تعيش اللغة العربية اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتنامي تأثير اللغات الأجنبية، وتبدّل أنماط التواصل لدى الأجيال الجديدة. وبين المخاوف على الهوية اللغوية والرهان على التقنيات الحديثة، تتجدد الأسئلة حول قدرة العربية ...
تعيش اللغة العربية اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتنامي تأثير اللغات الأجنبية، وتبدّل أنماط التواصل لدى الأجيال الجديدة. وبين المخاوف على الهوية اللغوية والرهان على التقنيات الحديثة، تتجدد الأسئلة حول قدرة العربية على الحفاظ على مكانتها بوصفها وعاءً للثقافة والفكر وذاكرةً حضاريةً لأمة امتد أثرها عبر القرون. وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن العولمة تمثل تحدياً حقيقياً أمام لغة الضاد، يذهب آخرون إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يفتح أمامها آفاقاً جديدة للحضور والانتشار.
في هذا الحوار، يفتح لنا الباحث واللغوي الدكتور عمر حسين نجم، التدريسي في كلية الآداب بجامعة سامراء، نافذةً واسعة على واقع اللغة العربية بين التحديات والفرص، متناولاً قضايا الهوية اللغوية، والمناهج الدراسية، والبلاغة القرآنية، ومستقبل العربية في عصر الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن رؤيته للعلاقة بين الأدب القديم والحديث، والسبل الكفيلة بصيانة المصطلح العربي في زمن العولمة.
بدايةً، ما هي أبرز التحديات التي تواجه الهوية للغة العربية لدى الجيل الناشئ، وكيف نواجهها؟
في كثير من القرون كان الإنسان العربي يفخر بلسانه ويترجم به فكره وثقافته وينظر الناس إليه بإعجاب، لأنه من رحم ثقافة انتشرت معارفها في جميع الأقطار، وأثّرت وتأثّرت بجميع الحضارات. وبعد التشتت الذي لحق بالكيان العربي، تضاءل التأثير المعرفي الذي حملت الثقافة العربية لواءه في حقب زمنية عسيرة، فتدهورت الحركة العلمية حتى أصبح الإنسان العربي يستورد الثقافة كما يستورد التجارة.
ويعد حال لغة الضاد مرآة تعكس بصورة واضحة الواقع العام الذي تعيشه الأمة العربية، لأن اللغة هي المعبّر الأول عن الإنسان والشخصية الوطنية والكيان الحضاري. وعلى الرغم من أن البلدان العربية حصلت على استقلالها، فإن لغتها ما زالت في حالة من التراجع والتردي تعكس واقعها وأزمتها.
كيف تقرأ واقع المناهج الدراسية في تعزيز حب اللغة العربية لدى الطلبة؟
في كثير من أقطار الدول العربية هناك ضعف شديد في مواد اللغة العربية من المحتوى الخاص بها، لا تعطي المعلومات الكافية بالنسبة للنحو أو البلاغة أو الأقسام الأخرى للغة، فيخرج الشخص لا متعلمًا للغة ولا متقنًا لها، والأرجح أنه يخرج كارهًا لها لعدم فهمه لها!
والاتجاه للتحدث بلغات أخرى غير الأصلية؛ لأن عدوى التغريب، والشعور أن الدول المتقدمة المتحضرة سبب وضعها ذاك هو اللغة التي يتكلمون هم بها!، فيظن حينها أنه يجب أن نقتدي بها في كل شيء، ملبس، ولغة، وطريقة تعامل، وعاداتهم، وتقليدهم، فيصبح الشخص واهمًا أنه بذلك أصبح أكثر تحضراً بعد ترك لغته الأم.
ما الذي يميز اللغة العربية عن باقي لغات العالم من حيث السعة والاشتقاق والجمال البلاغي؟
اللغة العربية لغة عاطفية موسيقية ساحرة ليست فقط لغة الضاد، بل تحتوي على تجانس مختلف غريب في لحنها، تغوص من خلالها لعوالم مختلفة، تشعر بتناسق بين حروفها وكلماتها، فكما يقول الأديب الكبير عباس محمود العقاد- رحمه الله- في كتابه "اللغة الشاعرة".. إن اللغة العربية لا تلقَّب باللغة الشاعرة لأنها لغة تنتج الشعر، بل لأنها لغة عاطفية موسيقية تنبعث منها مشاعر مستنيرة ينتشر في طياتها نوع مختلف من الأحاسيس تلامس القلب مباشرة بسهولة مطلقة.
أين تجد التجلي الأعمق لروح اللغة العربية: في الأدب الكلاسيكي أم الحديث؟
القديم لا يطاوله ولا ينازعه بجودته ورصانته وبلاغته وجزالته أدب وهذا لا يعني أن ننسف الحديث وما يحمل من روائع فلكل منهما سحره؛ فالقديم جذور والحديث أغصان. لذلك أجد نفسي غالبًا بين معلقات العرب وقصائدهم، وتارة في حداثة نجيب محفوظ.
ما السبل الكفيلة بتوظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة اللغة العربية عالميًا؟
إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي تداخل مع علوم كثيرة، ومن ضمنها علم معالجة اللسانيات، والتعامل مع هذه التقنيات لم يعد أمرًا اختياريًا، بل أصبح أمرًا حتميًا للمستقبل، وطوفان تقنيات الذكاء الاصطناعي يهاجمنا بشدة، وعلينا أن نسارع بالانخراط فيه واستيعابه والتكيف معه، بل والمشاركة فيه وإلا سيغرقنا بلا رحمة.
اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل منظومة فكرية وثقافية تمثّل هوية أمة، ومع ذلك واجهت تحدّيات كبيرة عند دخولها الفضاء الرقمي، وتتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصًا مذهلة في الترجمة الآلية وتحليل النصوص إلى المساعدات الصوتية الذكية بالعربية، لكن من أجل أن تستفيد العربية من هذه الثورة، يجب أن نوفّر لها ما تحتاجه من بيانات لغوية ضخمة ونماذج مخصّصة، لذلك يعدُّ الذكاء الاصطناعي الحليف الجديد للغة.
وأنَّ تعلّم اللغة العربية يمكن أن يستفيد بشكل كبير من الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تطبيقات التعلّم التكيفية التي تقدّم دروساً مخصصة، إلى أدوات تحليل الكتابة والنطق، وتصحيح الأخطاء تلقائيًا، وحتى الترجمة التلقائية والنماذج التي تفهم السياق.
وفي عصر تتزايد فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي الغربية التي غالبًا ما تكون مصمّمة للغات مثل الإنجليزية، فإن تطوير أدوات عربية أولًا يعزّز السيادة اللغوية والثقافية، إذن فعصر الذكاء الاصطناعي يُعدّ فرصة ثمينة للغة العربية وليس تهديدًا لها، بشرط أن تُدار هذه الفرصة بحِكمة.
الكلمة او اللفظة العربية المقربة الى قلبك، ولماذا؟
(فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) هذه الكلمة التي ذُكِرت في القرآن الكريم التي تحمل معانٍ عدة منها: (بمرأى منا، وتحت حفظنا ورعايتنا وعنايتنا)، هي طمأنينة من الله تعالى لنبيه محمد (ﷺ) ولكل مؤمن يقتدي به بالصّبر على البلاء والمحن، فالله يرى صبرك، ويحوطك بعنايته فلا يضرك من أرادك بسوء. أمع اللهِ جرحٌ لا يبرأ؟ أمع الله كسرٌ لا يُجبر؟ ثقّ بالله ولا تبتئِس.
كيف تسهم البلاغة في تعميق فهم النص القرآني وتذوق جمالياته؟
وَعَى العربُ بلاغةَ القرآن الكريم، وأدركوا كثيرًا من مراميه منذ نزل القرآن على قلب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ فقد كانوا قومَ لَسنٍ وفصاحة، تفوقوا في فنون القول كلِّها من شعر ونثر، وقالوا فأجادوا، وعبَّروا فأبدعوا، ونزل القرآن الكريم متحديًا لهم في جانب تفوقهم لتقام عليهم الحُجَّة، وليكون للتحدِّي مسوغاته، وهذا دليل على أنهم بلغوا في فنون القول شأوًا عظيمًا لا ينكره أحد.
تُعدّ البلاغة في لغة القرآن ميدانًا يتداخل فيه اللسانيّ بالنقديّ، ويجتمع فيه علم المعاني والبيان والبديع تحت سقف “النَّظم” بوصفه المبدأ الجامع لوحدة التعبير ودلالة السياق. فالقرآن لا يقدّم بلاغته على هيئة زخرف لفظيّ مستقل، بل يُنظّم العناصر الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية في شبكة محكمة تؤدّي المعنى بأقصر طريق وأبلغ أثر. ولهذا رأى عبد القاهر الجرجاني أن موضع الإعجاز ليس في المفردة معزولةً، بل في علاقاتها حين تُؤلَّف وتُرتَّب، حيث تتولد الدلالة من صوغ العلاقات لا من تجاور الكلمات فحسب.
ما العمل الأدبي الذي يمثل بالنسبة لك منبعًا متجددًا للثراء اللغوي؟
قبل الأعمال الأدبية علينا أن نعرف أنّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الركن الأساس والمنبع الأسمى والأعظم للثراء اللغوي في العربية؛ فهما المعين الذي لا ينضب من البيان، والبلاغة، والمفردات الثرية، والإعجاز اللغوي. أما الأعمال الأدبية التي تمثل منبعًا متجددًا للثراء اللغوي فأرى أن الشعر العربي بموضوعاته المختلفة قديمة (وحديثه الرصين) يمثل ثراءً لغويًا.
هل استطاعت الرواية العربية الحديثة إعادة تشكيل المشهد الأدبي على حساب الشعر؟
إن الشعر العربي رغم تغير الأزمان لا يمكن محو أثره، كان ولا زال صوتاً للأمم، وبشكّل جزءًا كبيرًا من المشهد الأدبي العربي، فهو حاضر في كل المناسبات، ويستدعيه الإنسان للتعبير عن مشاعره الإنسانية كافة، ومن أكثر الفنون جماهيرية وشعبية وإنتاجية وانحيازًا للناس، بل أكثر انحيازًا واستيعابًا لمسارات الحداثة، وربما استباقًا لها ومحددًا لتطورها النظري والتطبيقي فهو رفيق دائم للإنسان في الحياة.
ولكن مع تطور وسائل النشر والاهتمام المادي، أضحت الرواية تحظى بشعبية لا بأس بها؛ نظرًا لقدرتها على تحقيق النجاح التجاري. فضلاً عن أن دور النشر تفضلها لأنها تخلق جمهورًا واسعًا وتناسب منصات القراءة والاستماع الرقمي، ولا سيما تتمتع الرواية بمرونة أكبر في تقديم التفاصيل المعقدة التي تجعل القارئ يشعر بالحدث التاريخي بشكل أشمل.
ما الآليات الفاعلة للحفاظ على المصطلحات العربية الأصيلة في عصر العولمة؟
بما أن اللغة العربية هي لغة القرآن، وذلك الاسمنت الذي يضمن وحدة بنيان الأمة الإسلامية وتلاحمها، وأمام هذا التيار الجارف للعولمة والذي أضر بها، نقدم بعض الحلول التي من شأنها أن تُسْهم من جهة في مواجهة التحديات التي تواجهها في ظل العولمة، ومن جهة أخرى في إغناء هذه اللغة الروحية والسمو وبها لترقى للمرتبة التي شرفها بها الله سبحانه وتعالى.
أولًا: إعادة تخطيط مناهج تدريس اللغة العربية في سلك التعليم في مراحله المختلفة بقسميه العام والخاص، نظريًا وعلى مستوى الممارسة العملية.
ثانيًا: تعريب المناهج العلمية والعملية التطبيقية في كل الفروع العملية والثقافية، والعمل على حرية تنقل الكتاب، ووسائل المعرفة بين البلاد العربية.
ثالثًا: ورفع الحظر عن ذلك لتعميق الوحدة الثقافية بين البلاد العربية، وتقوية الأواصر بين الناس والمصادر الأصيلة في تلقي اللغة، ومنها الأسرة والمدرسة.
رابعًا: تعميم استعمالات اللغة العربية السليمة والارتقاء بها في جميع وسائل الإعلام المختلفة، والحرص على فرضها كلغة رسمية حاضرة في البرامج والمسلسلات الدرامية إذاعيا وتلفزيونيا وفي شبكات التواصل الاجتماعي، لأنها اللغة القومية المشتركة بين الشعوب العربية التي تجعل من شعوبها اتحاداً عالمياً أمام التكتلات الأجنبية المهيمنة. خامسًا: الحرص على استعمال الفصحى في وسائل الإعلام، وفي المجالات السياسية والدينية والثقافية والعلمية.
سادسًا: تفعيل دورات لغوية للتكوين المستمر للعاملين بجميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية تكسبهم المهارة في النطق والأداء الصحيح باللغة العربية السليمة.
سابعًا: تسهيل مناهج تعليم اللغة العربية للناطقين بها من ناحية، ولغير الناطقين بها من ناحية أخرى وعلى وجه الخصوص تلك الشعوب التي تعتنق الدين الإسلامي. ووضعها في كتاب واضح يأخذ بيد محبي العربية إلى الاستعمال اللغوي الصحيح في سهولة ويسر.
ثامنًا: أن تكون الفصحى الميسرة هي اللغة المستعملة في برامج الأطفال وبرامج الرسوم المتحركة وفي في مجلات الأطفال حرصاً على التنشئة اللغوية الصحيحة للطفل العربي.
أثر تخصصك العميق في اللغة العربية على شخصيتك وطريقة تفكيرك ورؤيتك للعالم؟
اللغة وعاء الهوية، والإنسان الذي يعتز بلغته يتمسك بجذوره الثقافية والحضارية، فهي جسر التواصل الذي يربطه بماضيه ويؤهله للانخراط في مستقبل أمته، فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل مفتاح المعرفة والثقافات، وأداة لفتح آفاق الفكر والإبداع؛ فبغياب إتقان اللغة العربية الفصيحة، يعجز الإنسان عن مجاراة التقدم العلمي والثقافي، ويظل محصورًا في نطاق ثقافات محلية قد تُقيده ضمن حدود بيئته.
إن المتحدث بالعربية الفصيحة، حتى في أبعد المناطق الريفية، يعد رمزًا للثقافة والوعي، إذ تفتح له طلاقة اللسان أبواب القيادة والتأثير في مجتمعه، فاللغة تمنحه القدرة على التعبير، والتميّز بين أقرانه، وتدفعه نحو السعي المستمر لتحصيل العلوم والمعارف، وبفضل تأثيرها العميق، يمكن أن يتحول متحدث الفصحى إلى خطيب بارع، أو قائد في مجتمعه، أو عنصر فاعل في الإصلاح المجتمعي.
وقد أشار مصطفى صادق الرافعي إلى أهمية اللغة في صيانة كرامة الأمم وعزتها بقوله: «ما ذلت لغة قوم إلا ذلوا، ولا انحطت إلا كان أمرهم في ذهاب وإدبار»، وهذه الكلمات تلخص العلاقة الوثيقة بين اللغة ونهضة الأمة، مؤكدة أن الحفاظ على العربية هو الحفاظ على رفعتها، وأن التفريط فيها هو التفريط في مستقبلها ومكانتها.
إذ لا يمكن الوصول إلى مستوى متقدم للشخصية العربية دون المرور أولًا بإجادة عربيته التي تنعكس بشكل مباشر على ثقافته، وقدرته على أن يكون شخصاً نافعًا وأكثر اتصالًا بأفراد مجتمعه، ومتواصلًا مع مختلف مراحل المعرفة، فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير فقط، بل هي أيضًا وعاء للعلوم والفنون والأدب؛ ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في بناء الشخصية العربية وهويتها الدينية والقيمية والثقافية.
في ختام هذا الحوار، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير إلى الدكتور عمر حسين نجم، التدريسي في كلية الآداب بجامعة سامراء، على ما قدمه من رؤى وأفكار عميقة حول واقع اللغة العربية ومستقبلها، وعلى إضاءاته التي جمعت بين البعد الأكاديمي والهمّ الثقافي. كما نثمن جهوده في خدمة لغة الضاد وتعزيز حضورها في ميادين المعرفة المختلفة، متمنين له دوام التوفيق والنجاح في مسيرته العلمية والأكاديمية.



اضف تعليق