استدعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين 300 ألف جندي من قوات الاحتياط للقتال في أوكرانيا وأيد خطة لضم أجزاء منها، ملمحا للغرب إلى استعداده لاستخدام أسلحة نووية للدفاع عن روسيا.

وتعد هذه أول تعبئة من نوعها لروسيا منذ الحرب العالمية الثانية وتمثل أكبر تصعيد للحرب في أوكرانيا منذ غزوها في 24 فبراير شباط.

وجاء ذلك بعد زيادة الخسائر في الأرواح في صفوف القوات الروسية وتعرضها لانتكاسات في ساحة المعركة. ونجح هجوم أوكراني مضاد هذا الشهر في طرد القوات الروسية من مناطق سيطرت عليها في شمال شرق البلاد لتبقى عالقة في مستنقع بالجنوب.

وقال بوتين في خطاب للشعب الروسي “إذا تعرضت وحدة أراضينا للتهديد، سنستخدم كل الوسائل المتاحة لحماية شعبنا، هذا ليس خداعا”. وأوضح أن روسيا لديها “الكثير من الأسلحة للرد”.

وردت أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون بالقول إن هذه الخطوة تُظهر أن الحملة الروسية في أوكرانيا تفشل. وتعهد الحلفاء بتقديم مزيد من الدعم لحكومة الرئيس فولوديمير زيلينسكي.

وقال وزير الدفاع الروسي إنه سيتم استدعاء 300 ألف جندي من قوات الاحتياط من ذوي الخبرة العسكرية السابقة في التعبئة الجزئية.

وأوضح مستشار الرئاسة الأوكراني ميخايلو بودولياك أنها خطوة متوقعة وستُثبت أنها لا تحظى بشعبية كبيرة.

وأبلغ بودولياك رويترز “دعوة متوقعة تماما وتبدو أشبه بمحاولة لتبرير فشلهم… الحرب لا تسير وفق السيناريو الروسي بشكل واضح”.

وقبل خطاب بوتين، ندد زعماء العالم المجتمعون في الأمم المتحدة في نيويورك بالغزو الروسي لأوكرانيا وعزم أربع مناطق محتلة إجراء استفتاءات في الأيام المقبلة على الانضمام إلى روسيا.

وقال بوتين إن التعبئة الجزئية لقوات الاحتياط البالغ قوامها مليوني جندي هدفها الدفاع عن روسيا وأراضيها. وقال إن الغرب لا يريد السلام في أوكرانيا.

واتهم واشنطن ولندن وبروكسل بالضغط على كييف “لنقل العمليات العسكرية إلى أراضينا”. وقصفت أوكرانيا بشكل متقطع أهدافا داخل روسيا خلال الصراع باستخدام أسلحة بعيدة المدى زودها بها الغرب.

وأضاف بوتين “تم استخدام الابتزاز النووي أيضا“، مستشهدا بمحطة زابوريجيا الأوكرانية للطاقة النووية.

وتتبادل روسيا وأوكرانيا الاتهامات بتعريض المحطة للخطر خلال القتال. وقالت روسيا يوم الأربعاء إن قذيفة من عيار كبير ألحقت أضرارا بأنبوب مياه في المحطة التي تحتلها القوات الروسية.

كما اتهم بوتين مسؤولين من دول حلف شمال الأطلسي بالإدلاء بتصريحات حول “إمكانية وجواز استخدام أسلحة دمار شامل ضد روسيا”.

وقال “أود تذكيرهم بأن بلادنا كذلك تملك أسلحة دمار شامل وفي بعض أجزائها أكثر تطورا من نظيراتها لدى دول حلف شمال الأطلسي”.

وذكر وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو أن 5937 جنديا روسيا لقوا حتفهم منذ بدء الصراع. وقدرت الولايات المتحدة في يوليو تموز عدد القتلى في روسيا بنحو 15 ألفا.

وعصفت تصريحات بوتين أيضا بالأسواق العالمية التي ظلت تتأرجح منذ الغزو.

ووفقا للتشريعات الروسية، يمكن من الناحية النظرية استدعاء من تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاما، سواء كانوا رجالا أو نساء، ضمن قوات الاحتياط وفقا لرتبهم.

وقال محللون عسكريون غربيون مرارا إن روسيا تعاني نقصا بالغا في القوة البشرية بساحة المعركة في أوكرانيا بسبب تكبدها خسائر فادحة، ويدعو القوميون الروس منذ شهور إلى نوع من التعبئة لبث روح جديدة في حملة يصفونها بأنها متعثرة.

ورأى وزير الدفاع البريطاني بن والاس أن اعلان موسكو يشكل "اعترافا بالفشل".

وأضاف أن تراجع الرئيس الروسي عن "تعهد شخصي بعدم استدعاء جزء من السكان يشكل اعترافا بالفشل" مشيرا إلى أن "أي تهديد أو دعاية لا يمكن أن يخفي حقيقة أن أوكرانيا بصدد كسب الحرب... و أن روسيا بصدد أن تصبح منبوذة على الساحة الدولية".

وقالت ألمانيا من جانبها إن هذا القرار "خطأ" ووصفته بأنه "خطير".

ويرى مراقبون أن موسكو استخفت بقدرات الأوكرانيين على المقاومة خصوصا أن كييف تتلقى أسلحة من الدول الغربية.

وأتى خطاب بوتين بعدما تكبد الجيش الروسي خسائر في إطار الهجومات المضادة التي تشنها القوات الأوكرانية في منطقتي خيرسون في جنوب البلاد وخاركيف في شمالها الشرقي حيث اضطرت موسكو إلى تنفيذ عمليات انسحاب.

التعبئة العامة الفوضوية

عبرت مارجريتا سيمونيان رئيسة تحرير قناة روسيا اليوم الإخبارية الحكومية، والموالية للكرملين بشدة، عن غضبها من قيام مسؤولي التجنيد بإرسال أوراق استدعاء إلى الرجال الخطأ، مع تزايد الإحباط من التعبئة العسكرية العامة.

وأدى الإعلان عن أول تعبئة عامة في روسيا منذ الحرب العالمية الثانية، لدعم حربها المتعثرة في أوكرانيا، إلى تدفق للمواطنين نحو الحدود واعتقال ما يزيد على ألف محتج وعدم ارتياح بين عموم السكان.

وثارت انتقادات من مؤيدي الكرملين الرسميين، وهو شيء لم يُسمع به تقريبا في روسيا منذ بدء الغزو.

وقالت رئيسة تحرير روسيا اليوم عبر قناتها على تيليجرام “تم الإعلان عن إمكانية تجنيد الأفراد حتى سن 35 عاما، في حين تصل استدعاءات لمن هم في عمر 40 عاما”.

وأضافت “إنهم يثيرون حنق الناس، كما لو كانوا يقصدون ذلك، وكأنها نكاية. كما لو أن كييف أرسلتهم”.

وفي إشارة أخرى نادرة للاضطراب، قالت وزارة الدفاع إن نائب الوزير المسؤول عن اللوجستيات، الجنرال ديمتري بولجاكوف، “انتقل إلى منصب آخر” وحل محله مسؤول آخر، دون ذكر تفاصيل.

ويبدو أن روسيا عازمة على ضم مساحة واسعة من الأراضي الأوكرانية الأسبوع المقبل، وفقا لوكالات الأنباء الروسية الرئيسية. يأتي ذلك في أعقاب ما تصفها بالاستفتاءات التي بدأت يوم الجمعة في أربع مناطق محتلة في أوكرانيا.

وتعتبر روسيا رسميا ملايين المجندين السابقين جنود احتياط، وهم معظم السكان الذكور في عمر القتال. ولم يورد مرسوم الأربعاء الذي أعلن “التعبئة الجزئية” أي معايير لمن سيتم استدعاؤهم.

وظهرت تقارير عن تلقي رجال ليس لديهم خبرة عسكرية أو تجاوزوا سن التجنيد، أوراق استدعاء مما زاد من الغضب الذي أعاد إحياء المظاهرات المحظورة المناهضة للحرب.

وتم القبض على أكثر من 1300 متظاهر في 38 بلدة. وقالت منظمة (أو.في.دي-إنفو) المستقلة لمراقبة الاحتجاجات إن أكثر من 740 اعتقلوا في ما يزيد عن 30 بلدة ومدينة، من سان بطرسبرج وصولا إلى سيبيريا.

وفي وقت سابق، أعلن رئيس مجلس حقوق الإنسان في الكرملين، فاليري فادييف، أنه كتب إلى وزير الدفاع سيرجي شويجو يطلب “حلا عاجلا” للمشكلات.

وانتقد منشوره على تيليجرام الطريقة التي يتم بها تطبيق الإعفاءات من التجنيد وتحدث عن حالات تجنيد غير مناسبة، منها لممرضات وقابلات لا خبرة عسكرية لديهن.

وقال “بعض (مسؤولي التجنيد) يسلمون أوراق الاستدعاء في الساعة الثانية صباحا، كما لو كانوا يعتقدون أننا جميعا متهربين من الخدمة العسكرية”.

محتجون يرفضون التعبئة

وأوضح صحافيو وكالة الأنباء الفرنسية في وسط موسكو، أن عناصر من الشرطة مزودين بمعدات مكافحة الشغب اعتقلوا 50 شخصا على الأقل في شارع تسوق رئيسي.

أما في سان بطرسبرغ، شاهد مراسلو وكالة الأنباء الفرنسية، عناصرا من الشرطة يحيطون بمجموعة صغيرة من المتظاهرين ويعتقلونهم الواحد تلو الآخر، فيما كان المتظاهرون يهتفون "لا للتعبئة".

وقال المتظاهر فاسيلي فيدوروف، وهو طالب وضع شعار السلام على صدره، "الجميع خائفون، أنا أؤيد السلام ولا أريد أن أُرغم على إطلاق النار. لكن الخروج إلى الشارع الآن يقابله خطر كبير".

وقال متظاهر آخر يدعى أليكسي (60 عاما) رفض الكشف عن اسمه الكامل "جئت للمشاركة في التظاهرة، لكن يبدو أنهم اعتقلوا الجميع. هذا النظام دان نفسه ويدمر شبابه".

فيما صرخ متظاهر آخر بوجه شرطي "لماذا تخدمون بوتين، الرجل المتربع على السلطة منذ 20 عاما".

أما ألينا سكفوتسوفا (20 عاما) فقالت إنها تأمل أن يدرك الروس أخيرا طبيعة هجوم الكرملين في أوكرانيا المجاورة، مضيفة "عندما يفهمون ذلك حقيقة، سيخرجون إلى الشارع رغم الخوف".

من جهته أكد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الأربعاء إن روسيا ستستدعي في البداية 300 ألف جندي احتياط، عقب إعلان بوتين في خطاب متلفز بأن روسيا ستستخدم كل الوسائل العسكرية الممكنة في أوكرانيا.

قالت جماعة حقوقية إن ما يزيد على 109 أشخاص اعتقلوا في أنحاء روسيا خلال احتجاجات على قرار التعبئة الجزئية، بعد ساعات من إصدار الرئيس فلاديمير بوتين أمرا بإطلاق أول حملة تجنيد عسكري في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

وأضافت جماعة أو.في.دي إنفو المستقلة لرصد الاحتجاجات أن أكثر من 1311 شخصا اعتقلوا، وذلك من واقع المعلومات التي حصلت عليها من 38 مدينة روسية.

وقالت الجماعة إن هذه الأعداد تشمل ما لا يقل عن 502 في موسكو و524 في سان بطرسبرج، ثاني أكبر مدينة في روسيا من حيث عدد السكان.

وتحظر روسيا المسيرات بدون تصاريح مسبقة بمقتضى قوانين مناهضة للاحتجاجات في البلاد.

وقالت المسؤولة بوزارة الداخلية الروسية إيرينا فولك، في بيان نقلته وكالات الأنباء الروسية، إن الضباط منعوا محاولات لتنظيم ما وصفته باحتجاجات صغيرة.

ونُقل عنها قولها “في عدد من المناطق، كانت هناك محاولات للقيام بأعمال غير مصرح بها شاركت فيها أعداد ضئيلة للغاية”.

وأضافت “تم وقفها (المحاولات) جميعا. واعتُقل من خالفوا القوانين ونُقلوا إلى مراكز الشرطة لمساءلتهم والتحقق من مسؤوليتهم”.

الهروب الكبير

وفي السياق أظهرت بيانات شركات الطيران ووكالات السفر المنشورة أن الرحلات الجوية المغادرة من روسيا أصبحت محجوزة بشكل شبه كامل، الأمر الذي يوحي بخروج جماعي للأشخاص غير الراغبين في المشاركة في الحرب.

واصطف الناس لساعات للعبور إلى منغوليا أو قازاخستان أو فنلندا أو جورجيا خوفا من أن تغلق روسيا حدودها، لكن الكرملين يقول إن التقارير عن حدوث هجرة جماعية مبالغ فيها.

وردا على سؤال للصحفيين في الأمم المتحدة عن سبب مغادرة هذا العدد الكبير من الروس بلدهم، أشار وزير الخارجية سيرجي لافروف إلى الحق في حرية التنقل.

وأعلنت خطوط الطيران التركية على موقعها الإلكتروني أن الرحلات المتّجهة إلى اسطنبول التي أصبحت محطة رئيسية للمسافرين من روسيا وإليها، أصبحت محجوزة بالكامل.

والرحلة المقبلة المتاحة فهي لشركة "إير صربيا" باتجاه بلغراد ومقرّرة في 26 أيلول/سبتمبر.

كما أظهرت بيانات غوغل أن البحث في روسيا عن "تذاكر" و"طائرة" ارتفع بأكثر من الضعفين بعدما بدء بث خطاب بوتين.

فيما أظهرت بيانات "غوغل ترند"، أن مصطلح "مغادرة روسيا" كان أكثر رواجا بمئة مرة في الصباح مقارنة بالأوقات العادية.

ويذكر أن الرحلات المباشرة بين روسيا والاتحاد الأوروبي محظورة منذ إعلان الرئيس الروسي إطلاق ما يصفها الكرملين بأنها "عملية عسكرية خاصة" في أوكرانيا.

وقد أثار اندلاع المعارك مخاوف لدى مواطنين روس من إمكانية فرض القانون العرفي الأمر الذي أدى إلى مغادرة عشرات الآلاف منهم إلى بلدان مجاورة لروسيا.

وزادت حركة المرور على المعابر الحدودية مع فنلندا وجورجيا كما قفزت أسعار تذاكر رحلات الطيران المغادرة من موسكو.

وارتفعت أسعار تذاكر الطيران لأقرب المواقع خارج البلاد لأكثر من خمسة آلاف دولار، وظهرت مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي تقدم النصائح حول كيفية الخروج من روسيا بينما أعد موقع إخباري روسي قائمة “إلى أين تهرب الآن من روسيا”. وظهرت صفوف طويلة على المعابر الحدودية مع جورجيا.

وقال سيرجي، وهو روسي رفض الإفصاح عن اسم عائلته، لرويترز لدى وصوله إلى العاصمة الصربية بلجراد “كل شخص عادي يشعر بالقلق، إنه أمر مروع… من الطبيعي الشعور بالخوف من الحرب وما شابه ذلك”.

وقال روسي آخر يدعى أليكس لرويترز في إسطنبول إنه ترك روسيا لعدة أسباب من بينها أمر التعبئة.

وتابع قائلا “التعبئة الجزئية أحد أسباب وجودي هنا… خطوة بائسة للغاية على ما يبدو ويمكن أن تؤدي لكثير من المشكلات للكثير من الروس”.

وقال مصدر بقطاع السياحة لرويترز إن هناك حالة من اليأس وإن الناس تسعى للحصول على تذاكر طيران لمغادرة روسيا.

وأضاف “هذا الطلب مدفوع بذعر أشخاص يخشون ألا يمكنهم مغادرة البلاد في وقت لاحق- الناس يشترون تذاكر دون أن يهتموا بالوجهة التي يسافرون إليها”.

وقال حرس الحدود الفنلندي إن حركة المرور الوافدة إلى الحدود الشرقية مع روسيا “تزايدت” خلال الليل وظلت كثيفة خلال ساعات نهار يوم الخميس.

وذكر رئيس الشؤون الدولية بحرس الحدود الفنلندي ماتي بيتكانيتي لرويترز “العدد زاد بوضوح”. وأضاف أن الوضع تحت السيطرة وأن حرس الحدود مستعدون عند تسع نقاط تفتيش.

وبدأ حرس الحدود في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ودول أخرى من الاتحاد الأوروبي لها حدود مع روسيا في إعادة الروس من المعابر، وقالوا إنه لا ينبغي لهم السفر وبلادهم في حرب مع أوكرانيا.

وقالت شركة إيروفلوت، وهي الناقل الوطني الروسي، إنها ستعيد ثمن التذاكر لمن لم يتمكنوا من السفر كما خططوا بسبب استدعائهم للخدمة العسكرية.

آلاف الروس يفرون إلى أرمينيا

عند دخوله منطقة الوصول في مطار يريفان في أرمينيا، بدا سيرغي تائها ومرهقا بعد فراره على عجل من روسيا مع ابنه خوفا من إرسالهما إلى الجبهة في أوكرانيا.

هذا الرجل البالغ 44 عاما والذي فضل عدم ذكر اسم عائلته، هو واحد من عشرات آلاف الروس الذين غادروا بلادهم منذ غزو أوكرانيا في ظاهرة يبدو أنها ازدادت منذ إعلان الرئيس فلاديمير بوتين تعبئة جزئية لعناصر الاحتياط.

قال سيرغي لوكالة فرانس برس أن "الوضع في روسيا جعلني أقرر المغادرة. نعم غادرنا روسيا بسبب التعبئة".

ووافقه ابنه نيكولاي البالغ 17 عاما قائلا "قررنا ألا ننتظر حتى يتم استدعاؤنا للجيش، فغادرنا".

رغم تأكيده أنه ليس مذعورا، إلا أنه شدّد على "عدم اليقين" السائد وأعرب عن "حزنه" بسبب الأحداث.

يتقاسم ذلك الشعور روس آخرون وصلوا على الرحلة نفسها إلى أرمينيا الواقعة في القوقاز حيث يمكنهم الإقامة لمدة تصل إلى 180 يوما بدون تأشيرة.

وقال أليكسي البالغ 39 عاما "ليس من الجيد خوض الحرب في القرن الحادي والعشرين، هذا أقل ما يمكن قوله".

لا يعرف ما إذا كان سيتمكن من العودة إلى روسيا يوما ما، إذ إن "كل ذلك يتوقف على الوضع".

روسي آخر رفض الكشف عن اسمه "لدواع أمنية" قال إنه "صُدم" عندما تم إعلان التعبئة.

وأضاف أن في روسيا "لا أحد تقريبا يؤيد هذه الحرب"، وتابع "إنها مؤلمة للغاية، أريد فقط أن تنتهي".

منذ إعلان فلاديمير بوتين التعبئة، بات معظم الوافدين إلى يريفان رجالا في سنّ القتال بدا الكثير منهم خائفين ومترددين في مشاركة أسبابهم لترك كل شيء وراءهم.

أوضح ديمتري البالغ 45 عاما أنه فر إلى أرمينيا حاملا حقيبة بسيطة وتاركا وراءه زوجته وطفليه، بدون "أدنى فكرة" عما سيفعل عند وصوله.

وقال "لا أريد أن أذهب إلى الحرب. لا أريد أن أموت في هذه الحرب الطائشة. إنها حرب بين الأشقاء".

في تصريح لفرانس برس، قال شاب يبلغ 23 عاما ويدير مشروعا في موسكو إنه حجز مقعدا على وجه السرعة بعد إعلان التعبئة، موضحا أنه كان أصلا ينوي مغادرة روسيا في تشرين الأول/أكتوبر.

وقال "أخشى التعبئة. أنا أحد المهددين بالاستدعاء".

وأضاف الشاب أن من بين أصدقائه "من انضم إلى التظاهرات (ضد التعبئة) لأن ليس لديهم ما يخسرونه. وآخرون يطلعون على القوانين ويستشيرون المحامين لتحديد ما إذا كانوا معرضين لخطر الاستدعاء".

وفق أحدث الأرقام الصادرة عن دائرة الهجرة الأرمينية في حزيران/يونيو، وصل نحو 40 ألف روسي إلى البلاد منذ بدء غزو أوكرانيا.

ووصل إلى جورجيا المجاورة 50 ألف روسي خلال الفترة نفسها، وفق أرقام رسمية.

اسطنبول ملاذ الروس الهاربين

بين الارتياح والقلق على أقربائهم الذين بقوا في روسيا، تتأرجح مشاعر روس وصلوا إلى اسطنبول السبت هربا من التعبئة الجزئية لعسكريي الاحتياط التي أعلنها الكرملين في إطار مواصلة الهجوم على أوكرانيا.

فمنذ الأربعاء حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعبئة في روسيا هي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية للرجال في سن القتال، ارتفع سعر بعض تذاكر السفر من موسكو عشرة أضعاف.

ولم يشأ أحد من الروس الواصلين إلى اسطنبول والحاملين أمتعتهم الموضّبة على عجل، الكشف عن هوياتهم الكاملة خوفا من اتّخاذ الشرطة الروسية تدابير بحقّ أقرباء لهم اختاروا البقاء في روسيا.

ويعبّرون جميعا عن قلق لم يعرفونه منذ بدء الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية في 24 شباط/فبراير.

وقالت داريا البالغة 22 عاما "لقد تحدثنا إلى أصدقائنا وكثر يفكرون بالرحيل"، وتابعت "لم يكن أحد يريد الرحيل في شباط/فبراير لكن القرار الصادر في 21 أيلول/سبتمبر أجبر كثرا على إعادة النظر بموقفهم".

من جهته قال زوجها أندري البالغ 23 عاما إنه كان يفكّر بالمغادرة منذ الأيام الأولى للحرب وشكّلت التعبئة القطرة التي جعلت الإناء يفيض، قائلا "كثر قرروا المغادرة على الأثر".

ترمي التعبئة التي أعلنها بوتين إلى تدعيم صفوف القوات الروسية بمئات آلاف العناصر بعد سلسلة نكسات يبدو أنها غيّرت مسار الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر.

وتركيا التي تعد إحدى الوجهات السياحية المفضلّة لكثر من الروس، هي من البلدان القليلة التي لا تزال تستقبل رحلات جوية مباشرة من روسيا. ويُسمح للروس بدخول تركيا من دون تأشيرة ما يسهّل السفر الذي يتقرّر في اللحظات الأخيرة.

وتهافت الروس على شراء تذاكر السفر إلى تركيا منذ أن أعلن بوتين التعبئة الجزئية، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وبالتالي صعّب على كثر المغادرة بسبب التكلفة.

وبدأت شركة خطوط الطيران التركية تستخدم طائرات أكبر حجما للرحلات التي تربط البلاد بروسيا لتعذّر جدولة المزيد من الرحلات على الفور.

وأوضحت داريا أن "تركيا هي وجهتنا المرحلية. نحن هنا بشكل مؤقت لأن مخاطر إغلاق الحدود بالكامل قائمة".

وقال ساشا (48 عاما) وهو مدير في شركة إنه يعرف أشخاصا يريدون المغادرة لكن لا سبيل لديهم لذلك، وصرّح لوكالة فرانس برس في المطار "أعتقد أن كثرا يريدون مغادرة روسيا لكن الرحلات قليلة جدا".

وبحسب ساشا، من الصعب تقييم الوضع النفسي للروس بصورة حقيقية بعد إعلان التعبئة لأن البعض لا يزالون يؤيدون الحرب وهم على استعداد للقتال.

وقال "لا توافق في روسيا حاليا. البعض يؤيدون بوتين والبعض الآخر لا يؤيدونه"، مشيرا إلى أن كثرا يخشون التعبير عن آرائهم.

وتابع ساشا "بالطبع نحن نشعر بضغط. هناك في روسيا نظام مراقبة يقوم على التعرّف على الوجه. ومن السهل انكشاف هويتك إذا ما رأى أحدهم وجهك".

وأضاف "هذه المقابلة يمكن أن يعتبرها الجيش الروسي مسيئة له. في المستقبل يمكن أن يتعرّض من يجرون مقابلات من هذا النوع لمشاكل".

من جهته، أعرب أندري عن قلقه على أحد أصدقاء طفولته. وقال "لم يتمكّن صديقي من شراء تذكرة لأن ثمنها بلغ 400 ألف روبل (7130 يورو). وهذا المبلغ أغلى بعشر مرات مما كان عليه في الماضي".

اضف تعليق