أبرز السيد الشيرازي منذ بدايات مسيرته الحاجة إلى مشروع شامل يواجه الاستبداد السياسي والفكري، ويصون القيم الأخلاقيَّة، ويعزز بناء الإنسان الواعي القادر على التغيير. فهو لم يكتفِ بالتحذير من مخاطر الانحراف أو العنف أو التفكك الاجتماعي؛ وإنَّما قدَّم أدوات فكريَّة وأخلاقيَّة وعمليَّة لإعادة ترتيب الحياة على أسس متينة، تبدأ...

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات، وتتراكم فيه الخيبات، وتتشابك فيه صور الاستبداد والعنف والتَّفكك الأخلاقي، يبدو الإنسان المعاصر -ولا سيّما في مجتمعاتنا الإسلاميَّة- وكأنَّه يقف في مفترق طرق حادّ: إمَّا أن يستسلم لمنطق القهر والقوَّة والتَّقليد الأعمى، أو أن يبحث عن مشروع فكريّ قادر على إعادة الاعتبار للإنسان، والعقل، والحريَّة، والقيم. وفي هذا السياق، يبرز فكر المرجع المجدد الثَّاني سماحة السيِّد محمَّد الحسينيّ الشيرازيّ بوصفه أحد أكثر المشاريع الإسلاميَّة عمقًا وشمولًا، مشروعًا لم يُبنَ بوصفه ردَّ فعلٍ آني؛ بل منظومة إصلاحيَّة متكاملة تستشرف المستقبل، وتقرأ الإنسان قبل أن تقرأ السلطة، وتؤمن بأنَّ التغيير الحقيقي يبدأ من الدَّاخل قبل أن يفرض نفسه على الخارج.

المطلب الأوَّل: الإمام الشيرازي ونقد أزمات الواقع المعاصر.

 يستعرض هذا المطلب الجانب التَّشخيصي والنَّقدي في فكر الإمام الشيرازي، وكيف تمكَّن من قراءة علل العصر ومسببات أزماته قبل تفاقمها.

المحور الأوَّل: الحاجة إلى مشروع إصلاحيّ شامل.

 تعيش الإنسانيَّة المعاصرة حالةً مركَّبة من الاضطراب الحضاري، تتداخل فيها الأزمات السياسيَّة مع الانهيارات الأخلاقيَّة، ويتشابك فيها الفشل الإداريّ مع التيه القِيميّ، حتَّى بات من الصَّعب الفصل بين ما هو محوري في النِّظام العام، وما هو عميق في جوهر الإنسان نفسه. وتحوَّلت الأزمات إلى ظاهرة مزمنة تُعيد إنتاج ذاتها، مهما تغيَّرت الأنظمة أو الشعارات. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، يبرز السؤال الجوهريُّ: هل تكمن المشكلة في الأدوات، أم في الرؤية؟ في الأشخاص، أم في المنهج؟

 ضمن هذا السياق، يتقدَّم فكر الإمام الشيرازي بوصفه قراءة نقديَّة مبكرة لأزمة العصر، ومشروعًا إصلاحيًّا يتعامل مع الاختلالات بوصفها نتاجًا طبيعيًا لانفصال الإنسان عن منظومة القيم، وانفصال النظام عن الإنسان، وانفصال الدِّين عن واقعه الحيّ. 

 لقد انطلق السيِّد الشيرازي من تشخيص جذري يرى أنَّ أيَّ معالجة لا تنطلق من فهم شامل لطبيعة الأزمة، ستبقى حبيسة الترقيع المؤقت، مهما بدا أثرها سريعًا أو جذَّابًا.

 أولى ملامح الأزمة الحضاريَّة المعاصرة، كما يقرأها فكر الإمام الشيرازي، تتمثَّل في تضخُّم السلطة على حساب الإنسان. فالأنظمة الحديثة، سواء اتَّخذت طابعًا دينيًا أو مدنيًا، كثيرًا ما أعادت إنتاج منطق السيطرة، وقدَّمت الدولة بوصفها غاية لا وسيلة، وحوَّلت الإنسان إلى رقم في معادلة الأمن أو الاقتصاد أو الشرعيَّة. وهذا الاختلال كان نتيجة طبيعيَّة لتراكم ثقافة سياسيَّة تُقصي العقل النَّقدي، وتُفرغ المشاركة المجتمعيَّة من مضمونها، وتربط الاستقرار بالصمت لا بالعدل. في هذا المناخ، تصبح الحريَّة تهمة، ويُختزل النِّظام في شخص أو نخبة، وتُختطف القيم لصالح البقاء في السلطة.

 إلى جانب ذلك، يشير السيِّد الشيرازي إلى أزمة أعمق، تتعلَّق بتفكك الأصول الأخلاقيَّة للمجتمع. فحين تُفصل الأخلاق عن الحياة اليوميَّة، وتُختزل في خطاب وعظي لا يجد طريقه إلى السلوك، تفقد القيم قدرتها على التَّوجيه، ويتحوَّل الدِّين من منظومة فاعلة إلى طقوس معزولة عن الواقع. وهذا الانفصال ينتج إنسانًا يعيش تناقضًا دائمًا بين ما يعلنه وما يمارسه. ومع تراكم هذا التناقض، تنشأ حالة من الفراغ المعنوي، تجعل المجتمع هشًّا أمام موجات العنف، أو الذَّوبان، أو اللامبالاة.

 كما تظهر الأزمة في شيوع منطق الحلول الجزئيَّة، الذي انتقده الإمام الشيرازي بوضوح. فالإصلاح، في كثير من التجارب المعاصرة، جرى التَّعامل معه كمسألة تقنية: تعديل قانون، تغيير مسؤول، إطلاق حملة إعلاميَّة، أو استيراد نموذج جاهز من سياق آخر. غير أنَّ هذه المقاربات، بحسب رؤية المجدد الشيرازي، تتجاهل حقيقة أساسيَّة مفادها أنَّ الأزمة ليست في جزء من المنظومة؛ وإنَّما في منطقها الحاكم. لذلك، فإنَّ معالجة الاقتصاد من دون إصلاح السياسة، أو إصلاح السياسة من دون إعادة بناء الإنسان، لا تفضي إلَّا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.

 من هنا، جاء رفض الإمام الشيرازي للحلول المجتزأة رفضًا منهجيًا، لا انفعاليًا. فهو يرى أنَّ الإصلاح الذي لا ينطلق من رؤية كليَّة، سرعان ما يتحوَّل إلى أداة بيد الأزمة نفسها. وتغيير القوانين من دون تغيير الثقافة، أو تغيير الخطاب دون تغيير الأسس التربويَّة، لا يلامس جوهر الخلل. ولذلك، شدَّد في مشروعه الفكري على ضرورة الجمع بين إصلاح الإنسان، وتقويم النِّظام، وبناء المجتمع، بوصفها دوائر مترابطة لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى من دون أن يختلَّ التَّوازن العام.

 في قلب هذا المشروع، يحتل الإنسان موقعًا محوريًا. فالإنسان، في فكر الإمام الشيرازي هو الغاية الأولى لأي مشروع إصلاحي. لذلك، ركَّز على التربية بوصفها المدخل الأعمق للإصلاح.

 في الوقت نفسه، لم يفصل بين إصلاح الإنسان وإصلاح النظام. فقد أدرك أنَّ الإنسان، مهما بلغ وعيه، يظلُّ عرضة للانكسار إذا عاش ضمن بيئة سياسيَّة واجتماعيَّة قائمة على القهر أو الإقصاء. لذلك، دعا إلى نظام يقوم على الشورى، وتداول الرَّأي، وتوزيع الصلاحيات، ويرفض تركيز القرار في يد فرد أو فئة. وهذا التصوّر ينطلق من قراءة واقعيَّة لطبيعة البشر، وإدراك أنَّ الرقابة المتبادلة وتعدُّد مراكز القرار تمثِّل ضمانة ضد الانحراف.

 أمَّا المجتمع، بوصفه الحاضنة الجامعة، فقد حظي بمكانة خاصَّة في مشروعه. ونظر إليه كفاعل رئيس في عمليَّة الإصلاح. ومن هنا جاءت دعوته إلى العمل المؤسسي، وبناء المبادرات الأهليَّة، ونشر الثقافة، وتحريك الطَّاقات الكامنة خارج إطار السلطة. وكان يرى أنَّ المجتمع، المنظَّم، الواعي، يمتلك قدرة ذاتية على التصحيح، وأنَّ الإصلاح الذي لا يجد له امتدادًا في البنية الاجتماعيَّة يظلّ هشًّا وقابلًا للانتكاس.

المحور الثَّاني: جذور وآثار الاستبداد.

 يحتلُّ مفهوم الاستبداد موقعًا محوريًا في البناء الفكري للإمام الشيرازي، بوصفه مرضًا مركزيًّا يتسلَّل إلى بنية الإنسان قبل أن يستقرّ في بنية الدَّولة، ويصيب العقل قبل أن يُترجَم في مؤسسات الحكم. ومن هنا، فإنَّ رؤيته للاستبداد تنطلق من تحليل عميق للمنظومة الفكريَّة التي تسمح بنشوئه واستمراره، ومنحه أحيانًا شرعيَّة دينيَّة أو اجتماعيَّة زائفة.

 يرى السيِّد الشيرازي أنَّ الاستبداد ينشأ ضمن سياق ثقافي طويل يعتاد فيه الإنسان على تعطيل عقله، والتَّنازل التدريجي عن حريته، وقبول الوصاية الفكريَّة بوصفها قدرًا لا يُناقش. فحين يُربَّى الفرد على الطَّاعة غير الواعية، ويتعلَّم أنَّ السؤال خطر، وأنَّ الاختلاف تهديد، تتكوَّن الأرضيَّة النَّفسيَّة والفكريَّة التي تجعل الاستبداد ممكنًا، ومقبولًا. 

 من هذا المنطلق، يربط الإمام الشيرازي بين الاستبداد السياسي والاستبداد الفكري ربطًا عضويًا. فالسلطة المستبدة تسعى إلى احتكار الحقيقة، وتفرض تفسيرًا واحدًا للدِّين، أو للتاريخ، أو للمصلحة العامَّة. وفي المقابل، فإنَّ العقل الذي يُمنع من التفكير الحرِّ، ويتعوَّد على التلقِّي دون فحص، يتحوَّل إلى أداة طيِّعة في يد السلطة، مهما تغيَّرت عناوينها. لذلك، لا يرى الإمام الشيرازي إمكانيَّة حقيقيَّة لمواجهة الاستبداد السياسي من دون تحرير العقل من الخوف، وإعادة الاعتبار للوعي النقدي بوصفه قيمة دينيَّة وإنسانيَّة.

 وعلى مستوى الدِّين، يقدِّم السيد الشيرازي قراءة نقديَّة لتأثير الاستبداد في تشويه الرسالة الدينيَّة. فهو يرى أنَّ أخطر ما يفعله الاستبداد هو تحويل الدِّين من قوَّة تحرير إلى أداة ضبط، ومن خطاب أخلاقي إلى منظومة تبرير. حين تُصادَر حرية الاجتهاد، ويُحاصَر الرأي المخالف، ويُقدَّم الحاكم أو الزعيم بوصفه ظلًّا مقدَّسًا لا يُسأل، يفقد الدِّين روحه، ويتحوَّل إلى غطاء يمنح الظلم لغة شرعيَّة. 

 أمَّا على مستوى العقل، فإنَّ الاستبداد، بحسب المجدد الشيرازي، يعمل على إضعاف ملكة التفكير المستقل، ويشجّع الاتكالية الذهنية. فحين يُعاقَب السؤال، ويُكافَأ الصمت، تتآكل القدرة على التحليل، ويُستبدَل الاجتهاد بالتقليد، والمعرفة بالتكرار. ومع مرور الزَّمن، لا يعود المجتمع قادرًا على إنتاج حلول من داخله، ويغدو معتمدًا على قرارات فوقيَّة، حتَّى في أبسط شؤونه. في هذا السياق، يرى السيِّد الشيرازي أن تخلُّف المجتمعات نتيجة تعطيل العقول، وإقصاء التَّفكير الحرِّ عن المجال العام.

 وعلى مستوى المنظومة الاجتماعيَّة، يُنتج الاستبداد حالة من الجمود والشَّلل التدريجي. فالمبادرة تُقابَل بالريبة، والعمل الجماعي يُنظر إليه كتهديد، والمؤسسات المستقلة تُفرَّغ من دورها. وبدل أن يكون المجتمع شريكًا في إدارة شؤونه، يتحوَّل إلى متلقٍّ سلبي ينتظر التوجيه من الأعلى. وهذه الحالة، في نظر السيِّد الشيرازي، تمثِّل نقيض الرؤية الإسلاميَّة التي قامت على الشورى، والمشاركة الفاعلة في الشأن العام.

 في مواجهة هذا الواقع، يدين المجدد الشيرازي الاستبداد، ويقدّم إطارًا فكريًا للخروج منه، يبدأ بإعادة بناء الوعي، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام التعدد في الرأي والاجتهاد. وهو يرى أن مقاومة الاستبداد تتحقق عبر تفكيك المنظومة الفكريَّة التي تنتجه، وبناء بدائل قائمة على المشاركة والرقابة المتبادلة وتوزيع الصلاحيات.

 المحور الثَّالث: الشورى ونقد الحكم الفرديّ.

 تشكِّل نظرية الشورى أحد الأعمدة المركزيَّة في فكر الإمام الشيرازي؛ إذ تعامل معها باعتبارها إطارًا حضاريًا متكاملًا لإدارة الإنسان والمجتمع والدَّولة. فقد انطلقت رؤيته من نقد جذري لمنطق الحكم الفرديّ، الذي رأى فيه أصلًا للاستبداد السياسيّ والفكريّ، ومنبعًا لانحراف السلطة عن مقاصدها الإنسانيَّة والدينيَّة. وفي مقابل هذا النموذج، قدَّم الشورى باعتبارها صيغة عقلانيَّة وأخلاقيَّة لتنظيم القرار، تقوم على الاعتراف بتعدُّد العقول، وتوازن الصلاحيات، والمشاركة الواعية في الشَّأن العام.

 يرى السيّد الشيرازي أنَّ الحكم الفرديّ، مهما اتَّخذ من مسوّغات دينيَّة أو تاريخيَّة أو واقعيَّة، يبقى نموذجًا هشًّا بطبيعته؛ لأنَّه يربط مصير المجتمع بإدراك شخص واحد، ويحمِّله ما لا يحتمله البشر من عصمة أو إحاطة. فالإنسان، في تصوّره، كائن محدود المعرفة، متأثِّر بالظروف والمصالح والضغوط، ولا يمكن افتراض سلامة قراره في كلِّ الأحوال. من هنا، فإنَّ تركيز السلطة في يدٍ فردٍ واحد يعكس خللًا في فهم طبيعة الإنسان وحدود قدرته على الحكم العادل.

 ومن هذا التَّشخيص، يقدِّم السيد الشيرازي الشورى بوصفها استجابة واقعيَّة لهذه المحدوديَّة الإنسانيَّة، لا بوصفها تنازلًا عن القيادة أو تمييعًا للمسؤوليَّة. فالشورى، في جوهرها، تعبير عن وعي بأنَّ الحقيقة لا تُختزل في عقل واحد، وأنَّ القرار الأقرب إلى الصَّواب هو الذي يتكوَّن من تفاعل الآراء، وتلاقح الخبرات، وتبادل وجهات النظر. وهذا الفهم يمنح الشورى بعدًا إنسانيًا عميقًا؛ إذ يعترف بالآخر، ويمنحه حقَّ المشاركة، ويكسر منطق الوصاية الذي يشكِّل جوهر الاستبداد.

 في البعد الدِّيني، يستند السيّد الشيرازي في تنظيره للشورى إلى قراءة تستلهم غايات الشَّريعة وأنَّ الشورى أصلٌ ناظم للعلاقة بين الحاكم والمجتمع. فالقرآن الكريم، حين دعا إلى التشاور، جعله مبدأً في إدارة الشأن العام. كما أنَّ سيرة النَّبي الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، في قراءته، تقدِّم نموذجًا عمليًا لاحترام الرَّأي الآخر، وإشراك الجماعة في صناعة القرار، حتَّى في ظلِّ القيادة المعصومة، ممَّا يدلّ على أنَّ الشورى منهجٌ في تربية المجتمع على تحمُّل المسؤوليَّة، وليست بديلًا عن العصمة.

 أمَّا في البعد السياسي، فإنَّ الشورى عند السيد الشيرازي تتجاوز الشكل الإجرائي لتلامس أسس النظام ذاته. فهو لا يتصوَّر الشورى في صورة مجلس استشاري، يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند الاختلاف؛ وإنَّما كنظام مؤسسي قائم على توزيع الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات، وإيجاد آليات رقابة متبادلة. 

المحور الرَّابع: اللاعنف ومواجهة العنف.

 يحضر مفهوم اللاعنف في فكر الإمام الشيرازي بوصفه أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في سياق الفكر السياسي والدِّيني المعاصر؛ لأنَّه طُرح في بيئات اعتادت النظر إلى القوَّة الماديَّة باعتبارها الطَّريق الأقصر للتغيير. غير أنَّ رؤية السيّد الشيرازي لمنطق اللاعنف تتأسس على قراءة فقهيَّة وأخلاقيَّة عميقة لطبيعة الإنسان، ومنطق الصراع، ومآلات الفعل العنيف في التَّاريخ والمجتمع.

 ينطلق السيّد الشيرازي من مسلَّمة فكريَّة مفادها أنَّ العنف، مهما كانت دوافعه، يترك آثارًا تتجاوز لحظة الصراع، وتمتد إلى المجتمع وقيمه. فالعنف يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعيَّة على أساس الخوف والقهر، ويُدخل المجتمع في دائرة من ردود الأفعال المتبادلة، يصعب الخروج منها دون خسائر إنسانيَّة عميقة. من هنا، يُقارب اللاعنف عنده بوصفه خيارًا يرتبط بفهم شامل للتغيير وطبيعته.

 في البعد الفقهي، يضع السيد الشيرازي اللاعنف ضمن منظومة المقاصد الشرعيَّة التي تهدف إلى حفظ النفس، وصيانة الكرامة الإنسانيَّة، ومنع الفساد الواسع. فهو يميِّز بدقَّة بين موارد الدفاع المشروع، التي تُفرض فيها المواجهة دفعًا لعدوان مباشر، وبين تحويل العنف إلى أداة دائمة للتغيير أو فرض الرَّأي. وهذا التمييز يجنِّب الفقه الوقوع في التوسّع غير المنضبط، الذي يجعل العنف قاعدة لا استثناءً.

 ويؤكِّد السيّد الشيرازي أنَّ كثيرًا من مظاهر العنف المعاصر تُغفل السياق والمآل، وتتعامل مع الحكم بمعزل عن آثاره الاجتماعيَّة والإنسانيَّة. وفي هذا الإطار، يبرز اللاعنف عنده بوصفه اجتهادًا فقهيًا يراعي توازن المصالح والمفاسد، ويتجاوز ذلك إلى نتائجه الممتدة في الزَّمن والمجتمع.

 كما يرى أنَّ المجتمعات التي تفتقر إلى أدوات القوَّة الماديَّة؛ لكنها تمتلك وعيًا منظمًا وموقفًا أخلاقيًا ثابتًا، قادرة على إحداث تحوّلات أعمق من تلك التي تعتمد على السَّلاح وحده. ويربط السيّد الشيرازي هذا الفهم بسياقات الصراع المعاصر، حيث تحوَّلت كثير من النزاعات إلى حروب استنزاف طويلة، دفعت المجتمعات أثمانًا باهظة دون أن تحقِّق أهدافها المعلنة. 

المحور الخامس: تفكك القيم وأزمة بناء الإنسان.

 يحتلُّ سؤال القيم موقعًا مركزيًا في فكر الإمام الشيرازي؛ إذ نظر إلى الأخلاق باعتبارها الجذور العميقة التي يتشكَّل من خلالها الإنسان، وتتحدَّد على أساسها مآلات المجتمع والدولة. ولأجل هذا، رأى أنَّ كثيرًا من الأزمات الظاهرة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعيَّة لا يمكن فهمها بمعزل عن أزمة أخلاقيَّة أعمق، تظهر في تفكك منظومة القيم، واضطراب عمليَّة بناء الإنسان.

 ينطلق السيّد الشيرازي في تشخيصه لأزمة القيم من ملاحظة التناقض المتزايد بين الخطاب والممارسة. فالقيم، في كثير من المجتمعات، ما تزال حاضرة في الوعظ والشعارات؛ لكنَّها غائبة عن السلوك اليومي وأنماط التفكير. وهذا الانفصال، في نظره، يدلُّ على خلل في آليات تحويلها إلى ممارسة حيَّة. فحين تُختزل الأخلاق في خطاب مثالي لا يجد طريقه إلى الواقع، تفقد قدرتها على الضبط والتوجيه، ويتحوَّل الدِّين نفسه إلى مرجعيَّة رمزيَّة أكثر منه قوَّة فاعلة في تشكيل السلوك.

 ويرى السيّد الشيرازي أنَّ هذا التفكك يتكوَّن تدريجيًا مع تراجع دور التربية المتكاملة، وصعود نماذج اجتماعيَّة تُعلي من المنفعة السريعة على حساب المعنى، ومن النَّجاح المادِّي على حساب الاستقامة. 

 ومن مظاهر هذه الأزمة، كما يبيِّن السيد الشيرازي، شيوع الازدواجيَّة في الشخصيَّة الاجتماعيَّة. فالإنسان الذي يتلقَّى خطابًا أخلاقيًا صارمًا، ويعيش في واقع يكافئ النقيض، يجد نفسه مضطرًا إلى الفصل بين قناعاته وسلوكه، حفاظًا على التكيّف أو البقاء. ومع مرور الزمن، تتحوَّل هذه الازدواجيَّة إلى حالة عامَّة، تُضعف الثقة المتبادلة، وتشوّه صورة القيم في الوعي الجمعي؛ لأنَّها تُقدَّم بوصفها مثالية غير قابلة للتطبيق.

 في مواجهة هذا الواقع، يؤكد الإمام الشيرازي أنَّ أي مشروع إصلاحي لا يجعل بناء الإنسان في صدارة أولوياته سيظلّ محدود الأثر. فالإصلاح، في تصوّره، يبدأ من إعادة تشكيل الوعي الأخلاقي، وربط المعرفة بالسلوك، والحرية بالمسؤوليَّة. ولهذا، أعطى للتربية مكانة محوريَّة، بوصفها العمليَّة التي تتكوَّن فيها شخصيَّة الإنسان، وتتجذَّر فيها القيم قبل أن تتحوَّل إلى مواقف.

 غير أنَّ التربية، في فكر السيد الشيرازي، تُفهم بوصفها مسارًا شاملًا يشارك فيه البيت، والمدرسة، والمؤسسة الدينيَّة، والإعلام، والمحيط الاجتماعي العام. وهو يرى أنَّ القيم تُغرس عبر القدوة العمليَّة، والممارسة اليوميَّة، والبيئة التي تكافئ السلوك الأخلاقي وتدعمه. ولذلك، فإنَّ إصلاح التربية يستلزم إصلاح السياق الذي يتحرَّك فيه الإنسان، لا الاكتفاء بمخاطبته نظريًا. فمعالجة تفكك القيم، في فكر الإمام الشيرازي، مسار طويل يتطلَّب صبرًا، ووعيًا، واستثمارًا في الإنسان قبل أي شيءٍ آخر. ويمكن القول: إنَّ تركيزه على التربية وبناء الإنسان يمثِّل حجر الزاوية في مشروعه الإصلاحي؛ لأنَّه يراهن على الإنسان بوصفه الفاعل الأوَّل في التاريخ، لا بوصفه نتيجة هامشيَّة لقرارات فوقيَّة أو ظروف عابرة.

المطلب الثَّاني: المشروع الإصلاحي وبناء البدائل.

 يتناول هذا المطلب جملة من الحلول والرُّؤى الإصلاحيَّة التي طرحها السيِّد الشيرازي في مواجهة الأزمات المعاصرة، بوصفها مشروعًا متكاملًا يسعى إلى إعادة توجيهه وبنائه على أسس فكريَّة وإنسانيَّة راسخة.

المحور الأوَّل: الأسرة بوصفها نواة الإصلاح.

 تحتل الأسرة مكانة محوريَّة في رؤية الإمام الشيرازي للإصلاح الاجتماعي؛ إذ نظر إليها باعتبارها نواة الانطلاق لأيّ مشروع إصلاحي شامل يهدف إلى استقرار الإنسان والمجتمع معًا. ففي ظلِّ الأزمة القيميَّة والانحرافات الأخلاقيَّة، اعتبر السيّد الشيرازي الأسرة الحاضنة الأساسيَّة للقيم، ومحرِّك البناء النَّفسي والاجتماعي، والمنطلق الأوَّل لتربية الإنسان على مبادئ الدِّين والعدل.

 ينطلق تشخيصه من رؤية واضحة تقول: إنَّ المجتمع الكبير لا ينهض إلَّا إذا كانت النَّواة الصغرى – الأسرة – متينة ومستقرة. فالأسرة هي المكان الذي يُشكِّل فيه الفرد وعيه بالقيم، ويختبر فيه مفاهيم الحبِّ والاحترام والالتزام، وتغرس فيه المبادئ الأخلاقيَّة التي تتحوَّل لاحقًا إلى سلوك عملي. 

 ويركِّز الإمام الشيرازي أيضًا على دور الأسرة في نقل الثقافة والقيم من جيل إلى جيل؛ إذ يراها الوسيلة الأكثر استدامة لبناء مجتمع واعٍ ومسؤول. فالطفل الذي يتربَّى في بيت يحترم الأخلاق، ويقدِّر المعرفة، ويعلِّم المسؤوليَّة، يصبح فردًا قادرًا على التفكير الصائب، واتِّخاذ قرارات حكيمة، والمساهمة في الاستقرار الاجتماعي، بعكس الطفل الذي ينشأ في بيئة فوضويَّة أو مغلقة؛ حيث تتبدد القيم سريعًا، ويصبح عرضة للانحراف أو التلقي السَّلبي للثقافة الخارجيَّة.

المحور الثَّاني: دور المرأة في التَّغيير.

 المرأة في رؤية الإمام الشيرازي شريك فعَّال قادر على إحداث تغييرات حقيقيَّة داخل الأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء. ولم يربط السيّد الشيرازي دور المرأة بصدام أو مواجهة مع الرَّجل، ولا برؤية تهميشيَّة تقلل من شأنها، واعتبر مشاركتها الهادئة والمتوازنة عاملًا أساسيًا في بناء الإنسان وصيانة القيم وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

 ينطلق فكره من قاعدة مفادها أنَّ المجتمع لا يمكن أن ينهض إذا غُيّبت نصفه عن عمليَّة البناء والتربية والإصلاح. فالمرأة، في هذا التَّصور، هي مؤثِّرة في كلِّ المستويات: تربويًا من خلال الأسرة، واجتماعيًا من خلال المشاركة المجتمعيَّة، وحضاريًا عبر الإسهام في صياغة الخطاب الثَّقافي والتَّعليمي. ومن هنا، شدَّد السيِّد الشيرازي على ضرورة تمكين المرأة من ممارسة دورها الطبيعي والفاعل وفق بيئة متوازنة تحفظ كرامتها وحقوقها، دون التحدِّي أو الهيمنة على الرَّجل، في إطار تكاملي يشارك في استقرار الأسرة والمجتمع.

 يرى السيّد الشيرازي أنَّ المرأة تمثِّل العمود الفقري لبناء الإنسان؛ لأنَّها تزرع القيم منذ الطفولة، وتشكل وعي الأبناء بالمعايير الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة. فالطفل الذي ينشأ تحت إشراف أم واعية، يتعلَّم المحبَّة والرَّحمة والانضباط والالتزام، بينما المرأة التي تُحرم من المعرفة أو المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعيَّة تنتقص من قدرتها على أداء هذا الدور الحيوي. ولذلك، جعل السيد الشيرازي التَّعليم والتَّثقيف المستمر للمرأة حجر أساس في أيّ إصلاحٍ حقيقي، لما له من أثر مباشر على جودة التربية وبناء الأجيال.

المحور الثَّالث: الشَّباب بين الوعي والتَّحديات المعاصرة.

 يرى الإمام الشيرازي في الشَّباب طاقة فاعلة لتغيير الواقع وبناء المستقبل، وعقول قادرة على التَّفكير والنَّقد والمشاركة المثمرة إذا ما تمَّت مخاطبتها بلغة واقعيَّة ومتزنة. ومن هذا المنطلق، اعتبر السيّد الشيرازي أنَّ أيَّ مشروعٍ إصلاحي حقيقي لا يمكن أن ينجح من دون إشراك الشباب، وفهم ما يحتاجون، وتقديم أدوات معرفيَّة تساعدهم على مواجهة متغيرات العصر.

 ينطلق فكره من إدراك أنَّ الشباب يعيشون مرحلة حرجة في حياتهم، تتسم بالحيويَّة والرَّغبة في التَّغيير، وفي الوقت نفسه بالضعف أمام الضغوط المجتمعيَّة والانحرافات الفكريَّة والثقافيَّة. ولهذا، ركَّز على بناء الوعي لديهم من خلال الحوار الواقعي والمباشر مع عقلهم، والاعتراف بقدراتهم على التَّحليل والاستنتاج، وتقديم الفكرة بأسلوب يوازن بين الطُّموح والإمكانيَّة.

 وفي البعد التربوي، اعتبر السيِّد الشيرازي أنَّ تنشئة الشَّباب على القيم الحقيقيَّة تتطلَّب بيئة داعمة، توفر لهم المعرفة الصحيحة، وتمنحهم فرصة التَّفكير النقدي، وتتيح لهم تجربة المبادرات الواقعيَّة التي تبني لديهم شعورًا بالمسؤوليَّة. 

 ويربط السيد الشيرازي بين وعي الشباب واستقرار المجتمع، إذ يرى أنَّ جيلًا واعيًا قادر على إدارة تحديات العصر، وتوجيه طاقاته نحو البناء لا التدمير، يحمي المجتمع من الانحرافات الفكريَّة والعنف، ويضمن استمرار مشروع الإصلاح الحضاري. فالشباب، في هذا التصور قوَّة فاعلة في الحاضر، يمكن استثمارها في تطوير الأسرة، والمؤسسات التعليميَّة، والمجتمع المدني، وتعزيز القيم الأخلاقيَّة والثقافيَّة.

 وعلى مستوى العقبات المعاصرة، ركَّز السيد الشيرازي على مواجهة العوامل التي تضعف الوعي الشبابي، مثل الانحرافات الإعلاميَّة، والتطرف الفكري، والضغوط الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. وكان يحرص على تقديم حلول عمليَّة قائمة على المعرفة والتربية المتكاملة، وعبر تشجيع الشباب على التفكير المستقل، والانخراط في المشاريع المجتمعيَّة، وتنمية مهاراتهم بما يهيئهم لمواجهة المتغيرات من دون الانجرار وراء التأثيرات السلبيَّة أو الانفعال اللحظي.

 كما اعتبر الإمام الشيرازي أنَّ الشَّباب بحاجة إلى قدوة واضحة وواقعيَّة، وليس إلى خطاب مثالي مجرَّد. فالمثال الحي، سواء في الأسرة أو المجتمع أو المرجعيَّة الدينيَّة، يُعطي للشاب إحساسًا بالإمكانيَّة، ويزرع فيه الثقة بالقدرة على إحداث التغيير، ويقوي التزامه بالقيم والمبادئ. ولهذا، كانت رؤيته دائمًا توازن بين الحافز والإرشاد، بين الحرية والالتزام، بين الفكرة والعمل.

المحور الرَّابع: شموليَّة الفقه والحياة.

 يمثِّل فكر الإمام الشيرازي نموذجًا مميزًا في فهم العلاقة بين الفقه والحياة؛ إذ اعتبر الفقه إطارًا متكاملًا يُوجِّه الإنسان والمجتمع في شتَّى مجالات الحياة، من السياسة والاقتصاد إلى الإدارة والتنمية الاجتماعيَّة. وفي هذا السياق، يصبح الفقه محرّكًا للواقع، وقاعدة لإصلاح الإنسان والمجتمع معًا. فالفقه، بحسب تصوره، إذا اقتصر على الأحكام الفرديَّة دون النظر إلى النتائج الاجتماعيَّة والسياسيَّة، يتحوَّل إلى ممارسة شكليَّة لا تسهم في بناء الإنسان ولا استقرار المجتمع. ولهذا، ربط بين شمولية الفقه وفعَّالية الإصلاح، معتبرًا أنَّ أيَّ مشروعٍ إصلاحي حقيقي لا بدَّ أن يستند إلى رؤية فقهيَّة قادرة على توجيه السلوك البشري في كلِّ ميادينه.

 وفي البعد السياسي، اعتبر السيّد الشيرازي أنَّ الفقه يجب أن يكون قادرًا على تنظيم العلاقات بين الحاكم والمحكوم، وضمان توزيع الصلاحيات بطريقة عادلة، وحماية حقوق الإنسان والمجتمع. فالسياسة عنده إطار لتطبيق المبادئ الفقهيَّة التي تضمن العدالة والاستقرار، وتحدّ من مظاهر الاستبداد والانحراف. 

 أمَّا في البعد الاقتصادي، فقد شدَّد السيِّد الشيرازي على أن الفقه يمكن أن يوجّه النشاط الاقتصادي نحو تحقيق العدالة الاجتماعيَّة، ومنع الاستغلال، وتنظيم التوزيع بما يحفظ كرامة الإنسان ويحقق استقرار المجتمع. فالفقه عنده منظومة تحكم التعاملات الاقتصاديَّة بما يوازن بين الحرية الفرديَّة والمصلحة العامَّة، ويضمن أن تكون الموارد وسيلة للبناء، لا أداة للظلم أو الهيمنة.

 وفي مجال الإدارة والتنميَّة، يرى السيّد الشيرازي أنَّ الفقه يوفر المبادئ التي تساعد على بناء مؤسسات فعَّالة، قادرة على العمل بما يخدم الصَّالح العام، ويربط المسؤوليَّة بالحقوق، ويحدّ من الفساد وسوء التقدير. فالفقه قاعدة لإرساء أسس مستدامة لإدارة المجتمع، وتحقيق التنمية البشريَّة والاجتماعيَّة.

 ومن منظور السيّد الشيرازي، شمولية الفقه تتطلَّب فهمًا متكاملًا للعلاقة بين الإنسان والواقع، بحيث تصبح الأحكام الفقهيَّة مؤثرة في الحياة اليوميَّة، لا مجرَّد نصوص تُحفظ أو تُطبق بطريقة شكليَّة. فالفقه هو أداة لفهم الظروف، والتَّعامل مع التَّحديات، وتحقيق التَّوازن بين المبادئ والقيم من جهة، والضرورات العمليَّة والاحتياجات المعاصرة من جهة أخرى.

 إنَّ فهم السيّد الشيرازي لشمولية الفقه يجعل مشروعه الإصلاحي فريدًا في قدرته على الربط بين النظريَّة والتَّطبيق، بين الدِّين والسياسة والاقتصاد والإدارة، وبين المبادئ والقيم والواقع العملي. فالفقه عنده وسيلة لإحداث تأثير حقيقي ومستدام في حياة الإنسان، وبناء مجتمع متوازن قادر على مواجهة تحديات العصر بثقة ووعي.

المحور الخامس: الإصلاح المؤسسي والعمل المتراكم.

 شكَّلت المؤسسات في فكر الإمام الشيرازي أداة مركزيَّة لتحقيق الإصلاح المستدام؛ إذ نظر إلى البنية المؤسسية بوصفها الحاضنة للعمل المنهجي والمتراكم الذي يضمن استمرار أثر الإصلاح عبر الزَّمن. فقد أدرك أنَّ الإصلاح يتطلَّب بناء مؤسسات قادرة على التَّوجيه، ونشر الثقافة، وصناعة المبادرات، وتوفير بيئة مستدامة لتحقيق التغيير الاجتماعي والفكري.

 ينطلق فكر السيّد الشيرازي من قاعدة مفادها أنَّ المؤسسات هي الضامن لتحويل المبادرات الفرديَّة إلى مشاريع جماعيَّة قادرة على مواجهة تحديات العصر. فالعمل المتراكم داخل المؤسسات يعتمد على تفاعل طويل الأمد بين المعرفة، والتربية، والقيادة الفاعلة، وإرساء قواعد سليمة للإدارة والمساءلة. وهكذا، تصبح المؤسسات وسائل لتحقيق الإصلاح وليس غاية بحدِّ ذاتها، وأداة لتحويل الفكر والرؤية إلى واقع ملموس ومستدام.

 وفي البعد الثقافي والتربوي، يربط السيد الشيرازي بين المؤسسات ونشر الوعي، فيرى أنَّ أيَّ مشروع إصلاحي يحتاج إلى بيئة تعليميَّة وفكريَّة تهيئ الفرد للقيام بدوره بشكلٍ فعَّال. من هنا، اهتمَّ بإنشاء المدارس، والمراكز التعليميَّة، والمكتبات، والمنتديات الفكريَّة، باعتبارها منصات لتربية الأجيال على القيم، وتعليمهم مهارات التفكير النقدي، وغرس روح المبادرة. فالعمل الثقافي المتراكم عبر المؤسسات يضمن استدامة الإصلاح، ويخلق جيلًا واعيًا قادرًا على التفاعل الإيجابي مع المجتمع وتحقيق التنمية البشريَّة والاجتماعيَّة.

 وفي البعد الإداري والسياسي، يرى السيِّد الشيرازي أنَّ المؤسسات توفر آليات واضحة للتخطيط، واتِّخاذ القرار، والمساءلة، بحيث يقل الاعتماد على الجهود الفرديَّة، وتصبح العمليَّة الإصلاحيَّة أكثر انضباطًا وفاعلية. فالهيكل المؤسسي يقلل من العشوائيَّة، ويضمن توزيع المسؤوليات بطريقة متوازنة، بما يمنع استشراء الانحرافات أو فساد القرار، ويخلق بيئة مناسبة للتغيير المستدام على مستوى المجتمع بأسره.

 كما يرى السيِّد الشيرازي أنَّ المؤسسات تساعد على تعزيز مشاركة المجتمع في الإصلاح؛ لأنَّها تتيح للفئات المختلفة التعبير عن أفكارها ومبادراتها، وتوظيف طاقاتها في مشاريع محددة، بدلًا من ترك الوعي والإبداع في نطاق محدود أو عشوائي. فالمؤسسة هي فضاء للفاعلية والمبادرة، ومنصة لتبادل المعرفة والخبرة، ممَّا يخلق ديناميكيَّة مستمرة تؤدِّي إلى تطوير المجتمع وصيانة استقراره.

المحور السَّادس: الانفتاح الإنساني والبعد العالمي.

 تميَّز فكر الإمام الشيرازي برؤية شاملة للعالم، قائمة على الانفتاح الإنساني والبعد العالمي، بعيدًا عن الانغلاق العقلي أو التطرف الفكري الذي يعيق الحوار والتفاعل الحضاري. فقد رأى أنَّ الإسلام، بحكم كونه دينًا عالميًا، يجب أن يكون حاضرًا في كلِّ فضاء اجتماعي وفكري بمرونة واعية، تسعى لفهم الآخر، والحوار معه، ونشر القيم الإنسانيَّة دون إكراه أو تهميش. 

 ينطلق السيد الشيرازي في هذا المجال من قاعدة معرفيَّة واضحة: أنَّ الإنغلاق الفكري يؤدِّي إلى الجمود، ويصنع التطرف، ويحدّ من قدرة الإنسان على التَّعلم والمشاركة في صناعة المستقبل. لذلك، دعا إلى عقل منفتح قادر على التفاعل مع الثقافات المختلفة، والاستفادة من التجارب الإنسانيَّة المتنوعة، مع الحفاظ على الثوابت الدينيَّة والأخلاقيَّة. فالانفتاح عنده استيعاب الآخر ضمن إطار الأخلاق والوعي، ممَّا يعزز قدرة المجتمع على التكيف مع التحولات المعاصرة.

 كما يربط السيد الشيرازي الانفتاح بالبعد العالمي للإسلام، فالدِّين عنده رسالة إنسانيَة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسيَّة. ومن هنا، دعا إلى خطاب إسلامي عالمي، قادر على مخاطبة الإنسان أينما كان، ويقدِّم نموذجًا حضاريًا يحاكي روح العصر، ويجيب عن تساؤلات الإنسان المعاصر حول العدالة، والحرية، والسلام، والتعاون.

 ويؤكِّد السيد الشيرازي أنَّ الانفتاح الإنساني لا يتعارض مع الهوية الإسلاميَّة؛ لأنَّه يمنح الفرد القدرة على الدفاع عن قيمه بثقة، وفي الوقت نفسه يسمح له بفهم الآخر، والتفاعل معه بطريقة حضاريَّة. 

 وفي البعد العملي، يوضح فكر السيد الشيرازي أنَّ الانفتاح العالمي يتطلَّب مؤسسات ومنابر قادرة على تقديم الخطاب الإسلامي بوضوح وعمق، بعيدًا عن التعصب، وقادرًا على مواجهة التحديات الفكريَّة والثقافيَّة المعاصرة. فالإعلام، والتَّعليم، والحوار بين الأديان والثقافات، يشكِّلون أدوات أساسيَّة لنشر هذا الانفتاح، وتحقيق فهم متبادل يحدّ من الصراعات، ويعزز التعاون الإنساني على المستوى العالمي.

المحور السَّابع: لماذا نحتاج اليوم إلى فكر الإمام الشيرازي؟ 

 تظلُّ الحاجة إلى فكر الإمام الشيرازي اليوم أكثر إلحاحًا من أيِّ وقت مضى، في ظلِّ الاضطرابات المعاصرة، والانقسامات الفكريَّة والاجتماعيَّة، والتحديات الحضاريَّة التي تواجه المجتمعات الإسلاميَّة والعالم أجمع. فمشروعه الإصلاحي انطلق من تشخيص عميق لجذورها، واضعًا الإنسان وقيمه في صدارة الرؤية، ومؤسِّسًا لعلاقة تكامليَّة بين الفرد والأسرة والمجتمع والمؤسسات، كما يربط الفقه بنبض الحياة، والمعرفة بالفعل والعمل.

 لقد أبرز السيد الشيرازي منذ بدايات مسيرته الحاجة إلى مشروع شامل يواجه الاستبداد السياسي والفكري، ويصون القيم الأخلاقيَّة، ويعزز بناء الإنسان الواعي القادر على التغيير. فهو لم يكتفِ بالتحذير من مخاطر الانحراف أو العنف أو التفكك الاجتماعي؛ وإنَّما قدَّم أدوات فكريَّة وأخلاقيَّة وعمليَّة لإعادة ترتيب الحياة على أسس متينة، تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المجتمع، وتتصل بالفضاء العالمي من خلال الانفتاح والحوار الحضاري.

 ومن أبرز ما يقدِّمه فكره اليوم، هو القدرة على ربط التشخيص بالحلول: فحين يشخِّص أزمة القيم وأثر الاستبداد على الفرد والمجتمع، يقترح بناء الإنسان عبر التربية المتكاملة، وإشراك المرأة والشباب في الإصلاح، وتأسيس مؤسسات قادرة على الاستدامة، واعتماد الفقه كأداة للتوجيه العملي في السياسة والاقتصاد والإدارة. وهذه الرؤية المتكاملة تضمن أن يكون الإصلاح حقيقيًا ومستدامًا، لا مجرَّد حملات مؤقتة أو شعارات سطحيَّة.

 كما يوفر فكره أدوات لمواجهة التطرف والعنف باسم الدِّين، ويربط بين الالتزام بالقيم والمرونة في التَّعامل مع الآخرين، ويقدِّم خطابًا متوازنًا قادرًا على مخاطبة الإنسان المعاصر بفكر واعٍ ومنفتح، بعيدًا عن الانغلاق أو التطرُّف. وهذا المنهج يتيح للمجتمعات المحافظة على هويتها وقيمها، وفي الوقت نفسه المشاركة الفاعلة في التحديات العالميَّة، بما يحقق الاستقرار والتَّعاون.

 إنَّ أهميَّة مشروع السيد الشيرازي تكمن في قدرته على تقديم حلول تتجاوز اللحظة الرَّاهنة، لتضع أسسًا لبناء مستقبلي متين. فهو يرى أنَّ الإصلاح لا يكتمل إلَّا بتضافر عناصره المختلفة: الإنسان المتعلِّم والواعي، الأسرة المتماسكة، المجتمع القادر على التَّعاطي مع التحديات، المؤسسات المنظمة، والقيم المتجذرة في الحياة اليوميَّة. ومن هنا، يصبح فكره مرجعًا لإعادة النظر في كلِّ جوانب الحياة، وضمان استدامة الإصلاح الحضاري والفكري.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2025

http://shrsc.com

اضف تعليق