الحقيقة لا تتعرض للتشويه دائماً عبر الكذب المباشر، وإنما يعاد تشكيلها عبر الانتقاء، وترتيب الأولويات، واختيار المفردات، وتحديد زاوية الرؤية... فالخبر المعاصر ولد داخل بيئة معقدة ليتحول إلى سلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة، وأحد أهم أدوات النفوذ في العلاقات الدولية والسيطرة على تدفق المعلومات...

في كل صباح، يستيقظ العالم على ملايين الأخبار التي تتدفق في اللحظة نفسها إلى شاشات الهواتف، وصفحات الصحف، ونشرات التلفزيون، ومنصات التواصل الاجتماعي. يقرأ الناس الخبر الأول، ثم يبنون عليه موقفًا، ويصدرون حكمًا، وربما يؤيدون حربًا أو يعارضونها، يتعاطفون مع شعب، أو يحملون شعبًا آخر مسؤولية مأساة لم يشاهدوها إلا عبر شاشة.

لكن سؤالًا واحدًا يظل غائبًا عن معظم القراء: من كتب الخبر قبل أن نقرأه؟

قد يبدو الخبر في ظاهره حقيقةً مكتملة، بينما هو في الواقع يمر قبل وصوله إلى الجمهور بسلسلة طويلة من عمليات الاختيار؛ اختيار الحدث الذي يستحق التغطية، واختيار الصورة التي سترافقه، والكلمات التي ستصفه، والشخصيات التي سيسمح لها بالكلام، وتلك التي ستُستبعد من المشهد. وبين كل اختيار وآخر تتشكل رواية جديدة، قد تقترب من الحقيقة، وقد تبتعد عنها، لكنها في جميع الأحوال ترسم الطريقة التي سيرى بها الناس العالم.

لهذا لم يعد السؤال في عصر الإعلام الرقمي: هل وقع الحدث؟ بل أصبح: كيف رُوي الحدث؟ ومن الذي امتلك حق تقديمه للعالم أولًا؟

لقد تغيرت طبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد الهيمنة تُمارس بالمدافع وحدها، ولا بالأساطيل العسكرية فقط، وإنما أصبحت تُمارس أيضًا عبر السيطرة على تدفق المعلومات. فالدولة التي تستطيع أن تسبق الآخرين في صناعة الرواية، تمتلك قدرة هائلة على توجيه الإدراك الجماعي، لأن الناس غالبًا لا يتعاملون مع الوقائع كما حدثت، وإنما كما وصلت إليهم.

ومن هنا لم تعد وكالات الأنباء مجرد مؤسسات صحفية تجمع الأخبار وتوزعها على وسائل الإعلام، بل أصبحت، بحكم موقعها في منظومة الاتصال العالمية، أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي السياسي والثقافي للشعوب. فهي لا تخبر العالم بما يحدث فحسب، وإنما تسهم في تحديد ما الذي ينبغي للعالم أن يهتم به أصلًا، وما الذي يمكن أن يمر بصمت خارج دائرة الضوء.

هذه الحقيقة ليست اتهامًا لوكالات الأنباء بأنها تصنع الأكاذيب باستمرار، فذلك تبسيط يفتقر إلى الدقة. فالكثير من الوكالات الدولية يمتلك تاريخًا طويلًا من المهنية والخبرة الصحفية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول قلة محدودة من الوكالات إلى المصدر الرئيس الذي تعتمد عليه مئات المؤسسات الإعلامية في مختلف القارات. عندها لا يصبح الاحتكار احتكارًا للمعلومة فقط، بل احتكارًا لزاوية النظر إلى العالم.

ولأن الخبر أصبح سلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة أو التكنولوجيا، دخلت الدول الكبرى منذ عقود في سباق خفي للسيطرة على فضاء المعلومات. فكما تتنافس على خطوط التجارة والممرات البحرية، تتنافس أيضًا على احتكار الرواية الأولى؛ لأن الرواية الأولى تترك الأثر الأعمق في الوعي، حتى لو ظهرت لاحقًا روايات أكثر دقة.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أن كثيرًا من الشعوب لا تدرك أنها تستهلك الأخبار كما تستهلك أي منتج آخر، دون أن تسأل عن المصنع الذي أنتجه، أو عن المصالح التي قد تكون وراء طريقة إنتاجه. فالخبر لا يولد بريئًا دائمًا، بل يولد داخل بيئة سياسية واقتصادية وثقافية، تتداخل فيها حسابات الدول، ومصالح الشركات، وأولويات المؤسسات الإعلامية، وأحيانًا استراتيجيات الأجهزة الأمنية.

لهذا لم تعد معركة الحقيقة تدور فقط في ساحات الحروب، وإنما أصبحت تدور أيضًا داخل غرف التحرير، ومراكز البيانات، وشبكات الأقمار الصناعية، والخوارزميات الرقمية التي تقرر أي خبر سيصل إلى الجمهور أولًا، وأي خبر سيظل حبيس الأرشيف.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في السؤال القديم بصيغة جديدة: هل ما نقرأه هو الحقيقة كاملة، أم أنه الجزء الذي اختار الآخرون أن نراه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى فهم طبيعة القوة الإعلامية في العالم المعاصر، وإلى إدراك أن معركة المستقبل لن تكون فقط حول من يملك الموارد، بل حول من يملك القدرة على صناعة الرواية التي يصدقها العالم. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن وكالات الأنباء الدولية حديثًا عن السياسة والاقتصاد والثقافة معًا، لأن الخبر لم يعد مجرد رسالة إعلامية، بل أصبح أحد أهم أدوات النفوذ في العلاقات الدولية.

"الخبر لا يكذب دائمًا... لكنه يختار زاوية النظر"

إذا كان الخبر هو المادة الخام التي تتشكل منها مواقف الناس، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي أن يكون الخبر صحيحًا حتى يكون موضوعيًا؟

قد تبدو الإجابة بديهية للوهلة الأولى، غير أن دراسات الاتصال والإعلام تشير إلى أن الحقيقة لا تتعرض للتشويه دائمًا عبر الكذب المباشر، وإنما كثيرًا ما يعاد تشكيلها عبر الانتقاء، وترتيب الأولويات، واختيار المفردات، وتحديد زاوية الرؤية. فالحدث الواحد يمكن أن يُروى بعشرات الصيغ المختلفة، وكل صيغة تقود المتلقي إلى استنتاج مختلف، رغم أن الوقائع الأساسية لم تتغير.

من هنا نشأت واحدة من أهم نظريات الإعلام المعاصر، وهي نظرية ترتيب الأولويات (Agenda Setting) التي طورها الباحثان الأمريكيان ماكسويل ماكومبس ودونالد شو. فهذه النظرية لا تقول إن وسائل الإعلام تخبر الناس بما يفكرون فيه، وإنما تؤكد أنها تنجح بدرجة كبيرة في تحديد ما الذي ينبغي للناس أن يفكروا فيه. وعندما تتكرر قضية معينة في العناوين الرئيسة، وتتصدر نشرات الأخبار، وتتكرر صورها على مدار الساعة، تتحول تدريجيًا إلى القضية الأكثر أهمية في وعي الجمهور، حتى لو كانت هناك أحداث أخرى لا تقل خطورة عنها.

أما الخطوة التالية فتتجسد فيما يعرف بنظرية التأطير الإعلامي (Framing)، حيث لا يقتصر الأمر على اختيار الحدث، بل يمتد إلى اختيار الإطار الذي يُعرض من خلاله. فقد يُقدم الصراع نفسه بوصفه قضية أمنية، أو أزمة إنسانية، أو مواجهة سياسية، أو حربًا دينية، وكل إطار من هذه الأطر يدفع المتلقي إلى تفسير مختلف للحدث ذاته.

وهنا تتجلى القوة الحقيقية لوكالات الأنباء الدولية. فهي لا تنتج آلاف الأخبار يوميًا فحسب، بل تنتج أيضًا الإطار الذي ستُقرأ من خلاله تلك الأخبار في مئات الصحف والقنوات حول العالم. ولذلك فإن كثيرًا من وسائل الإعلام المحلية، خصوصًا في الدول النامية، لا تبدأ عملها من الميدان، بل تبدأ من البرقيات التي تصلها من الوكالات الكبرى، فتُعاد صياغتها أو ترجمتها، بينما يبقى الهيكل الأساسي للرواية كما هو.

ولعل أكثر ما يكشف هذا التأثير هو اللغة نفسها. فالكلمات ليست أوعية محايدة للمعنى، وإنما تحمل داخلها أحكامًا سياسية وأخلاقية مسبقة. إن وصف جماعة ما بأنها "مقاومة" يختلف جذريًا عن وصفها بأنها "ميليشيا"، كما أن إطلاق صفة "إرهابي" أو "مقاتل" أو "ناشط" أو "مستوطن" أو "مدني" ليس مجرد اختلاف لغوي، بل هو اختلاف في تشكيل الإدراك العام. وهنا يصبح اختيار المصطلح جزءًا من صناعة الرأي العام، وليس مجرد اختيار أسلوبي.

ولهذا السبب طالبت كثير من الدراسات الإعلامية العربية بضرورة إعادة تحرير الأخبار الدولية قبل نشرها، وعدم الاكتفاء بالترجمة الحرفية لبرقيات الوكالات الأجنبية، لأن الترجمة قد تنقل معها أيضًا الخلفية السياسية والثقافية للمصدر الأصلي، بما يتعارض أحيانًا مع مصالح المجتمع الذي يتلقى الخبر أو مع حقه في رؤية أكثر توازنًا.

غير أن المشكلة لا تكمن في اللغة وحدها، وإنما في البنية الاقتصادية التي تحكم صناعة الأخبار. فوكالات الأنباء الكبرى ليست مؤسسات خيرية، بل تعمل داخل سوق إعلامية شديدة التنافس، حيث يرتبط استمرارها بحجم انتشارها، وقيمة اشتراكاتها، وقدرتها على الوصول السريع إلى الأسواق العالمية. وفي الوقت نفسه، ترتبط كثير من هذه الوكالات بعلاقات وثيقة مع مؤسسات الدولة، أو تستفيد من دعم حكومي مباشر أو غير مباشر، خاصة في القضايا التي تمس الأمن القومي أو المصالح الإستراتيجية لبلدانها.

وقد أشار الباحثان إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في كتابهما الشهير "صناعة القبول" (Manufacturing Consent) إلى أن وسائل الإعلام الكبرى لا تعمل بمعزل عن البيئة الاقتصادية والسياسية التي تنتمي إليها، بل تتأثر بمجموعة من "المرشحات" التي تحدد طبيعة الأخبار التي تصل إلى الجمهور، ومنها ملكية المؤسسات الإعلامية، والإعلانات التجارية، ومصادر المعلومات الرسمية، والضغوط السياسية، والإيديولوجيا السائدة.

ولا يعني ذلك أن كل خبر يُبث يحمل مؤامرة خفية، كما لا يعني أن الصحفيين يعملون بوصفهم أدوات دعائية بصورة مباشرة، لكنه يوضح أن البيئة التي يُنتج فيها الخبر تؤثر في طريقة صياغته، كما تؤثر البيئة الاجتماعية في طريقة تفكير أي إنسان. فالصحفي، مهما بلغت مهنيته، يعمل داخل مؤسسة لها سياسات تحريرية، وتوجهات مهنية، وحسابات اقتصادية، وسياقات وطنية لا يمكن تجاهلها.

ومن هنا يصبح الحديث عن "حياد مطلق" في الإعلام أقرب إلى المثال النظري منه إلى الواقع العملي. فالموضوعية ليست غيابًا للرؤية، وإنما هي القدرة على تقديم الوقائع بصورة متوازنة، وإتاحة الفرصة للروايات المختلفة، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والتفسير.

وعندما تفقد هذه المعايير توازنها، لا يعود الخبر مجرد وسيلة لنقل الواقع، بل يتحول إلى أداة لإعادة تشكيله. وعندها لا تصبح السيطرة على المعلومة أقل أهمية من السيطرة على الأرض، لأن الشعوب قد تخسر معركة الإدراك قبل أن تبدأ معركة السياسة.

اضف تعليق