

يُنظَر الزواج في الإسلام كركيزة أساسية لبناء المجتمع وعماداً تستقيم به الحياة الإنسانية، فهو ليس مجرد عقد اجتماعي أو تلبية لرغبة عابرة، بل هو ميثاق غليظ وسنّة كونية تتماشى مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. 

لقد جاء الإسلام لينظم العلاقات البشرية بما يحفظ كرامة الإنسان ويرتقي بمشاعره، وكان الزواج هو الإطار الشرعي والوحيد الذي يضمن تحقيق هذه الغايات السامية، وتتجلى حكمة التشريع الإسلامي في جعل الزواج وسيلة لتحقيق السكن النفسي والطمأنينة؛ فالإنسان بطبعه يحتاج إلى شريك يشاطره مصاعب الحياة وأفراحها. 

وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم بأبلغ تصوير حين جعل المودة والرحمة هما الأساس الذي يقوم عليه هذا الرباط المقدس، ليكون البيت العائلي واحة أمان تهبط فيها السكينة على الأسرة وسط صخب الحياة وتحدياتها المستمرة.

وهكذا نلاحظ أن التشجيع على الزواج في الإسلام ينبع من رغبته العميقة في تحصين الفرد وحماية المجتمع على حد سواء؛ فالزواج يحمي الطاقات والغرائز الإنسانية ويوجهها في مسارها الطبيعي المثمر، ويقي المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى الأخلاقية والاضطرابات الاجتماعية التي تهدم الأوطان. 

لذا بفضل هذا الترابط الأسري المتين، تتماسك المجتمعات وتنشأ وتترعرع الأجيال الجديدة في بيئة تربوية صحية وسليمة يسودها الاستقرار والاحترام والدعم المتبادل، مما يساهم بشكل مباشر في عمارة الأرض وتحقيق الهدف الإلهي الذي هو يمثل غاية أسمى لوجود الإنسان وتعميره لهذا الكون بالخير والصلاح.

وحسبما نجده في السنة النبوية المطهرة، فقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وآله، مهتما كل الاهتمام في ترسيخ هذه القيمة وتطبيقها عملياً ولفظياً في حياة المسلمين. ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وآله ببيان فضل الزواج ومكانته، بل جعله جزءاً لا يتجزأ من هديِه ومنهجه القويم في الحياة وسلوكه اليومي.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة (الزواج في الإسلام):

(ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: (النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي)، لهذا فمن لا يتزوّج ولا يرضى بالنكاح سواء كان رجلاً أو امرأة فليس ممن رضي برسول الله وبعيد عن سُنته الشريفة. فما هو سبب التأكيد والتشديد على اتّباع سنّة النبي صلى الله عليه وآله في الزواج والنكاح؟).

الزواج هل يصنع العظماء

إن الإسلام ينظر إلى الزواج (النكاح) ليس فقط كعقد اجتماعي لتلبية الغرائز البشرية، بل كرسالة حضارية ووظيفة ذات أهداف كبرى. فالأسر الصالحة هي الحاضنة الأساسية التي يُصنع فيها القادة والعلماء والمصلحون.

وفق المنظور الإسلامي، يمثل النكاح الوسيلة الأساسية لنتاج العظماء من خلال عدة ركائز مترابطة أولها الاختيار الواعي وتلاقي الأصول الطيبّة، حيث تبدأ صناعة العظيم في الإسلام قبل ولادته، وتحديداً لحظة اختيار الشريكين. 

فقد ركز المنهج الإسلامي على اختيار الزوج والزوجة بناءً على الدين والخلق وهذا الاختيار يضمن تلاقي جينات فكرية وأخلاقية نقية، فالعظماء غالباً ما ينبتون في منابت طيبة، كما يُروى في الأثر: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس).

لهذا يرى سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إن النكاح وسيلة لإيجاد الذرّية الصالحة والولد الصالح سواء كان ابن أو بنت، فلعلّه تكون نتيجة الذرّية شخص يستفيد منه العالم والتاريخ وتنتفع منه البشرية لقرون مديدة. فالإنسان لا يعلم من أي نكاح يخرج النتاج العظيم).

وقد تكون نتيجة الزواج وجود إنسان غير صالح، لكن هذا لا يعني غلق الأبواب أمام الزواج، والإحجام عن التزاوج والنكاح، لاسيما إذا قامت الأسرة بتوفير مقومات صناعة الإنسان المتميز، فلكي ينمو الطفل ويملك الاستعداد النفسي والعقلي ليصبح شخصية فذة وعظيمة، يحتاج إلى بيئة تسودها الطمأنينة والأمان النفسي. 

ولهذا جعل الإسلام أساس العلاقة الزوجية "السكينة، والمودة، والرحمة". الطفل الذي ينشأ بين والدين يجمعهما الاحترام والانسجام يمتلك توازناً انفعالياً وذكاءً عاطفياً وثقة عالية بالنفس، وهي السمات القيادية الأولى التي تمهد له طريق العظمة والتميز.

من هنا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(صحيح أنّ الإنسان قد يبتلي بابن فاسد أو بنت فاسدة، وقد لا يكون سبب ذلك عامل التربية، لكن هذا لا يمنع من إغلاق الباب على الذرّية الطيّبة، لأنّ الذرية الطيبة تخرج عن طريق النكاحً، الذي أمر به الله تعالى وأكّد عليه رسول الله (النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي). ويضيف سماحته قائلا:

(لذا علينا جميعاً من مؤمنين ومؤمنات ومسلمين ومسلمات أن نتّبع سُنة رسول الله صلى الله عليه وآله في الزواج والنكاح، فالإسلام هو التسليم لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله، بمعنى التسليم للقرآن الكريم والعترة الطاهرة عليهم السلام، فرسول الله أكّد مراراً على اتباع العترة من بعده). 

كيفية إيجاد النسل الصالح

لذلك على كل مسلم أن يعمل بالسنّة النبوية ويُسهم بطريقة وأخرى بتشجيع الشباب والشابات على الزواج، ولكن لابد أن نعرف بأن الزواج الإسلامي لا يهدف لمجرد الإنجاب العشوائي أو التكاثر العددي، بل يهدف إلى إيجاد "النسل الصالح" الذي يعمر الأرض بالعدل والخير. عندما يحمل الوالدان هذه الرؤية الرسالية، فإنهما يربيان أبناءهما على معالي الأمور والهمم العالية، ويغرسان فيهم روح المسؤولية تجاه الأمة والإنسانية.

وكما هو متوقّع فإن الزواج يوزع المسؤوليات بطريقة تضمن أفضل رعاية ممكنة للطفل؛ فالأب يوفر الرعاية والحماية الخارجيّة ويكون القدوة في السعي والعمل، بينما الأم هي المربّية الأولى والعماد العاطفي والمعرفي في سنوات التكوين الحرجة. هذا التكامل يتيح اكتشاف مواهب الأبناء مبكراً وتوجيهها وصقلها، فالعديد من عظماء التاريخ الإسلامي كانوا نتاج أمهات تفرغن لرعايتهم وتوجيههم وتأمين سبل العلم لهم بعد فقد الآباء.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله أشار لهذه النقطة قائلا:

(إنّ العمل بالسنّة يستدعي أن يعمل كل مسلم ومؤمن بما يمتلك من قدرات على تعميم النكاح والترويج له لكي يتزوّج الرجال من النساء والشباب من الشابات. فعلى الجميع إذن أن يؤدّوا دورهم في هذا المجال ويبذلوا جهدهم للمساعدة في أمر التزويج وتسهيل الزواج، حتى يكون سنّة لرسول الله صلى الله عليه وآله، ورغبة في الابتعاد عن الحرام). 

وطالما أن الرؤية الإسلامية للزواج واضحة ولا لبس فيها، وهي محددة بقواعد وضوابط وأحكام تضمن لها درجة عالية من التنظيم السليم، فهذا يدعو جميع المسلمين أن يساعدوا بكل ما يتمكنوا على تزويج الشباب، ولتكن البداية من الشباب الأقارب والجيران والمعرّفين لنا، فالمساهمة في هذا المجال يؤكد بلأننا مؤمنون بالسنة النبوية وعاملون بها.

كذلك في هذه الحالة نحن نسهم بطريقة وأخرى في ترصين البنية الاجتماعية وتقويتها وبنائها بطريقة متوازنة وسليمة، وعلينا أن نتحرك بفاعلية للتقريب بين الأسر القريبة منها والبعيدة، لكي يتقاربوا ويتعارفوا ويتزاوجوا، فهذا كله يقع في مسار الالتزام بالسنة النبوية التي تشجع على الزواج كونه غاية لبناء المجتمع الحضاري المنتج.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(على كل إنسان أن يبذل ما بوسعه في أمر التزويج خاصّة مع أقربائه وجيرانه والمقرّبين منه. وكذلك عليه، إن استطاع، أن يبذل المال والإمكانات والوقت المتاح في سبيل تيسير أمور الزواج وتفعيله بین العوائل والأسر القريبة والبعيدة).

وإذا جئنا إلى الواقع فإننا في الحقيقة نكتشف الكثير من المعوقات التي جعلت من الزواج أحد الأحلام الصعبة لكثير من الشباب والشابات، وهذا يعني أن المسلمين لم يشجعوا عليه، خاصة حين نجد صعودا مبالغا به في المهور، ومحاولات كثيرة لوضع المصاعب الشباب حين يروموا إكما نصف دينهم، ودليلنا كثرة العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج، وهذه مشكلة اجتماعية خطيرة يجب التنبّه لها والتعامل معها بجدية عالية، والتمسك بالسنة النبوية التي طالبت المسلمين بالتشجيع على الزواج وتيسير الأمور وعدم تعقيدها. 

اضف تعليق