سواء في حياتك الشخصية أو المهنية، فإن وضع الحدود ليس رفاهية بل ضرورة للصحة النفسية. قد يكون الأمر غير مريح في البداية، لكن الوضوح الذي توفره الحدود يمنع الاستياء، ويحمي طاقتك، ويسمح لك بتقديم أفضل ما لديك في جميع مجالات الحياة. لذلك تذكر أن وضع الحدود ليس أنانية، بل هو القواعد الشخصية التي تعلم الناس كيفية احترامك، وتمنحك المساحة لتكون أفضل نسخة من نفسك...
مع حلول العام الجديد، يدعو خبراء الصحة النفسية إلى تجاوز قرارات السنة الجديدة التقليدية واستبدالها بنهج أكثر فاعلية لحماية الصحة العقلية: رسم الحدود، من خلال تعلم فن وضع الحدود الشخصية والمهنية بذكاء. بدءاً من تقنين استخدام التكنولوجيا وإدارة العلاقات المستنزفة، وصولاً إلى مواجهة أعباء العمل الزائدة والحفاظ على الوقت الشخصي، وذلك عبر العمل بخارطة طريق تضمن لك عاماً مليئاً بالتوازن، الإنتاجية، والرفاهية النفسية بعيداً عن الاحتراق الوظيفي والاجتماعي."
استراتيجيات للعام الجديد وما بعده
إذا كنت تسعى لتعزيز رفاهيتك وصحتك النفسية في عام 2026، ينصح المعالجون النفسيون بتجاوز "قرارات السنة الجديدة" التقليدية والتركيز بدلاً من ذلك على "رسم الحدود". يعني هذا أن تكون واضحاً بشأن رغباتك، واحتياجاتك، والأمور التي لا يمكنك التهاون فيها، مما يؤدي في النهاية إلى تحسين كل جانب من جوانب حياتك.
أولاً: مفهوم الحدود وأهميتها
توضح "جوليان تايلور شور"، وهي معالجة نفسية في أوستن ومؤلفة كتاب Setting Boundaries That Stick، أن هناك أنواعاً متعددة من الحدود. على سبيل المثال، تحمي الحدود الجسدية مساحتك الشخصية (مثل التراجع خطوة للوراء عندما يقترب شخص ما أكثر من اللازم). وهناك الحدود الخارجية، التي تعني تحديد ما هو مقبول وما هو غير مقبول بالنسبة لك، والتصرف بناءً على ذلك.
من المهم التمييز بين "الحدود" و"الطلبات". تقول شور: "إذا كان لدي فرد من العائلة لديه آراء سياسية مختلفة، وطلبت منه التوقف عن الحديث عن مرشح معين، فهذا طلب مباشر. أما الحد فهو القول: أنا لست مرتاحاً لاستمرار هذه المحادثة، ولن أتحدث معك في هذا الأمر بعد الآن". وتضيف أن الحدود لا تتعلق بالتحكم في الآخرين، بل باتخاذ إجراءات لحماية صحتك العقلية.
وتشبه "تيري كول"، المعالجة النفسية في نيويورك ومؤلفة كتاب *Boundary Boss*، الحدود بأنها "قواعد الاشتباك الشخصية الخاصة بك لكيفية تفاعل الآخرين معك". وبدون هذه الحدود، من المحتمل أن تصاب بالتوتر والاحتراق النفسي (Burnout)، ومع تصاعد الاستياء، قد تتوتر علاقاتك. في المقابل، يؤدي وضع الحدود إلى تعزيز الثقة بالنفس وتقدير الذات، ومنحك شعوراً أكبر بالسيطرة والأمان الجسدي والعاطفي.
فيما يلي استعراض منهجي للحدود التي ينصح الخبراء بوضعها، مقسمة إلى جوانب الحياة المختلفة:
ثانياً: الحدود المتعلقة بالتكنولوجيا ونمط الحياة الشخصي
1. تخصيص وقت "مقدس" خالٍ من التكنولوجيا
بدلاً من الاستجابة الدائمة للعالم الرقمي، خصص وقتاً لنفسك فقط. قررت "تيري كول" عدم القيام بأي نشاط يتضمن الإنترنت قبل الساعة 11 صباحاً، مستبدلة ذلك بممارسة الرياضة، أو المشي، أو التأمل. وتؤكد أن "العالم لن ينهار" إذا تأخرت في الاتصال. إذا لم يكن الوقت الصباحي مناسباً لك، يمكنك اختيار ساعة خالية من الإنترنت في المساء، أو التخلي عن التكنولوجيا ليوم واحد في عطلة نهاية الأسبوع، أو التوقف عن الرد على الرسائل بعد الساعة 8 مساءً. هذا الوقت المستقطع يجدد طاقتك ويحسن تفاعلاتك وعملك.
2. التعامل مع الأخبار كـ "وجبة خفيفة" لا وجبة رئيسية
للتغلب على عادة "التصفح المأساوي" (Doomscrolling)، ينصح المعالج "أليكس أوليفر-غانس" بتقييد استهلاك الأخبار. فالتحديث المستمر للعناوين يسبب توتراً غير ضروري ويقلل من التوفر العاطفي. بدلاً من ذلك، تعامل مع الأخبار كما كان الحال مع الصحف قديماً (مرة أو مرتين يومياً)، أو اشترك في نشرة إخبارية أسبوعية تلخص الأحداث. سيساعدك ذلك على الشعور بمزيد من التركيز والتفاؤل.
3. إبعاد التكنولوجيا عن غرفة النوم
يقترح "أوليفر-غانس" إقامة "علاقة عن بعد" مع هاتفك ليلاً بوضعه في غرفة أخرى. هذا الإجراء يتحدى الافتراض بأنك يجب أن تكون متاحاً على مدار الساعة للطوارئ (التي نادراً ما تحدث). سيؤدي هذا الفصل إلى تحسين جودة نومك وشعورك بالانتعاش في الصباح.
4. التقليل من المشاركة عبر الإنترنت (الخصوصية)
تنصح المعالجة "سارة رفيق بطرس" بوضع حدود لوسائل التواصل الاجتماعي عبر تقليل مشاركة الحياة الشخصية. إن النظر إلى الحياة من خلال عدسة الكاميرا يقلل من القدرة على عيش اللحظة، كما أن نشر اللحظات الخاصة يجعلها ملكاً للجمهور وعرضة للتعليقات بدلاً من أن تكون ذكرى خاصة. يمكنك البدء بـ "ديتوكس" (تخلص من السموم الرقمية) لمدة شهر، أو قصر النشر على يومين فقط في الأسبوع.
ثالثاً: الحدود الاجتماعية والعلاقات الشخصية
1. توقع جهد حواري متكافئ
تشير الأخصائية النفسية "هيذر ستيفنسون" إلى أن العلاقات يجب أن تكون متبادلة. إذا كنت تبذل جهداً كبيراً للحفاظ على المحادثات أو مساعدة الآخرين على الانفتاح على حساب استنزاف نفسك، فقد حان الوقت للتراجع قليلاً والسماح للطرف الآخر ببذل الجهد. هذا الوضوح سيساعدك على تحديد الأولويات للعلاقات الأكثر إشباعاً.
2. استبدال الوقت الافتراضي بالوقت الفعلي
بعد سنوات من الاعتماد على Zoom، تنصح المعالجة "كاثلين سميث" بتقييم الوقت المقضي في اللقاءات الافتراضية. ضع حدوداً عبر رفض الفرص الإضافية التي تتطلب اجتماعات عبر الإنترنت، أو إبلاغ المنظمين بعدم قدرتك على الالتزام بالكثير من الوقت الافتراضي. بدلاً من ذلك، ابحث عن فرص مجتمعية تعطي الأولوية للقاءات الشخصية المباشرة التي تعزز الصحة العقلية.
3. التوقف عن الاعتذار المفرط
تلاحظ المعالجة النفسية "لورين فارينا" أن النساء، بشكل خاص، يملن للاعتذار عن أي إزعاج متصور، مما يضعهن في وضع التبعية. في عام 2025، ضع حداً للاعتذار إلا عندما تعنيه حقاً. درّب نفسك على التوقف قبل رد الفعل، واستخدم الامتنان بدلاً من الاعتذار (مثلاً: "شكراً لتخصيص الوقت" بدلاً من "آسف لإزعاجك").
4. تطوير علاقة جديدة مع كلمة "نعم"
توقف عن قول "نعم" عندما تعني "لا" بدافع الالتزام الاجتماعي. تقول "فارينا" إن الموافقة بدافع الواجب تتناقض مع قيم الأصالة والتواصل الحقيقي. اسأل نفسك: "هل قلت ما أعنيه؟ وكيف يؤثر ذلك على عقلي وجسدي؟". الحفاظ على مواردك الداخلية المحدودة يتطلب أن تكون انتقائياً.
5. تحييد "مصاصي الطاقة"
تنصح "بطرس" بحماية نفسك من الأشخاص الذين يستنزفون طاقتك (السلبيين، دائمي الشكوى، أو من يلقون بأحمالهم العاطفية عليك). قم بجرد لهؤلاء الأشخاص وحدد المدة التي يمكنك تحملها معهم (ساعتين؟ 10 دقائق؟)، ثم التزم بهذا الوقت بصرامة عن طريق وضع أعذار مهذبة للمغادرة.
رابعاً: الحدود في مكان العمل (المهنية)
قد يبدو وضع الحدود في العمل صعباً في ظل الاقتصاد الحالي، لكنه ضروري لزيادة الإنتاجية والرفاهية. تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الموظفين يعانون من بيئات عمل سامة واحتراق نفسي. تقول "إيمي كوبر حكيم"، ممارسة علم النفس الصناعي التنظيمي، إنه يجب إزالة العاطفة من المعادلة والتعامل ببراغماتية ومهنية لتوضيح ما تحتاجه لتكون منتجاً.
فيما يلي استراتيجيات للتعامل مع سيناريوهات العمل الشائعة:
1. مواجهة "زحف" عبء العمل
تعاني المعالجة "تايلور شور" من العمل المفرط، وتنصح بالتوقف متعمداً قبل الموافقة على أي عمل إضافي. فكر ملياً فيما ستقول له "لا" (مثل وقتك الشخصي) بمجرد قولك "نعم" لمشروع جديد.
إذا تراكمت المهام، تقترح "أليسون غرين" (صاحبة مدونة *Ask a Manager*) إجراء محادثة حول الأولويات مع المدير: "عبء العمل مرتفع جداً، هل يمكننا مناقشة الأولويات؟ سأحتاج لرفض مهام جديدة أو التخلي عن مهام حالية". أو الرد لحظياً: "أنا مهتم، لكن جدولي ممتلئ، ولا يمكنني قبول ذلك دون التأثير على جودة العمل في المشاريع الأخرى".
2. التعامل مع التواصل خارج ساعات العمل
مع تماهي الحدود بين العمل والمنزل، إذا كان مديرك يرسل رسائل في أوقات متأخرة، تقترح "حكيم" توضيح الحدود بأسلوب مهني: "سأكون حاضراً تماماً في العمل، لكنني أحتاج للالتزام بحياتي المنزلية عند المغادرة". إذا كانت طبيعة العمل تتطلب توفراً معيناً، حدد وقتاً واحداً للمراجعة (مثلاً الساعة 9 مساءً) وأي شيء يأتي بعده يؤجل للصباح.
3. حماية الإجازات من المقاطعة
حتى لو لم يكن ممكناً الانفصال التام، ضع حدوداً مسبقة. أبلغ فريقك بمن يجب الاتصال به أثناء غيابك، وحدد "بديلاً للبديل". قم بإعداد رد آلي للبريد الإلكتروني. وللمدراء الملحين، أرسل ملاحظة توضح: "سأكون غير متصل من وقت كذا إلى كذا. للطوارئ القصوى فقط، اتصل بي وسأرد خلال 24 ساعة". كرر لنفسك: "أنا أحترم نفسي بما يكفي لمنح نفسي هذه الاستراحة".
4. التراجع عن التزام سابق
إذا وافقت على مهمة ثم أدركت عدم قدرتك على إنجازها، تنصح "ميلودي وايلدينغ" بإجراء محادثة ثانية: "عندما التزمت بهذا، ظننت أن لدي الوقت، لكن بالنظر لجدولي، هذا غير ممكن. ومع ذلك، يمكنني المساعدة في [جزئية صغيرة محددة]". هذا يحمي وقتك ولا يترك الفريق في مأزق كامل.
5. التعامل مع الزملاء الفضوليين أو كثيري الكلام
إذا كان هناك زميل يضيع وقتك، كن مباشراً: "لدي شيء يجب إنجازه بحلول الساعة 3". أو استخدم لغة الجسد (الوقوف، النظر للساعة). وبالنسبة للزملاء الفضوليين حول حياتك الشخصية أو الطبية، كن غامضاً ومرحاً لإنهاء الحديث: "مجرد أمور طبية روتينية، لا داعي للقلق".
6. المطالبة بنمط مختلف من الملاحظات (Feedback)
إذا كان أسلوب مديرك فظاً، يمكنك القول: "أقدر ملاحظاتك البناءة، لكنني أحتاج أيضاً لمعرفة ما أقوم به بشكل جيد". ومع ذلك، تشير "غرين" إلى أنه مع المدراء الذين ينتقدون بشكل مفرط وسام، قد يكون الحد النهائي هو الاستقالة والبحث عن فرصة أخرى إذا كان العمل يجعلك تعيساً يومياً.
الخاتمة
سواء في حياتك الشخصية أو المهنية، فإن وضع الحدود ليس رفاهية بل ضرورة للصحة النفسية. قد يكون الأمر غير مريح في البداية، لكن الوضوح الذي توفره الحدود يمنع الاستياء، ويحمي طاقتك، ويسمح لك بتقديم أفضل ما لديك في جميع مجالات الحياة. لذلك تذكر دائما ان:
- الحدود هي "القرارات" الجديدة: بدلاً من قوائم الأمنيات الطويلة لعام 2025، ركّز على وضع حدٍ واحد يحمي طاقتك؛ فالحدود هي استثمار في صحتك النفسية وليست قيوداً.
- احمِ "مساحاتك المقدسة": اجعل غرفة نومك وساعات صباحك الأولى مناطق محظورة على التكنولوجيا وأخبار العالم؛ فالعقل يحتاج للراحة ليعمل بكفاءة.
- الجودة أهم من الكمية: سواء في الأخبار التي تستهلكها أو العلاقات التي تحافظ عليها، تخلص من "مصاصي الطاقة" والضجيج الرقمي.
- قوة الرفض المهذب: تعلم أن تقول "لا" للمهام الإضافية واللقاءات الافتراضية غير الضرورية؛ فقول "لا" للآخرين يعني قول "نعم" لرفاهيتك وإنتاجيتك.
- التواصل بوضوح هو الحل: لا تتوقع أن يقرأ الآخرون أفكارك، سواء كان مديراً يراسلك ليلاً أو صديقاً يستنزفك؛ الوضوح المهذب هو مفتاح الاحترام المتبادل.
- توقف عن الاعتذار المجاني: استبدل كلمة "آسف" بكلمة "شكراً" (لصبركم أو لوقتكم)، ولا تعتذر عن حماية وقتك الخاص.
كذلك تذكر أن وضع الحدود ليس أنانية، بل هو القواعد الشخصية التي تعلم الناس كيفية احترامك، وتمنحك المساحة لتكون أفضل نسخة من نفسك في العام الجديد.



اضف تعليق