الجهل المتنكر هو حالة من الامتلاء الكاذب يرتدي فيها الجهل قناع العلم، ويسيطر فيها الانطباع السطحي على الوعي حتى يظن صاحبه أنه امتلك ناصية الحقيقة. إنه جهل مركب مدجج بمصطلحات براقة ومستند إلى قراءة خاطفة، ليمارس صاحبه سلطة فكرية ويوجه أحكاماً قطعية في أعقد القضايا...
على الرغم من أننا نعيش أكثر العصور وفرة في المعلومات من حيث تيسر طرق الحصول عليها بالمقارنة بسالف العصور، فلم يعد الكتاب نادراً، ولا المقالات بعيدة المنال، ولا حتى الأبحاث والدراسات غائبة أو محتكرة بفئة من الناس، بل أصبحت مكتبات العالم ومراكز أبحاثها متوفرة على بعد كبسة زر فقط. ومع هذا كله، فما زال الكثير من الناس يقبعون تحت سطوة الجهل، وحتى مع اطلاع البعض، فإن الكثير منهم يمتلكون ثقافة سطحية، وهو الوجه الحقيقي للجهل المتنكر؛ فما هي ارتدادات ذلك على المجتمع؟ وكيف نقي أنفسنا شر ذلك؟
هذا الجهل ليس مجرد انعدام للمعرفة أو غياب للثقافة، فالجهل البسيط أو العادي هو حالة من الخلاء المعرفي الشفاف، وهنا يعلم فيها الفرد أنه لا يعلم، وبالتالي يتملكه الاستعداد للتعلم والتلقي والإنصات. أما الجهل المتنكر، فهو حالة من الامتلاء الكاذب، وهي حالة يرتدي فيها الجهل قناع العلم، ويسيطر فيها الانطباع السطحي على الوعي حتى يظن صاحبه أنه امتلك ناصية الحقيقة؛ إنه جهل مركب مدجج بمصطلحات براقة، ومستند إلى مشاهدة مقطع فيديو قصير أو قراءة مقال خاطف، ليمارس صاحبه سلطة فكرية ويوجه أحكاماً قطعية في أعقد القضايا النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والعلمية.
من الواقع
يحدثني صديقي أن أحد زملائه في العمل، ومع الدقائق الأولى من بداية الدوام، يحاول أن يفتح موضوعاً يخص المقال أو المعلومة التي تعرف عليها، ويقوم بشرح الأمر وكأنه توصل إلى نتيجة دراسة هو أجراها أو أنه حقق إنجازاً معيناً، وكله فخر وفي بعض الأحيان تعالي لإشعار من حوله أنه يفهم ومطلع ومثقف، ليعود إلى سباته بعد دقائق أو بعد التحدث عن أي موضوع آخر؛ فما أكثر من يتصدرون المجالس بأصوات عالية في محاولة منهم لإثبات وجودهم لا أكثر!
وتشير دراسات علم النفس الاجتماعي والسلوكي المعنية بالانحيازات المعرفية وتقييم الذات، مثل أبحاث (ديفيد دونينغ وجاستن كروغر) وما تبعها من دراسات حول الجهل المتنكر، إلى أن الرجال يميلون إلى تسجيل نسب أعلى في ممارسة "الجهل المتنكر" أو المبالغة في ادعاء المعرفة مقارنة بالنساء؛ لكون اختلاطهم الاجتماعي أكثر من الناس، وبالتالي يحاولون فرض سطوتهم الفكرية على من حولهم.
ما هي دوافع الجهل المتنكر؟
لعدة دوافع نفسية واجتماعية وتربوية يمارس الإنسان الجهل المتنكر، ومن أهم هذه الأسباب ما يلي:
ضعف الثقة بالنفس: أول الدوافع التي تجعل الإنسان يمارس الجهل المتنكر هو ضعف الثقة بالنفس والشعور بتدني القيمة، سيما مع وجود أفراد مثقفين حقيقيين؛ حيث يحاول الفرد المصاب أن يصنع لنفسه قيمة يجاري بها الآخرين، ليخفف عن نفسه الضغط النفسي الناتج من عقدة النقص والشعور بتدني القيمة.
الرغبة في التمايز وشعور السيطرة: ثاني الأسباب لممارسة الجهل المتنكر هو الرغبة في التمايز وشعور السيطرة؛ فقد يمنح الجهل المتنكر صاحبه ملاذاً نفسياً ووهماً بالسيطرة تؤدي إلى ادعاء الفهم وإطلاق الأحكام الجازمة، وهما ما يمنحان النفس شعوراً بالتمايز والارتفاع عن الجمع، ويخففان من حدة القلق الناجم من سيطرة الباقين في المحيط الاجتماعي أكثر منه.
المساحة الرقمية المشجعة: السبب الثالث هو المساحة التي وفرتها البيئة الرقمية لاستعراض المعرفة السطحية؛ فمع أن الجهل المتنكر نزعة نفسية كلاسيكية في التاريخ البشري، فإن البيئة الرقمية المعاصرة ووسائط التواصل الاجتماعي قد حولت هذه النزعة من حالة فردية معزولة إلى ظاهرة عامة، وساعدت على انتشارها أكثر من ذي قبل.
كيف نواجه الجهل المتنكر؟
يمكن مواجهة الجهل عبر عدة سلوكيات، أهمها:
بناء التواضع المعرفي في أنفسنا: ويتم ذلك عبر الإدراك الواعي بحدود المعرفة الذاتية، والاعتراف بأن العقل البشري عرضة للخطأ والانحياز، وأن الجميع لديهم مستويات معرفية ومهارية بنسب مختلفة، وهو ما يستدعي التوقف عن الاستعراض ومحاولة الاحتفاظ بما نمتلك وعدم الإباحة به إلا عند الحاجة الفعلية.
التمييز بين المعرفة والمعلومة: في سبيل كسر شوكة الجهل المتنكر في نفوسنا، لا بد من الحرص على التمييز بين المعرفة والمعلومة؛ فالمعلومة هي المادة الخام المنفصلة التي يمكن الحصول عليها بلمسة زر واستطاعة أي إنسان الحصول عليها بلا عناء أو تعب، أما المعرفة فهي الهيكل الفكري المنسجم الذي ينشأ عن معالجة تلك المعلومات وفحصها وربطها بسياقاتها. الجهل المتنكر هو نتيجة خلط شنيع بين الاثنين؛ حيث يظن الفرد أن اختزان بعض المعلومات يكفي للادعاء بامتلاك المعرفة، وحين يُفنّد هذا الظن، سيقلل الفرد من ممارسة الجهل المتنكر، وبهاتين الممارستين النفسيتين يمكن أن نحصر دائرة الجهل المتنكر في نفوسنا ونمنعه من أن يتمدد.



اضف تعليق