ساد شعورٌ عارم بين افراد الأمة في عهد الامام الهادي، عليه السلام، بأنهم فقدوا الدولة التي تحميهم وتصون كرامتهم وحقوقهم، فقد تحولت الدولة الاسلامية في عهد المعتصم ثم المتوكل من نظام اسلامي يطبق الشريعة الاسلامية ويحمي الثغور وكيان الامة، الى مؤسسة عسكرية يقودها مسلمون من أصول تركية تحمي مجالس اللهو والطرب والبذخ للحكام العباسيين، فأطلقوا لهم العنان ليصولوا ويجولوا بخيولهم في أسواق بغداد وبين الطرقات منتهكين حرمات الناس وملحقين بهم اضراراً فادحة حتى طفح الكيل وبدأت انباء اغتيال القادة الأتراك في بغداد يتناقلها الناس بسبب تزايد الكراهية منهم.

بموازاة ذلك، كانت المسيرة الرسالية للأئمة الاطهار ماضية في قيادة الأمة ثقافياً وفكرياً، وقد بلغت في عهد الامام علي بن محمد الهادي درجة من القوة والعزم أن تحولت الى مدّ جماهيري اختراق زوايا البلاط العباسي، فصار للإمام الهادي موالون ليس بين افراد المجتمع، وإنما بين العاملين حول الحكام العباسيين من حراس وكتاب ووزراء مقربين.

فبعد الحركة العلمية بقيادة الامامين الصادقين، عليهما السلام، والاستمرار عليها حتى الامام الرضا الذي لُقب بعالم آل محمد، ثم ابنه الجواد، عليهما السلام، بدأت مع الامام الهادي مرحلة جديدة تستجيب لواقع سياسي واجتماعي جديد في الامة يتطلب وجود قادة أكفاء بمواصفات خاصة ليتولوا إدارة شؤون الامة في أمر دينهم ودنياهم وساعد على نجاح هذه المهمة مدة الثلاثة والثلاثين سنة إمامة الهادي، عليه السلام، وهي فترة طويلة قياساً بسائر الأئمة المعصومين، عليهم السلام.

في مدرسة القيادة الرسالية

كما هو منهج الأئمة الاطهار؛ التزم الامام الهادي مدينة جدّه المصطفى والى جوار مرقده الشريف، يروي عنه مذكراً بما كاد المسلمون نسيانه من الروايات والسُنن بعد حوالي قرنين من الزمن، و يعقد الجلسات العلمية، ويشرّح احكام الاسلام، ويستخرج من القرآن الكريم ما يستبصر الناس به الطرق الصحيحة في حياتهم.

وعلى سيرة الامام الصادق في تربية العلماء، كان الامام الهادي يعقد الجلسات العلمية بحضور مئات الرواة والمحدثين يأتون من كل أنحاء البلاد الاسلامية لينهلوا من العلوم والمعارف الإلهية، فكان يأتون ثم يعودون الى ديارهم محملين بكمٍ هائل من الروايات عن مختلف شؤون الحياة، وما يتعلق بالعقيدة والدين، وفي كتاب سيرة الامام علي الهادي، دراسة تحليلية، للدكتور الشيخ عبد الله اليوسف، جاء ذكر 31اسماً من البارزين والمقربين الثقاة ممن رووا عن الامام الهادي، عليه السلام، ابرزهم ابراهيم بن مهزيار الاهوازي، "وكان من اصحاب الجواد والهادي والعسكري، عليهم السلام، وهو من اصحاب الاصول التي استخرج منها الصدوق احاديث كتابه الفقيه وحكم بصحتها"، وايضاً؛ احمد بن اسحاق القمي، والحسن بن علي الاطروش، وهو منطقة داغستان –في منطقة القوقاز حالياً- وهو جد الشريفين؛ الرضي والمرتضى لامهما، ومنهم السيد الأجلّ؛ عبد العظيم الحسني، صاحب المرقد المهيب جنوب العاصمة طهران، وعلي بن ابراهيم القمي، صاحب التفسير المعروف.

وقد تعددت آراء العلماء في عدد الرواة من تلاميذ الامام الهادي، ففي "رجال الطوسي" ذكر أنهم 185 رجلاً، بينما الشيخ القرشي في موسوعته عن سيرة أئمة أهل البيت، فقال انهم: 175، وقال الشيخ محمد حسن آل ياسين، في؛ سيرة الائمة الاثني عشر أنهم؛ 187، أما السيد كاظم القزويني في موسوعته من المهد الى اللحد، فقال انهم: 346، ومن بين كل هؤلاء –بقطع النظر عن العدد الحقيقي- اختار الامام الهادي عدداً من الرجال لتولّي منصب الوكالة (القيادة)، نظراً الى المراتب و الدرجات المتفاوتة لتلاميذ الامام في الوثاقة والعدالة والعلمية، بعد أن كان دور هؤلاء المقربين من الأئمة في مراحل زمنية ماضية مقتصراً على جمع الحقوق الشرعية وإيصالها الى الإمام، ثم نقل التعليمات الرسالية الى المؤمنين.

وخلال فترات طويلة من حياته الشريفة، "اهتم الامام الهادي بالصفوة والنخبة من اصحابه وتلامذته، و أولاهم عناية خاصة، فكان يجلس معهم جلسات علمية خاصة، ويحيطهم بعنايته و الطافه و تويجهاته، و إرشاداته، ويغدق عليهم من كرمه وجوده بما يعزز من حماستهم لطلب العلم والمعرفة".

كل هذا من اجل ان ينتقل الوكلاء من دور الفُتيا ونشر الاحكام الدينية، الى التصدّي لشوون الناس الاقتصادية والعقدية والاخلاقية في مختلف ارجاء البلاد الاسلامية، "فكانوا يقومون بمهام عدة، منها؛ توضيح الاحكام الشرعية وفق مذهب اهل البيت، وتأمين صرف الحقوق الشرعية بصورة صحيحة، وبيان المواقف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، و تولي ادارة الاوقاف"، فكان هؤلاء الوكلاء يأتون الى الامام الهادي في المدينة من الحجاز، ومصر والكوفة والبصرة والري وخراسان وبقاع أخرى، ومن هؤلاء الوكلاء من سطع اسمه في عهد الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، ليتسنّم مقام السفارة في غيبته الصغرى، وهو عثمان بن سعيد العُمْري، وجاء في المصادر أن الامام الهادي اختاره ليكون وكيلاً عنه وهو ابن احد عشر سنة، لينطلق في مشوار الوكالة من الامام الهادي ثم الى الامام الحسن العسكري، ثم السفارة فيما بعد.

وتذكر المصادر اسماء لامعة من هؤلاء الرجال الأكفاء امثال؛ علي بن مهزيار الذي عاصر الامام الجواد ثم الهادي "واختصّ بابي جعفر الثاني (الجواد)، وتوكل له وعظم محله منه، وكذلك ابو الحسن الثالث (الحسن العسكري)، وتوكل لهم في بعض النواحي، وخرجت توقيعات الى الشيعة فيه بكل خير". و ايضاً: ايوب بن نوح الذي وصفه الامام الهادي ذات مرة وكان عنده احد اصحابه بأنه من أهل الجنة.

من أهم وأبرز الدروس لهؤلاء الوكلاء؛ القرب من أفراد الأمة، وأن لا يشعروا بالحيرة في أمر دينهم ودنياهم، وأن يعملوا على تذليل الصعاب، وحل المشاكل ما استطاعوا الى ذلك سبيلا، اقتداءً بمنهج أمير المؤمنين، عليه السلام، وسيرته خلال فترة حكمه، وايضاً في وصيته الشهيرة الى مالك الأشتر.

ومن أروع دروس الإمام الهادي الى الوكلاء آنذاك، ولنا ايضاً في هذا الزمان، أن أعرابياً جاءه من الكوفة يطلب منه المساعدة في فكّ دين ثقيل عليه، فقال له الإمام الهادي: "طب نفساً وقر عيناً"، فطلب منه الامام ان يدّعي عليه عند المتوكل بدينٍ، وقال له: "أغلظ عليّ القول في ترك إبقائك إياه (الدين)، ثم الله الله في مخالفتي"، ففعل الرجل، ولما حضر الامام "سر من رأي"، وحضر جماعة كثيرون عنده من اصحاب المتوكل، حضر ذلك الرجل و اخرج الكتاب وطالبه كما أوصاه الامام، فبلغ ذلك المتوكل فأمر ان يحمل الى الامام الهادي ثلاثون الف درهم، فأعطاها إياه، فقال ذلك الرجل الاعرابي: يابن رسول الله، والله ان أملي كان يقصر عن ثلث هذا، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته.

الإمام الهادي يُبعد الخطر عن أصحابه

كما أسلفنا بأن الدولة العباسية المنخورة سياسياً واقتصادياً و ادارياً، كان تستقوي فقط بالسيف، فلم يتردد العباسيون عن قتل أي معارض يسعى لزعزعة سلطانهم، الامر الذي استدعى اجراءات احترازية مستمرة يتخذها الامام الهادي في بغداد وفي "سر من رأى" لإبعاد اصحابه و وكلائه عن خطر الموت الكامن لهم بسبب كثرة الجواسيس والعيون على الامام واصحابه في الطرق بين المدن الاسلامية ومقر إقامة الإمام، فالعباسيون على علم بأن المؤمنين من شيعة أهل البيت يرسلون الحقوق الشرعية باستمرار الى الامام، وهي عبارة عن أموال طائلة، لكن تعييهم الحيلة في الإمساك بهم لسرعة المناورة وتغيير الموقف بفضل إرشادات وتوجيهات الامام الهادي.

وذات مرة كانت ثمة قافلة قادمة من قم تحمل نذوراً، وهدايا، وجواهر، متجهة الى "سر من رأى" لإيصالها الى الامام الهادي، فجاءهم الرسول في الطريق أن "ارجعوا فليس هذا وقت الوصول إلينا"، وكان الامام مطلعٌ على تحركات الجواسيس والوشاة ممن نقلوا خبر هذه القافلة الى البلاط العباسي، فأرواح المؤمنين والشيعة عند الامام الهادي أهم بكثير من الاموال والهدايا مهما كانت.

وهكذا اتخذ الامام الهادي اجراءات عديدة لحماية شيعته من بطش العباسيين وتنكيلهم واضطهادهم، وهكذا أسس لقاعدة جماهيرية واسعة وصلبة للغاية جعلت الحكم العباسي إطاراً دون محتوى في قادم الأيام والزمان ولتتحول هذه الدولة الى مجرد اسم تذروه رياح الانقسامات السياسية في البلاد الاسلامية، فكان الحكام العباسيين يفعلون المستحيلات للإبقاء على سلطتهم في بغداد بعد تحول البلاد الاسلامية الى ممالك ودول مستقلة في خراسان، وشمال افريقيا، وتبقى القاعدة الاجتماعية وفية ومستمرة في ولائها و ايمانها مع الزمن للأئمة أهل البيت، عليهم السلام.

اضف تعليق