السارق الذي يسرق مال شخص واحد يرتكب اعتداءً على حق فردي معلوم، أما الذي يسرق المال العام فإنه يعتدي على حقوق مجتمع بأكمله. الدينار الموجود في خزينة الدولة ليس مالًا بلا مالك، وليس مالًا للحكومة بالمعنى الشخصي، وإنما هو مال المواطن الذي ينتظر مدرسة لأطفاله، والمريض الذي يحتاج إلى مستشفى ودواء...

لا أشعر بالرضا عن مستوى العقوبات التي تنتهي إليها قضايا سرقة المال العام في العراق حين أقارن العقوبة بحجم الجريمة وآثارها الفعلية في المجتمع. وهذه ليست دعوة إلى الانتقام من المدانين، ولا اعتراضًا على مبدأ استقلال القضاء، وإنما دعوة إلى مراجعة تشريعية وفلسفية جادة لمنظومة العقوبات المقررة لجرائم الفساد الكبرى، بحيث يصبح هناك تناسب حقيقي بين جسامة الاعتداء وجسامة الجزاء. فالمشكلة، في تقديري، تبدأ من الطريقة التي ننظر بها إلى المال العام نفسه: هل هو مجرد أموال موجودة في خزينة الدولة، أم أنه جزء من القدرة الحضارية للمجتمع ومن حقوق جميع المواطنين، حاضريهم ومستقبليهم؟

السارق الذي يسرق مال شخص واحد يرتكب اعتداءً على حق فردي معلوم، أما الذي يسرق المال العام فإنه يعتدي على حقوق مجتمع بأكمله. الدينار الموجود في خزينة الدولة ليس مالًا بلا مالك، وليس مالًا للحكومة بالمعنى الشخصي، وإنما هو مال المواطن الذي ينتظر مدرسة لأطفاله، والمريض الذي يحتاج إلى مستشفى ودواء، والقرية التي تحتاج إلى الماء، والمدينة التي تحتاج إلى الكهرباء والمجاري والطرق، والشاب الذي يحتاج إلى فرصة عمل، والدولة التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على أداء وظائفها. ومن هنا فإن سرقة المال العام ليست مجرد نقل غير مشروع للمال من خزينة الدولة إلى جيب السارق، وإنما هي اقتطاع من القدرة الاجتماعية على إنتاج الحياة الطيبة.

ولهذا كنت أتساءل، على سبيل التعبير عن شدة المفارقة الأخلاقية: إذا كان التراث الفقهي قد تعامل مع سرقة المال الخاص بهذه الدرجة من الجدية، فكيف ينبغي لنا أن ننظر إلى من يسرق أموال الملايين؟ ولا أطرح هذا السؤال لاستنباط عقوبة شرعية جديدة بالقياس، ولا للدعوة إلى عقوبة بعينها خارج القانون، وإنما لإبراز المفارقة: كيف يمكن أن تكون الجريمة التي يتوزع ضررها على ملايين البشر وتطال مؤسسات الدولة ومستقبل المجتمع موضوعًا لعقوبات لا يشعر المجتمع بأنها تتناسب مع مقدار الضرر الذي وقع عليه؟

القانون العراقي نفسه لا ينظر إلى الاختلاس وسرقة أموال الدولة باعتبارهما مخالفات بسيطة؛ فالتشريعات العراقية تدرج سرقة أموال الدولة والاختلاس والكسب غير المشروع وعددًا من الجرائم الوظيفية ضمن قضايا الفساد، كما ترتب بعض النصوص آثارًا إضافية على جرائم الرشوة والاختلاس والسرقة، ومنها العزل من الوظيفة، وتوجد أحكام قانونية تتصل باسترداد الأموال المختلسة. وهذا يؤكد أن المبدأ القانوني القائل بخطورة الاعتداء على المال العام موجود أصلًا، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم هو: هل سلم العقوبات وآليات استرداد الأموال والآثار المترتبة على الإدانة تتناسب فعلًا مع الأحجام الهائلة التي يمكن أن تبلغها جرائم الفساد المعاصرة؟ 

إن الفلسفة الحضارية تنظر إلى المسألة من زاوية أوسع. فالمال أحد أشكال القدرة، والقدرة حين توضع في خدمة الإنسان والعمران تتحول إلى قيمة حضارية. وعندما تخصص الدولة مليار دينار لبناء مدرسة أو مستشفى أو طريق، فإن هذا المليار ليس مجرد رقم حسابي، وإنما قدرة كامنة كان يمكن تحويلها إلى تعليم أو صحة أو إنتاج أو خدمة. فإذا سرق هذا المال فقد المجتمع المال أولًا، وفقد القيمة التي كان يمكن أن ينتجها المال ثانيًا، وتحمل تكاليف الحرمان من تلك القيمة ثالثًا، ثم تحمل ضررًا رابعًا ربما يكون أخطر من الجميع، هو تآكل الثقة بالدولة والمؤسسة والقانون.

ومن هنا أقترح أن ننظر إلى الفساد المالي الكبير بوصفه جريمة هدر حضاري، لا مجرد جريمة مالية. وهذا الوصف يغير فلسفة العقوبة؛ لأن تقدير الجريمة لا يعود متوقفًا على مقدار المال المسروق وحده، وإنما يمتد إلى مقدار القيمة الاجتماعية التي أُهدرت نتيجة سرقته. من يسرق أموال مستشفى، مثلًا، لا ينبغي أن يُنظر إلى فعله من زاوية المبلغ فقط، بل ينبغي أن يؤخذ في الحسبان ما ترتب على حرمان الناس من الخدمات التي كان ذلك المال مخصصًا لها، ضمن قواعد قانونية واضحة تثبت الضرر وعلاقته بالفعل ولا تترك الأمر للانفعال أو التقدير الاعتباطي.

ولهذا أدعو إلى إعادة النظر تشريعيًا في منظومة عقوبات سرقة المال العام في العراق، ورفعها إلى أقصى درجات الصرامة التي يسمح بها النظام الدستوري والقانوني وضمانات المحاكمة العادلة، مع بناء درجات للعقوبة تتناسب مع مقدار المال المسروق، والموقع الوظيفي الذي استُغل في الجريمة، ودرجة التخطيط والتنظيم، وتعدد المشاركين، ومحاولات إخفاء الأموال أو تهريبها، والضرر الذي أصاب المصلحة العامة. فسرقة موظف مبلغًا محدودًا لا يمكن أن توضع في الميزان نفسه مع شبكة منظمة تستولي على عشرات أو مئات المليارات من أموال الشعب.

لكن تشديد العقوبة وحده لا يكفي. يجب أن يصبح استرداد المال العام وملاحقة ثماره جزءًا جوهريًا من العدالة. فليس مقبولًا أن تتحول العقوبة إلى معادلة يستطيع الفاسد حسابها مسبقًا: أسرق ثروة هائلة، أخفي قسمًا منها، أتحمل سنوات من السجن، ثم أخرج لأتمتع بما بقي. إذا أصبحت هذه المعادلة ممكنة فإن العقوبة نفسها تفقد قدرتها على الردع. ولذلك ينبغي أن تتكامل العقوبة السالبة للحرية مع استرداد الأموال والمكاسب المتولدة عنها وفق القانون، وملاحقة الأموال المهربة بالوسائل القضائية الدولية، والحرمان من تولي الوظائف العامة حيث يقرر القانون ذلك، بحيث تصبح الجريمة خاسرة لصاحبها لا استثمارًا عالي المخاطر وعالي العائد.

ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذه الصرامة إشباع رغبة المجتمع في الانتقام. الدولة الحضارية الحديثة لا تنتقم، وإنما تحمي منظومة القيم العليا وتحافظ على موارد المجتمع وتمنع الهدر. ولذلك فإن شدة العقوبة لا تكتسب مشروعيتها من الألم الذي توقعه بالمجرم، وإنما من العدالة والتناسب والردع وحماية الحقوق العامة، مع بقاء المحاكمة العادلة وقرينة البراءة وحق الدفاع واستقلال القضاء ضمانات لا يجوز المساس بها حتى في أكثر جرائم الفساد إثارة للغضب.

المشكلة الكبرى أن التساهل الفعلي أو المتصور مع سرقة المال العام يرسل رسالة حضارية مدمرة. عندما يرى المواطن أن إنسانًا يستطيع الاستيلاء على ثروة هائلة من أموال الدولة ثم ينتهي الأمر بعقوبة لا تبدو متناسبة مع حجم ما أخذه وما أفسده، فإن الضرر لا يتوقف عند المال المسروق، وإنما يمتد إلى وعي المجتمع بالقانون نفسه. هنا تبدأ الحدود الأخلاقية بين الأمانة والخيانة بالاهتزاز، ويتحول الفساد من فعل شاذ إلى مخاطرة محسوبة، وتصاب الدولة في أهم عناصر قوتها: ثقة مواطنيها بها.

ولهذا فإن العراق يحتاج إلى فلسفة عقابية جديدة تجاه الفساد الكبير، تنطلق من قاعدة بسيطة ولكنها حاسمة: المال العام هو مال المجتمع، وسرقته اعتداء على المجتمع كله. وكلما ازداد حجم المال المسروق، واتسعت دائرة المتضررين، وتعاظم الهدر الذي أصاب قدرة الدولة على التعليم والصحة والإنتاج والخدمات والعمران، وجب أن تتصاعد المسؤولية القانونية بصورة تتناسب مع ذلك.

إن المطلوب ليس قضاءً غاضبًا، وإنما قانون أكثر صرامة، وعدالة أكثر قدرة، ودولة لا تسمح بأن تصبح ثروات شعبها غنيمة لمن يصل إليها. فحماية المال العام ليست مسألة مالية فحسب، وإنما هي حماية للمركب الحضاري نفسه. وإذا كان القانون الحضاري العام يدعو إلى تعظيم القيمة وتقليل الهدر، فإن سرقة المال العام تقع في الطرف النقيض تمامًا: إنها تحويل لقدرة المجتمع إلى منفعة خاصة، وتعظيم للهدر على حساب القيمة.

ولهذا فإن تجديد التشريعات الخاصة بسرقة المال العام وتشديد العقوبات على الفساد المالي الكبير ليس ترفًا قانونيًا، وإنما ضرورة من ضرورات إعادة بناء الدولة. فالذي يمد يده إلى مال المجتمع لا يسرق خزينة صامتة؛ إنه يمد يده إلى المدرسة والمستشفى والطريق والماء والكهرباء وفرصة العمل ومستقبل الأجيال. ومن هذه الحقيقة يجب أن يبدأ المشرّع عندما يعيد وزن الجريمة، ومنها يجب أن يحدد مقدار العقوبة التي تستحقها.

اضف تعليق