هل أنفر من زوجي فعلًا، أم أنني أنفر من الإرهاق الذي أعيشه معه؟ هل المشكلة في شخصه، أم في الطريقة التي أصبحت تسير بها حياتنا معًا؟ هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها كثيرًا ما تكشف أن الأزمة ليست في الحب نفسه، وإنما في الظروف التي غطت عليه...

ليس أخطر ما يمكن أن تواجهه العلاقة الزوجية هو كثرة الخلافات، ولا ارتفاع الأصوات، ولا حتى لحظات الغضب الحاد. فكل ذلك قد يكون علامة على أن العلاقة ما زالت حيّة، وأن الطرفين لا يزالان يتصارعان من أجلها. أما الخطر الحقيقي فيبدأ عندما يتسلل شعور صامت لا يثير ضجيجًا، لكنه يستهلك المشاعر ببطء، حتى تستيقظ المرأة ذات يوم لتكتشف أنها لم تعد ترغب في الاقتراب من الرجل الذي اختارته شريكًا لحياتها.

عندها لا يكون السؤال: لماذا اختلفنا؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: كيف وصلت إلى مرحلة أشعر فيها بالنفور ممن أحببته يومًا؟

هذا السؤال لا يخص امرأة بعينها، ولا يرتبط بثقافة أو مجتمع محدد، بل يتكرر في عيادات العلاج الأسري وفي الدراسات النفسية بوصفه أحد المؤشرات التي تستحق التوقف الجاد. ذلك أن النفور الزوجي ليس انفعالًا عابرًا بالضرورة، كما أنه ليس حكمًا نهائيًا بانتهاء العلاقة. إنه رسالة نفسية معقدة، قد تحمل بين سطورها ألمًا لم يُعبَّر عنه، أو احتياجًا لم يُستجب له، أو تراكمًا طويلًا من الخيبات الصغيرة التي لم تجد من يصغي إليها.

توضح دراسات The Gottman Institute أن أخطر ما يهدد العلاقات الزوجية ليس الخلاف نفسه، بل تحوّل أحد الشريكين إلى رؤية الآخر بعين الازدراء أو النفور، لأن هذا الشعور يغيّر طريقة تفسير كل سلوك، حتى التصرفات العادية تصبح مزعجة، والكلمات البسيطة تُقرأ بوصفها إساءة، ويغيب الاستعداد النفسي لمنح الطرف الآخر فرصة جديدة.

لكن النفور لا يولد فجأة. إنه أشبه بنهر يبدأ من قطرات صغيرة لا يلتفت إليها أحد.

ربما تبدأ الحكاية من كلمة جارحة لم تجد اعتذارًا، أو من وعد تكرر الإخلال به، أو من سنوات من العطاء لم يقابلها امتنان، أو من امرأة أنهكتها مسؤوليات البيت والعمل والأطفال حتى فقدت الشعور بأنها إنسانة لها احتياجاتها الخاصة. وفي كثير من الأحيان لا يكون الزوج شخصًا سيئًا، لكنه يغفل عن حقيقة بسيطة؛ أن الحب لا يعيش على الذكريات وحدها، وإنما يحتاج إلى تغذية مستمرة من الاهتمام والاحترام والتقدير.

يشير علماء النفس إلى أن الإنسان حين يتعرض لفترات طويلة من الضغوط النفسية يصبح أقل قدرة على التعاطف وأكثر ميلًا لرؤية الآخرين بوصفهم مصدرًا للإرهاق بدلًا من أن يكونوا مصدرًا للأمان. وقد نشرت أبحاث في Journal of Personality and Social Psychology نتائج تؤكد أن الإجهاد المزمن يؤثر مباشرة في جودة العلاقات العاطفية، ويقلل من القدرة على الاستجابة الوجدانية للشريك، وهو ما يفسر لماذا قد يتحول القرب الجسدي نفسه إلى عبء عند بعض الأزواج في فترات الضغط الطويلة.

ومع ذلك، لا ينبغي التسرع في تفسير كل شعور بالنفور على أنه نهاية للحياة الزوجية.

فهناك فرق مهم بين النفور المؤقت، الذي يولده خلاف عابر أو مرحلة ضاغطة، وبين النفور العميق الذي يتحول إلى حالة مستمرة. ففي الحالة الأولى تبقى الرغبة في الإصلاح موجودة، ويستطيع الحوار الصادق أن يعيد الدفء تدريجيًا إلى العلاقة. أما في الحالة الثانية، فإن مجرد وجود الشريك قد يصبح مصدرًا للضيق، وتختفي الرغبة في الحديث أو المشاركة أو حتى الجلوس معه، وهنا يتحول النفور إلى مؤشر يحتاج إلى فهم مهني لا إلى نصائح عابرة.

وتشير تقارير American Association for Marriage and Family Therapy إلى أن استمرار مشاعر النفور والانفصال العاطفي لفترة طويلة يستدعي اللجوء إلى العلاج الأسري أو النفسي، لأن التأخر في التدخل يجعل إعادة بناء الثقة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

ولعل المشكلة الكبرى أن كثيرًا من النساء يفسرن هذا الشعور بطريقة قاسية تجاه أنفسهن. فبعضهن يعتقد أنه أصبح امرأة بلا مشاعر، وأخريات يشعرن بالذنب لأنهن لم يعدن يبادلن أزواجهن العاطفة ذاتها. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالمشاعر ليست قرارًا نتخذه بإرادتنا، بل هي استجابة لحالة نفسية وعاطفية تتشكل عبر الزمن.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا لا أحب زوجي كما كنت؟

بل: ما الذي حدث داخل العلاقة حتى فقدت قدرتي على الشعور بالأمان والراحة معه؟

إن كثيرًا من الأزواج يبحثون عن أسباب كبيرة، بينما تكون الأزمة في الحقيقة مجموعة من التفاصيل الصغيرة التي لم ينتبه إليها أحد. فالإنسان لا يبتعد عادة بسبب خطأ واحد، وإنما بسبب شعور متكرر بأنه غير مرئي، أو غير مفهوم، أو أن حضوره وغيابه أصبحا سواء.

ومن هنا يبدأ العلاج الحقيقي.

العلاج لا يبدأ بإجبار المرأة على تجاوز مشاعرها، ولا بإلقاء اللوم على الزوج وحده، وإنما يبدأ بالاعتراف بأن شيئًا ما يحتاج إلى الإصلاح. فالمشاعر، مهما بدت مزعجة، ليست عدوًا للإنسان، بل هي وسيلته لفهم ذاته. والنفور، في كثير من الأحيان، ليس رفضًا للشريك بقدر ما هو احتجاج صامت على طريقة عيش العلاقة.

وقد يكون أول ما تحتاج إليه المرأة هو أن تمنح نفسها فرصة للتوقف والتأمل بعيدًا عن الضغوط اليومية، وأن تسأل نفسها بصدق: هل أنفر من زوجي فعلًا، أم أنني أنفر من الإرهاق الذي أعيشه معه؟ هل المشكلة في شخصه، أم في الطريقة التي أصبحت تسير بها حياتنا معًا؟

هذه الأسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها كثيرًا ما تكشف أن الأزمة ليست في الحب نفسه، وإنما في الظروف التي غطت عليه.

أما إذا استمرت مشاعر النفور، وأصبحت تمنع التواصل الطبيعي، أو ترافقها أعراض كالقلق المستمر، أو الاكتئاب، أو الرغبة الدائمة في الابتعاد، فإن اللجوء إلى معالج نفسي أو مختص في الإرشاد الأسري يصبح خطوة مسؤولة، لا اعترافًا بالفشل. فالعلاج النفسي لا يُقصد به إنقاذ العلاقات بأي ثمن، وإنما مساعدتها على فهم نفسها واتخاذ قراراتها بوعي.

في النهاية، لا ينبغي أن تخجل المرأة من الاعتراف بأنها تمر بهذه المشاعر، كما لا ينبغي للرجل أن يعتبر سماعها إدانة لشخصه. فالعلاقات الإنسانية لا تنهار لأن الناس يشعرون، بل لأنها تتوقف عن الإصغاء إلى ما تقوله تلك المشاعر.

النفور ليس نهاية الحكاية دائمًا، لكنه جرس إنذار لا يصح تجاهله. فقد يكون بداية طريق نحو علاقة أكثر نضجًا وصدقًا، إذا امتلك الطرفان شجاعة الاعتراف، وحكمة الحوار، والاستعداد لأن يفهم كل منهما الآخر قبل أن يحكم عليه. فالحب لا يُقاس فقط بقدرته على أن يبدأ، بل بقدرته على أن يتجدد كلما أوشكت المشاعر على الذبول.

اضف تعليق