القوةُ الحقيقيةُ لشهرِ رمضان تكمنُ في قدرتِه على إعادةِ الإنسانِ إلى أسرته ومجتمعِه، وترميمِ ما أفسدتهُ المسافاتُ الرقمية؛ فهو ضرورةٌ اجتماعيةٌ ونفسيةٌ في عصرٍ تبتلعُنا فيه الشاشات، وإذا ما استُثمرَ بوعيٍ بعيداً عن التباهي، سنخرجُ بذاكرةٍ عاطفيةٍ متجددةٍ تمنحُنا الطمأنينةَ لمواجهةِ ضغوطِ الحياة...
ينشغل جميع الناس أو فلنقل أغلبهم في توفير ما تفرض الحياة عليهم من أحمال نتيجة للمستلزمات المتزايدة والمستجدة بحسب استجداد الحاجات الإنسانية، وهذا الانشغال شبه المستمر فرض نوعاً من الضعف في الترابط الاجتماعي سواء على صعيد الأسر أو على صعيد الأصدقاء والجماعات الأخرى التي ينتمي إليها الإنسان ومنها جماعة زملاء العمل على سبيل المثال، فيأتي شهر رمضان ليرمم هذا الخلل، فماهي إسهامات الشهر الفضيل في الجانب الاجتماعي؟
يمثل شهر رمضان فرصة مميزة لتقوية العلاقات الأسرية وإحياء صلة الرحم في زمن تتسبب فيه المشاغل الرقمية والاجتماعية في التباعد، فحين تجتمع الأسر حول مائدة واحدة، متمتعة بالأجواء الروحية والحميمة التي تعزز من التعاون والترابط، مما يساعد على تحقيق الاستقرار العاطفي وخلق ذكريات سعيدة بالرغم من التحديات الحديثة مثل بعد المسافات والضغوط الاقتصادية. في هذا السياق تقول الأخصائية الاجتماعية، حورية مقفوجي "أن رمضان فرصة لإعادة التوازن للعلاقات الاجتماعية، وترميم ما أضعفته العزلة التي فرضتها الشاشات طوال السنة، لما يحمله من رمزية قوية تتداخل فيها القيم الدينية والثقافية والأسرية، فاجتماع الأسرة حول مائدة الإفطار حدث اجتماعي ونفسي عميق يعيد بناء الشعور بالانتماء ويعزز الهوية الأسرية".
وتعزز صلة الرحم من الروابط الأسرية وتعيد إحياء التعاون بين الأفراد، فهذه الزيارات توفر فرصة للتواصل المباشر بين الأجيال، مما يسهم في تعزيز الثقافة داخل الأسرة، ومع ذلك قد تصبح هذه الزيارات في بعض الأحيان عبئاً اقتصادياً وجسدياً، خصوصاً مع متطلبات الضيافة والمقارنات الاجتماعية، مما يستدعي التفكير مجدداً في كيفية التعامل مع أيام شهر رمضان بطريقة متوازنة وبسيطة، بعيداً عن الفخر والتباهي الذي لا داعي له. كما من عائدات شهر رمضان المبارك تقليص فجوة الأجيال، إذ تتيح الأجواء الرمضانية مساحات للحوار والأنشطة المسائية المشتركة بين أفراد العائلة وهو ما يزيل الغموض وحتى التوجس الذي يحصل نتيجة للابتعاد حتى بين أبناء العائلة الواحدة، فكثيراً ما يحدث أننا نكون صورة ذهنية عن شخص قريب منا وحين نخالطه تتبين لنا شخصيته الحقيقية.
كما ينفع التجمع العائلي أو الاجتماع مع الأصدقاء في الخروج من الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي قد يخلق عزلة رقمية داخل المنزل الواحد تحت سطوة التأثير الرقمي، فتأتي اجتماعية هذا الشهر لتخلص الكثير من المدمنين من هذا الجو النفسي المزعج وتدفع بهم صوب الاختلاط الذي يوفر لهم جو نفسي آمن وطمأنينة تزيد من مستويات الراحة والاتزان النفسي لديهم. كما أن الالتقاء بالأصدقاء يوفر للإنسان فرصاً للتخلص من الأتعاب الحياتية وتنفيس الهموم عبر الفضفضة الصادقة التي تحدث بين أطراف اللقاء، فأنا شخصياً من الذين يخففون أعباء الحياة عنهم بطرق عدة ومنها محاولة التقاء الأصدقاء، وهذه الخصيصة ليس دائماً متاحة فربما في شهر رمضان تتاح أكثر وبالتالي يجب استثمارها بالطريقة المثلى.
ولمساهمة الإنسان في الأنشطة التطوعية والثقافية والدينية أثر نفسي كبير في تحقيق مستويات عالية من الصحة النفسية على الصعيد الفردي وهو ما يمكن أن ينعكس على المجتمع، فالإنسان السوي يسعده تقديم معونة لأحدهم ويسعد حين يجد نفسه محاطة بمجموعة من البشر الذين يمدونه بالطاقة الإيجابية اللازمة لمواصلة الحياة. ختاماً يبرز شهر رمضان ليس فقط كشعيرة دينية، بل كضرورة اجتماعية ونفسية ملحة في عصرٍ تكاد تبتلعنا فيه الشاشات والالتزامات المادية، فالقوة الحقيقية لهذا الشهر تكمن في قدرته على إعادة الإنسان إلى أسرته ومجتمعه، وترميم ما أفسدته المسافات، وإذا ما استثمرنا هذه الأيام بوعي، بعيداً عن مظاهر التباهي والتعقيد، سنخرج منها بذاكرة عاطفية متجددة، واتزان نفسي يعيننا على مواجهة ضغوط الحياة بقية العام بقلوب أكثر ترابطاً وأرواح أكثر طمأنينة.



اضف تعليق