رئيس الجمهورية لم يلتفت إلى هذا الخرق الدستوري، وسار في الاتجاه الذي رسمه هؤلاء الزعماء الذين لا يملكون الحق الدستوري في تقديم المرشح لرئاسة مجلس الوزراء، فنتج عن ذلك مرشح لم يسمِه أعضاء الكتلة النيابية الأكثر عدداً، ومن ثم لم يكن مرشح مجلس النواب ولا ممثلاً للناخبين الذين انتخبوا...
ان نظام الحكم في العراق هو نظام برلماني وعلى وفق احكام المادة (1) من الدستور النافذ، والتي جاء فيها (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي. وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق)، ويشير فقه القانون الدستوري الى ان النظام البرلماني او كما يسميه البعض بالديمقراطية النيابية، بان الشعب ينتخب نوابه ويوكل إليهم ممارسة السلطة نيابة عنه ويترك لهم الممارسة الكاملة للسلطة، ويتميز هذا النظام بانه يقوم على أساس ان الشعب يقف دوره عند حد انتخاب النواب دون الاشتراك معهم في مباشرة شؤون السلطة.
ومن هذا المنطلق الفقهي نجد ان الدستور العراقي قد اوكل مهمة تسمية رئيس مجلس الوزراء الى مجلس النواب (البرلمان) وعلى وفق احكام المادة (73/اولاً) من الدستور النافذ التي جاء فيها (يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية) ، الا ان رئيس الجمهورية لا يملك الخيار بتسمية رئيس مجلس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة، وانما لابد وان يتولى مجلس النواب (البرلمان) هذه المهمة، وفصل الدستور هذه الجزئية عندما منح هذا الامتياز الى الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي تتشكل في مجلس النواب.
وقد أثار هذا النص جدلاً واسعاً ما زال قائماً حتى اليوم، حيث تصدت المحكمة الاتحادية العليا لتفسيره في أكثر من قرار، وهو ما واجه اعتراضات من مختلف القوى السياسية وبعضها من المؤسسة القضائية، عندما اشار السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى بان تفسير المحكمة الاتحادية العليا الذي قصر تشكيل تلك الكتلة بعد أداء أعضاء مجلس النواب اليمين الدستورية، والتي يعلن عنها في الجلسة الأولى، اعتبرها بمثابة الخطيئة.
مع استمرار الجدل، يلاحظ أن الدستور لم يبين الآلية التي يتم بها تقديم مرشح الكتلة الأكبر إلى رئيس الجمهورية، ولم يحدد كيفية تشكيل تلك الكتلة أو من يتولى رئاستها أو آلية توقيع أعضائها على الترشيح.
غير أن المؤكد، وعلى وفق احكام المادة (73/ أولاً) والقواعد العامة لتفسير النصوص الدستورية، أن تقديم المرشح يجب أن يتم من أعضاء الكتلة النيابية الأكثر عدداً أنفسهم، سواء بتوقيع جميع أعضائها أو بتخويل بعضهم بذلك، ولا يجوز أن يتولى هذه المهمة أشخاص من خارج مجلس النواب.
بمعنى ان من يسمي المرشح ويقدم كتاب الترشيح يجب ان يكون نائباً في مجلس النواب، وليس شخصاً اخر لم يكن عضوا في مجلس النواب ولم يحمل صفة العضوية فيه، لان النص الدستوري قصر تلك المهمة على الكتلة النيابية حصراً والتي تتشكل داخل مجلس النواب، باعتبار ان نظام الحكم في العراق برلماني نيابي على وفق ما جاء في المادة (1) من الدستور الملمع عنها في أعلاه، ولابد ان يكون الترشيح من خلال ممثلي الشعب حصراً.
لكن في الواقع العملي، وجدنا أن تكليف مرشح تلك الكتلة النيابية، السيد علي فالح الزيدي، قد قُدِم إلى رئيس الجمهورية بموجب ورقة مذيلة بتواقيع عدد من الأشخاص، جميعهم لم يكونوا أعضاء في مجلس النواب إطلاقاً، وإنما على أساس أنهم زعماء سياسيون للكتل المنضوية تحت لواء الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وهذا لا يجوز، لأن زعامتهم السياسية لا تمنحهم أي صفة نيابية، إذ ليسوا أعضاء في مجلس النواب، وهو ما يشكل خرقاً للدستور وعملاً مخالفاً لأحكامه.
كما لوحظ أن رئيس الجمهورية لم يلتفت إلى هذا الخرق الدستوري، وسار في الاتجاه الذي رسمه هؤلاء الزعماء الذين لا يملكون الحق الدستوري في تقديم المرشح لرئاسة مجلس الوزراء، فنتج عن ذلك مرشح لم يسمِه أعضاء الكتلة النيابية الأكثر عدداً، ومن ثم لم يكن مرشح مجلس النواب ولا ممثلاً للناخبين الذين انتخبوا أعضاء المجلس، وبذلك يكون هذا التكليف قد خالف نص الدستور، ومن الممكن أن يكون محلاً للطعن أمام المحكمة المختصة بالنظر في مثل هذه الطعون.



اضف تعليق