إنَّ الاشمئزازَ ليس مجردَ انفعالٍ عابر، بل هو البوصلةُ السياديةُ للنفسِ البشرية؛ فهو الحارسُ اليقظُ الذي أودعهُ الخالقُ في فطرتِنا ليحميَ بقاءَنا الماديَّ من التلوث، ونقاءَنا الأخلاقيَّ من الانحدار، محولاً النفورَ الفطريَّ إلى درعٍ حصينٍ يصونُ كرامةَ الإنسانِ وذائقتَهُ في عالمٍ يغصُّ بالمثيراتِ المشوهة...
يتعامل الإنسان مع بيئته وفق قاعدة المثير والاستجابة النفسية، فحين يثار الإنسان سواء بالسلب أو بالإيجاب المنطقي أن يستجيب لهذه الاستثارة، على سبيل المثال أننا حين نعطش نبحث عن الماء لنشربه لإشباع هذه الحاجة، وهكذا تقوم الحياة وتستمر، ومن ضمن الاستجابات الإنسانية هي الاستجابة السلبية التي تعرف بالاشمئزاز، فما هو الاشمئزاز وما هي دوافعه؟، وما هي آليته وطريقة عمله؟
يعرف الاشمئزاز على أنه شعور سلبي قوي ينشأ عندما يواجه الشخص شيئاً يراه بغيضاً أو مقززاً أو مثيراً للاشمئزاز. ويعرف أيضاً على أنه شعور بالنفور أو الكراهية الشديدة تجاه شيء ما، وهو أمر فطري يهدف إلى حماية الشخص من المواد أو المواقف الضارة المحتملة.
من الواقع: جميعنا ربما جرب السير في أحد الأزقة فتسربت إلى أنفه رائحة كريهة لمكان فيه بقايا طعام أو مخلفات مواد أخرى، مما يجعله يشمئز من هذه الرائحة فيغير طريقه إلى طريق آخر أو يحاول غلق أنفه ليتخطى مكان انبعاث الرائحة، وهذا السلوك هو سلوك حماية وتجنب لأضرار ما تسببت بالاشمئزاز للإنسان.
ما هي وظيفة الاشمئزاز؟ وظيفة الاشمئزاز هي مساعدة الإنسان على تجنب المواد أو المواقف التي قد تكون ضارة أو ملوثة وبالتالي تكون مؤذية له وهي بمثابة صافرة إنذار تنبهه للابتعاد عن خطر أو أذى قريب منه، إذ أن الاشمئزاز الطبيعي هو إحدى الهدايا الثمينة التي وهبها الله للبشر لكي يحموا أنفسهم من بعض الأخطار المحيطة. وفي العادة تكون الاستجابة على شكل استجابة جسدية مثل ألم في الرأس والتقيؤ حرقة في العينين وما شابه، أما الاستجابة النفسية فتتمثل بمغادرة المكان المثير للاستجابة ومحاولة تجنبه وعدم الوصول إليه مرة أخرى، وإظهار علامات الرفض سلوكياً وجسدياً في محاولة لإعلامهم بأنه رافض لمثل هذه المواقف.
ما هي ضروب الاشمئزاز؟ ليس الروائح والمناظر المزعجة هي من تتسبب بالاشمئزاز للإنسان بل حتى المواقف والكلام، فقد يحدث أننا حين نسمع كلام غيبة أو طعناً بأعراض أو وصف بعض الناس بأوصاف غير لائقة تتسبب بأشمئزاز لدى الإنسان صاحب الضمير والإنسانية والدين والذي يعي أن ما يحصل هو انتهاك للقيم الإنسانية وقتل لفطرة الإنسان.
ويحدث الاشمئزاز لدى الإنسان في موضوع الأطعمة والأشربة، إذ يكون له دور في حماية الكائن الحي من تناول الأطعمة المحتمل احتواؤها على مواد ضارة وبذلك يقلل من فرص الإصابة بالأمراض التي تتعلق بالمعدة أو التي يكون لها آثار جانبية مضرة على صحة الجسد، فحين يشمئز الإنسان حتماً أنه سيكف عن الفعل وبالتالي يقي نفسه من الأضرار.
وقد يصاب الأشخاص الذاوقون للأصوات بهذا الشعور بسماع النشاز الناتج عن عدم تناغم الأصوات، فحين تسمع صوتاً عالياً أو كلمات غير متناسقة من حيث الوزن والقافية أو عدم ملاءمتها للمناسبة أو لذوق السامع فإنه سيشمئز من تلك الأصوات وبالتالي يبتعد عن سماعها حماية لحواسه ولذائقته ولنفسيته على اعتبار أنه سيؤثر عليها بالدرجة الثانية.
كما من صور الاشمئزاز هو ما يحدث بالنسبة للذين لديهم رهاب الحشرات، فقد أثبتت الأبحاث مراراً وتكراراً وجود علاقة بين الاشمئزاز واضطرابات القلق مثل رهاب العناكب ورهاب الإصابة أثناء الحقن والوسواس القهري المرتبط بالخوف من التلوث، فقد يعمل الخوف من التلوث عن طريق الحشرات أو الفضلات المهملة أو التعفن بجميع أنواعه على إثارة الاشمئزاز.
وقد يشمئز الإنسان لمجرد سماعه لروايات مواقف أو حالات تدعو إلى الاشمئزاز عبر استحضاره لهذه المواقف وتخيلها ذهنياً وبالتالي يشمئز منها مما يجعله يحاول الابتعاد عن الوقوع في تلك المواقف، وفي الختام كل ضروب الاشمئزاز هي منبهات له لأن يبتعد عن أذى قد يلحق به فعليه التعامل الحذر مع الموقف. في الخلاصة: يتضح لنا أن الاشمئزاز ليس مجرد انفعال عابر أو شعور سلبي مزعج، بل هو حارس يقظ ونظام دفاعي متطور أودعه الله في النفس البشرية. هو البوصلة التي توجهنا للابتعاد عن كل ما يهدد بقاءنا المادي أو يلوث نقاءنا الأخلاقي والذوقي، وإن فهمنا لآلية الاشمئزاز يجعلنا ندرك قيمة هذه الاستجابة الفطرية، ليس كقيود على حواسنا، بل كدرع حصين يقينا الأذى ويحفظ لنا توازننا في عالم مليء بالمثيرات المتناقضة.



اضف تعليق