إن التردّي الصامت الذي يطبع المرحلة الراهنة لا يمثّل أزمة عابرة، بل يعكس مأزقًا بنيويًا يتمثّل في استمرار العملية السياسية دون مشروع دولة جامع، ودون أفق حضاري قادر على تحويل الاستحقاقات الانتخابية من طقوس إجرائية إلى محطات تأسيسية في بناء الدولة، ولذلك فإن أي حديث عن إصلاح سياسي حقيقي يظلّ ناقصًا...
لم تكشف الانتخابات الأخيرة في العراق عن أزمة سياسية حادّة بالمعنى التقليدي، ولم تُنتج موجات طعن واسعة في شرعيتها، ولا صراعات مفتوحة على نتائجها، بل جرت ضمن مناخ هادئ نسبيًا، غير أنّ هذا الهدوء لا يمكن قراءته بوصفه علامة تعافٍ سياسي، بل بوصفه انتقالًا للنظام السياسي من مرحلة الاضطراب الظاهر إلى مرحلة أكثر عمقًا من التردّي الصامت، حيث تستمر العملية السياسية شكليًا فيما يتآكل معناها ووظيفتها التاريخية.
أولى سمات هذا التردّي تتجلّى في تحوّل الانتخابات من أداة لإعادة تشكيل الإرادة السياسية العامة إلى إجراء دوري لإدارة التوازنات القائمة، فالعملية الانتخابية لم تعد تُنتج قطيعة مع الأداء السابق، ولا تُسائل التجارب الحكومية المتعاقبة، بل تعمل ضمن سقف غير معلن يحافظ على البنية العامة للنظام، ما يجعل التغيير محصورًا في الوجوه والتحالفات لا في منطق الحكم ذاته، وهو ما يشير إلى استقرار إجرائي فوق أرضية سياسية راكدة.
ويبرز في هذا السياق تراجع السياسة بوصفها مجالًا للصراع الفكري والبرامجي، إذ انحصر الفعل السياسي بعد الانتخابات في مفاوضات تشكيل السلطة وتوزيع المواقع، دون أن يترافق ذلك مع نقاش عام حول شكل الدولة، أو أولويات الاقتصاد، أو موقع العدالة الاجتماعية، أو معنى السيادة، فغابت السياسة باعتبارها إدارة واعية للاختلاف، وحلّ محلها منطق تقني بارد يهدف إلى ضمان استمرار النظام لا تطويره.
كما يكشف هذا المشهد عن انتقال النخب السياسية من منطق إدارة الأزمة إلى منطق التعايش معها، حيث لم تعد الاختلالات البنيوية في مؤسسات الدولة تُعدّ مشكلات طارئة تستوجب حلولًا جذرية، بل تحوّلت إلى معطيات ثابتة يجري التعامل معها بوصفها جزءًا من الواقع السياسي الطبيعي، وهو ما يعكس حالة إنهاك عميقة في الخيال السياسي، وعجزًا عن إنتاج أفق إصلاحي يتجاوز إدارة اللحظة.
ويتجلى التردّي الصامت أيضًا في الفراغ المتنامي بين المجتمع والنظام السياسي، فرغم غياب الاحتجاج الواسع أو الرفض الصاخب، إلا أن هذا الهدوء لا يعكس اندماجًا سياسيًا حقيقيًا، بل يدلّ على مسافة باردة تفصل المواطنين عن العملية السياسية، حيث تُدار الدولة دون مشاركة سياسية فعّالة، ودون شعور عام بأن المسار الانتخابي هو المجال الحاسم للتأثير في اتجاهات الحكم.
وتزداد خطورة هذا الوضع مع تراجع مفهوم المسؤولية السياسية، إذ لم تُترجم النتائج الانتخابية إلى محاسبة واضحة على الأداء السابق، ولم يُربط الوصول إلى السلطة بسجلات إنجاز أو إخفاق، ما يعمّق الإحساس بأن التداول السياسي يتم داخل دائرة مغلقة، وأن الانتخابات تؤدي وظيفة تنظيمية داخل النظام أكثر مما تؤدي وظيفة رقابية عليه.
غير أنّ هذه الظواهر، على تعددها، لا يمكن فهمها بمعزل عن الإشكالية الأعمق التي تحكم التجربة السياسية العراقية، وهي غياب الدولة الحضارية بوصفها إطارًا جامعًا ينظّم العلاقة بين السلطة والمجتمع، فالدولة القائمة ما زالت تعمل بوصفها كيانًا إداريًا-سياسيًا لإدارة التوازنات، لا بوصفها مشروعًا حضاريًا ينتج معنى مشتركًا للانتماء، ويؤسّس لشرعية قائمة على القيم والمؤسسات لا على التوافقات الظرفية.
إن غياب الدولة الحضارية يعني غياب المرجعية القيمية العليا التي تُخضع العملية السياسية لمنطق المصلحة العامة، وتحوّل الانتخابات إلى محطة في مسار بناء الدولة لا إلى غاية بحد ذاتها، وفي ظل هذا الغياب، تصبح الانتخابات أداة لتنظيم الصراع داخل النظام لا لإعادة توجيه الدولة، وتتحول السياسة إلى إدارة للواقع بدلًا من تغييره.
كما أن الدولة غير الحضارية تعجز بطبيعتها عن إنتاج مواطنة فاعلة، لأن العلاقة بينها وبين المجتمع تقوم على التكيّف لا على الشراكة، وعلى التعايش مع الخلل لا على معالجته، وهو ما يفسّر لماذا لا يؤدّي الهدوء السياسي بعد الانتخابات إلى استقرار حقيقي، بل إلى حالة من الجمود الطويل الذي يستهلك الزمن ويبدّد الفرص التاريخية.
إن التردّي الصامت الذي يطبع المرحلة الراهنة لا يمثّل أزمة عابرة، بل يعكس مأزقًا بنيويًا يتمثّل في استمرار العملية السياسية دون مشروع دولة جامع، ودون أفق حضاري قادر على تحويل الاستحقاقات الانتخابية من طقوس إجرائية إلى محطات تأسيسية في بناء الدولة، ولذلك فإن أي حديث عن إصلاح سياسي حقيقي يظلّ ناقصًا ما لم ينطلق من سؤال الدولة نفسها، لا من آلياتها فقط، ومن معنى الحكم لا من هندسته الإجرائية.



اضف تعليق