عندما تصبح النهضة الحضارية هي الهدف الأعلى، تتحول السياسة والاقتصاد والدين والثقافة إلى أدوات للبناء. أما عندما تصبح السلطة أو العقيدة أو الهوية هي الهدف الأعلى، فإن النهضة تتحول إلى قضية ثانوية أو مؤجلة، والفرصة التي ضاعت في القرن العشرين ما زالت قابلة للاستدراك في القرن الحادي والعشرين...
هذا سؤال من أسئلة “التاريخ البديل”، لكن يمكن الإجابة عنه بطريقة تحليلية.
لو أن النخب الفكرية والسياسية والدينية في العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة (1921) جعلت هدفها المركزي هو القضاء على التخلف وبناء النهضة الحضارية، لكان العراق اليوم مختلفًا على الأرجح في عدة جوانب:
لكان التعليم هو المشروع الوطني الأول، وليس الصراع على السلطة.
ولكانت المدرسة والجامعة ومراكز البحث أهم من الأحزاب والأيديولوجيات.
ولكانت الثروة النفطية استُثمرت في بناء الإنسان والبنية التحتية والمعرفة والتكنولوجيا.
ولكانت الهوية الوطنية العراقية أقوى من الهويات الفرعية المتنافسة.
ولكان الانتقال السياسي أقل عنفًا وأكثر استقرارًا.
وربما أصبح العراق أحد النماذج التنموية الكبرى في الشرق الأوسط، بالنظر إلى ما يملكه من موارد بشرية وطبيعية وتاريخية.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا لم يحصل ذلك؟
هناك عدة أسباب متداخلة:
أولاً: هيمنة سؤال السلطة على سؤال الحضارة.
فمعظم القوى السياسية والفكرية انشغلت بالسؤال: “من يحكم؟” أكثر من انشغالها بالسؤال: “كيف نبني المجتمع؟”. وتحول الصراع إلى تنافس على السلطة بدلاً من التنافس على مشاريع التنمية والنهضة.
ثانياً: سطوة الأيديولوجيات الكبرى في القرن العشرين.
فالعراق، مثل كثير من الدول النامية، أصبح ساحة لصراع القومية العربية والشيوعية والإسلام السياسي والليبرالية وغيرها. وكانت كل أيديولوجية ترى نفسها صاحبة الحقيقة المطلقة، فأصبح الجهد موجهاً إلى هزيمة الخصم الفكري أكثر من معالجة مشكلات التخلف.
ثالثاً: ضعف الوعي التنموي والحضاري.
فمفهوم التنمية البشرية وبناء المؤسسات وإدارة المعرفة لم يكن حاضراً بالقدر الكافي في الثقافة السياسية السائدة، التي كانت تميل إلى التفكير الثوري أو الانقلابي أو العقائدي أكثر من التفكير المؤسسي طويل الأمد.
رابعاً: عدم الاستقرار السياسي.
الانقلابات العسكرية والصراعات الداخلية والحروب المتعاقبة استنزفت الموارد والطاقات، وجعلت الدولة والمجتمع يعيشان في حالة طوارئ شبه دائمة.
خامساً: تأثير البيئة الإقليمية والدولية.
فالعراق كان جزءاً من صراعات أكبر منه: الحرب الباردة، والصراع العربي الإسرائيلي، والتنافس الإقليمي، ثم الحروب والعقوبات والاحتلال والإرهاب. وهذه العوامل أعاقت كثيراً من مشاريع البناء الطويلة الأمد.
ولكن من زاوية حضارية أعمق، يمكن القول إن المشكلة لم تكن في وجود الأيديولوجيات بحد ذاتها، بل في غياب فكرة مركزية تتفق عليها النخب جميعاً، وهي أن مهمة الدولة والمجتمع الأولى هي الارتقاء بالإنسان ومحاربة التخلف. فعندما تصبح النهضة الحضارية هي الهدف الأعلى، تتحول السياسة والاقتصاد والدين والثقافة إلى أدوات للبناء. أما عندما تصبح السلطة أو العقيدة أو الهوية هي الهدف الأعلى، فإن النهضة تتحول إلى قضية ثانوية أو مؤجلة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يفعل الأوائل ذلك؟ بل: هل تستطيع النخب العراقية اليوم أن تتعلم من هذا الدرس التاريخي، وأن تجعل القضاء على التخلف وبناء الدولة الحضارية الحديثة هو المشروع الوطني الجامع الذي يعلو على الصراعات الأيديولوجية والطائفية والحزبية؟
فربما تكون الفرصة التي ضاعت في القرن العشرين ما زالت قابلة للاستدراك في القرن الحادي والعشرين.



اضف تعليق