تظهر الأزمة التربوية والنفسية عندما يتوقف الطفل عند مرحلة الاندماج العاطفي أو التبعية المطلقة، حيث يتحول الارتباط الطبيعي والصحي إلى ارتباط مفرط أو غير آمن. في مثل هذه الحالة، يصبح وجود الوالدين ضرورة ملحة لاستقرار الطفل النفسي، بينما يتحول غيابهم المؤقت إلى مصدر للخوف والقلق الشديد، مما يعيق تطور قدراته المعرفية والاجتماعية بشكل ملحوظ...

لا يكاد يضع الوالدين اقدامهم في أي مكان الا واطفالهم بجانبهم، في البيت، في السيارة، في الأسواق، وفي أي مكان يمكن ان يذهبا اليه، وعند محاولة منعهم ستظهر سلوكيات غير طبيعية وهو ما يجبر الوالدين الى قبول بقائهم معهم، هذه الحالة تعرف نفسياً بالتعلق المرضي للطفل بوالديه، فماهي أسبابها؟، كيف يمكن تخفيفها لئلا تترك اثار على الأطفال في المستقبل؟

في البدء يجب التنويه الى امر غاية ينبغي معرفته وهو ان العلاقة بين الطفل ووالديه يمثل النواة الأساسية التي يتشكل منها الوعي البشري، والمختبر الأول الذي تصنع فيه نظرة الفرد لنفسه وللعالم من حوله، ففي الأشهر والسنوات الأولى من حياة الطفل، يمثل الوالدان وخاصة الأم القاعدة ومن خلال هذه القاعدة يستمد الطفل أمنه الوجودي، وبفضلها يمتلك الشجاعة الكافية ليتطلع نحو العالم الخارجي ويبدأ خطاه الأولى في استكشافه وهذا هو الطبيعي جداً وليس لاحد ان يؤشر خللا فيه.

لكن الغير طبيعي هو الالتصاق المفرط بين الابوين وابنائهم الى الحد الذي يرهق طرفي العلاقة، فلا الطفل يغادر قلقه لا الابوين يتحملون هذا التمسك بهم، وهو ما قد يؤثر على علاقة الإباء بالأبناء في المستقبل ان لم يحسن الوالدين التعامل مع هذا الامر بخطوات صحية ذات طابع نفسي من شأنه ان يعالج الامر بسلاسة ومن دون خسائر نفسية. 

اين المشكلة؟

تظهر الأزمة التربوية والنفسية عندما يتوقف الطفل عند مرحلة الاندماج العاطفي أو التبعية المطلقة، حيث يتحول الارتباط الطبيعي والصحي إلى ارتباط مفرط أو غير آمن في مثل هذه الحالة، يصبح وجود الوالدين ضرورة ملحة لاستقرار الطفل النفسي، بينما يتحول غيابهم المؤقت إلى مصدر للخوف والقلق الشديد، مما يعيق تطور قدراته المعرفية والاجتماعية بشكل ملحوظ.

ماهي دوافع تعلق الطفل بوالديه؟

إن التعلق المفرط ليس سلوكاً عشوائياً ينشأ من فراغ، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل عدة يمكن ذكر أهمها:

تعتبر الحماية الزائدة واحدة من أبرز العوامل البيئية التي تساهم في نشوء التعلق المفرط لدى الأطفال، فعندما يتدخل الوالدان بسرعة لحل كل مشكلة تواجه الطفل، ويحاولان درء أي مشاعر إحباط طبيعية عنه، وتجنب تعريضه حتى لأبسط التحديات، فإن ذلك يعزز من اعتماده الزائد عليهم وبالتالي يريد الابتعاد عنهم ولو مؤقتاً.

والسبب الثاني المحتمل لتعلق الأطفال هو حالة انعكاس مرآتي لـ قلق الانفصال لدى الوالدين أنفسهم، فالأمهات أو الآباء الذين يعانون من قلق عام أو مخاوف غير معالجة أو الذين يجدون قيمتهم الوجودية الكاملة في دور يقومون بشكل لا واعي ببث ذبذبات القلق في روع الطفل.

كما قد ينشأ التعلق المفرط كاستجابة دفاعية حادة بعد تعرض الطفل لحدث هز استقراره النفسي كنتيجة لتعرض الطفل الى دخول الطفل للمستشفى وخضوعه لإجراءات طبية مؤلمة بعيداً عن حضن والديه، أو العكس كمرض أحد الوالدين وغيابه الطويل.

العلاجات:

لعلاج مشكلة تعلق الأطفال بوالديهم نهدف الى صياغة استراتيجية لتقليل التعلق المفرط وليس حرمان الطفل عاطفياً، بل نسعى إلى تعزيز الثقة الداخلية لدى الطفل بدلاً من الاعتماد المفرط على الآخرين وأول ما يجب القيام به هو العمل على تقليل الحساسية التدريجي لخوف الطفل من الانفصال، بحيث يتعرض لغياب الوالدين بجرعات صغيرة جداً لا تثير هلع الجهاز العصبي ثم تزداد هذه الجرعات تدريجياً.

 ومن الأهمية تطبيق استراتيجية التدريب داخل البيئة الآمنة (المنزل) وذلك يمكن البدء مع الطفل داخل غرفته أثناء انشغاله باللعب، حيث يقوم أحد الوالدين بإبلاغه بوضوح أنك ستغادر الغرفة لفترة قصيرة لإحضار كوب ماء وسأعود بعد دقيقة، وحين يتأكد من العودة في الوقت المحدد يدرك ان الغياب المؤقت يتبعه دائماً عودة، مما يعزز شعوره بالأمان والثقة.

كما يجب دمجه في المحيط الاجتماعي الذي ينشط فيه الابوين لتوفير مساحة امنة ومريحة 

على سبيل المثال، عند زيارة الأقارب كبيت الجد يفضل عدم ترك الطفل مباشرة أو إبقائه مرتبطًا بك طوال الوقت. بدلاً من ذلك، يمكنك الجلوس معه على الأرض لبضع دقائق لتوفير شعور بالأمان، ثم تبدأ بالانتقال التدريجي إلى مكان آخر كالمقعد وهو ما يبقي يبقى الطفل في منطقة اللعب وسط أفراد العائلة، مما يساعده على الاندماج بروية وطمأنينة وبذا يبدأ الطفل بالانفصال عن والديه والاعتماد علة نفسه.

اضف تعليق