الزواج الناجح لا يقوم على كثرة التنازلات، وإنما على قدرة الطرفين على التناوب في التراجع، والاعتذار، والتفهم، واحترام الحدود. أن أتنازل عن بعض رغباتي من أجل من أحب أمر طبيعي، أما أن أتنازل عن كرامتي حتى تستمر العلاقة، فهنا يجب أن أتوقف وأسأل: أي استقرار هذا الذي يحتاج إلى غياب أحد طرفيه؟...

قالت لي امرأة في حديث عن حياتها الزوجية: «تعلمت مع السنوات أنني لا أستطيع أن أربح كل نقاش، فبعض الأمور تستحق أن أتراجع عنها حتى لا تتحول إلى مشكلة أكبر». ثم أضافت بعد لحظة صمت: «لكنني اكتشفت أيضاً أن التنازل إذا صار دائماً، يجعل الآخر يعتقد أن حقي في الرفض غير موجود». بين الجملتين تختصر مشكلة كثير من العلاقات الزوجية: متى يكون التنازل حكمة، ومتى يصبح خسارة للذات؟

الحياة الزوجية لا تستقيم من دون مرونة؛ فالزوجان يختلفان في الطباع والرغبات وطريقة التفكير، ولذلك يحتاج كل منهما أحياناً إلى التراجع عن موقف أو تأجيل رغبة حفاظاً على العلاقة. التنازل في هذه الحالة ليس ضعفاً، وإنما اختيار واعٍ لمصلحة مشتركة. غير أن قيمته تتغير عندما يصبح مطلوباً من طرف واحد دائماً، أو يتحول إلى وسيلة لإسكات الشريك وإبقائه تحت سلطة الطرف الآخر.

تروي إحدى الزوجات أن سنواتها الأولى كانت مليئة بالخلافات الصغيرة، وكانت تختار أحياناً تجاوزها حفاظاً على هدوء البيت. مع الوقت لاحظت أن زوجها بدأ يتعامل مع سكوتها باعتباره موافقة، ومع تنازلها باعتباره حقاً مكتسباً. عندها أدركت أن المشكلة لم تكن في التنازل الأول، وإنما في تكراره من دون حدود؛ فكل تنازل جديد كان يوسع مساحة ما يحق للآخر أن يطلبه.

وفي تجربة أخرى، يقول زوج إن أكثر ما ساعده على استمرار زواجه هو أن يتعلم الاعتذار والتراجع عندما يكتشف خطأه. لم يعد يرى تراجعه عن موقفه انتقاصاً من رجولته، وإنما احتراماً لشريكته وللعلاقة. هذه التجربة تكشف الجانب الآخر من المسألة: الزواج المتوازن لا يحتاج إلى طرف يتنازل دائماً، وإنما إلى طرفين يعرفان متى يتمسكان بموقفهما ومتى يتركانه.

المشكلة تبدأ عندما تختلط المرونة بالتنازل عن الكرامة. هناك أشياء يمكن تجاوزها، مثل اختلاف الرأي في تفاصيل الحياة اليومية، وهناك حدود لا ينبغي أن تصبح موضوعاً للمساومة: الإهانة، والعنف، والإذلال، والتحكم القسري، وسلب حق الشريك في التعبير عن رأيه. قبول هذه الممارسات لا يحفظ الأسرة بالضرورة، وإنما قد يجعل الخلل أكثر رسوخاً داخلها.

ولهذا فإن السؤال الصحيح قبل التنازل ليس: «هل أتنازل أم لا؟»، وإنما: «عن ماذا أتنازل، ولماذا، وهل يوجد في العلاقة تبادل حقيقي؟» فإذا كان التنازل يخفف خلافاً عابراً ويحفظ المودة، فهو مساحة من الحكمة. وإذا كان يؤدي في كل مرة إلى مزيد من السيطرة، أو يجعل أحد الزوجين يخاف من التعبير عن نفسه، فقد تحول من وسيلة للحفاظ على العلاقة إلى وسيلة لإلغاء الشخصية.

الزواج الناجح لا يقوم على كثرة التنازلات، وإنما على قدرة الطرفين على التناوب في التراجع، والاعتذار، والتفهم، واحترام الحدود. أن أتنازل عن بعض رغباتي من أجل من أحب أمر طبيعي، أما أن أتنازل عن كرامتي حتى تستمر العلاقة، فهنا يجب أن أتوقف وأسأل: أي استقرار هذا الذي يحتاج إلى غياب أحد طرفيه؟

التنازل الناضج هو الذي يحفظ العلاقة من دون أن يمحو صاحبَه؛ وكلما كان متبادلاً ازداد الزواج قوة، وكلما أصبح من طرف واحد تحوّل تدريجياً إلى اختلال في ميزان العلاقة. لذلك ليست الحكمة أن نتنازل دائماً، وإنما أن نعرف ما الذي يستحق التنازل، وما الذي يستحق أن نحميه.

اضف تعليق