"عقيدة أمن الطاقة" التي حكمت العالم لعقود قد تحطمت. أثبتت هذه الأزمة أن الاعتماد الكثيف للاقتصادات الآسيوية العملاقة (الصين، الهند، اليابان) على ممر بحري واحد يبلغ عرضه أميالاً قليلة، هو بمثابة "كعب أخيل" للاقتصاد العالمي بأسره. سنشهد تسارعاً محموماً من قبل الدول المستوردة الكبرى لإعادة هيكلة سلاسل إمدادها...
في تصعيد جيوسياسي غير مسبوق، وضع الهجوم العسكري الأمريكي-الإسرائيلي على إيران —والذي أسفر عن مقتل الزعيم الأعلى الإيراني— الاقتصاد العالمي على حافة أزمة طاقة خانقة. فقد أدى الرد الإيراني المتمثل في الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم اليومي من النفط، إلى شلل تام في حركة الملاحة البحرية، محتجزاً مئات الناقلات ومهدداً سلاسل التوريد العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال.
لم تقتصر التداعيات على تكدس الأساطيل البحرية وانسحاب شركات الشحن والتأمين، بل امتدت لتشمل استهداف البنى التحتية للطاقة في دول المنطقة، مما أحدث زلزالاً فورياً في الأسواق المالية. قفزت أسعار النفط الخام بأكثر من 10% مقتربة من حاجز الـ 100 دولار للبرميل، وسط تحذيرات من "صدمة عرض مزدوجة" تنذر بدورة تضخمية عالمية جديدة تضع القوى الكبرى، من واشنطن إلى بكين، أمام اختبارات اقتصادية وسياسية قاسية.
يستعرض هذا التقرير التحليلي أبعاد هذه الأزمة المركبة، متتبعاً مسار التطورات الميدانية، وأزمة الممرات المائية، وصولاً إلى ارتداداتها العميقة على أسواق الطاقة العالمية، والسيناريوهات المستقبلية التي قد تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد الدولي.
الملخص التنفيذي: صدمة الطاقة العالمية والتداعيات الجيوسياسية لحرب المضايق
يواجه الاقتصاد العالمي أزمة طاقة جيوسياسية غير مسبوقة إثر اندلاع مواجهة عسكرية شاملة في الشرق الأوسط. انطلقت شرارة الأزمة بهجوم عسكري أمريكي-إسرائيلي استهدف العمق الإيراني، وأسفر عن مقتل الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي. أدى هذا التطور الدراماتيكي إلى ردود فعل إيرانية واسعة النطاق، لكن التداعيات الأبرز والأكثر خطورة على الاقتصاد العالمي تمثلت في إغلاق طهران الفعلي لمضيق هرمز، الشريان البحري الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم اليومي من النفط، بالإضافة إلى إمدادات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال من قطر.
أسفرت هذه التوترات الفورية عن شلل شبه تام في حركة الملاحة البحرية. وتُظهر بيانات التتبع البحري تكدس أكثر من 200 ناقلة نفط وغاز وسفينة شحن في المياه المفتوحة للخليج والمناطق الاقتصادية الخالصة لدول الجوار، عاجزة عن عبور المضيق بأمان. ومع تعرض ناقلات لهجمات مباشرة ومقتل أحد البحارة، سارعت كبرى شركات الشحن العالمية، مثل "هاباج لويد" و"ميرسك"، إلى تعليق عملياتها، في حين ألغت كبرى شركات التأمين البحري تغطية "مخاطر الحرب" للسفن في المنطقة، مما أدى إلى مضاعفة تكاليف الشحن الفورية من الشرق الأوسط إلى آسيا بشكل هائل وتاريخي.
في الأسواق المالية، تُرجمت هذه التطورات الميدانية إلى صدمة عنيفة ومباشرة. قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنسب تراوحت بين 10% إلى 13% متخطية حاجز 82 دولاراً للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 25%. ويحذر محللون في مؤسسات مالية كبرى، مثل "باركليز" و"وود ماكنزي"، من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيدفع أسعار النفط لتجاوز عتبة 100 دولار للبرميل قريباً. ويمثل هذا السيناريو "صدمة مزدوجة" للإمدادات؛ إذ لا يقتصر الأمر على توقف الصادرات الحالية، بل يشمل عجز تحالف "أوبك+" عن إيصال طاقته الإنتاجية الاحتياطية لموازنة الأسواق. ورغم إقرار التحالف زيادة متواضعة في الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً، يجمع الخبراء على أن هذا الإجراء غير كافٍ لتهدئة الأسواق، نظراً لأن العائق الأساسي هو عائق لوجستي بحت يتعلق بسلامة الممرات وليس بوفرة الإنتاج بحد ذاته.
على الصعيد الميداني، لم تقتصر الأضرار على حركة الملاحة، بل طالت البنية التحتية الإقليمية للطاقة. فقد أعلنت السعودية إغلاق مصفاة "رأس تنورة" الاستراتيجية بصورة احترازية بعد تعرضها لهجوم بطائرات مسيرة، في حين توقف إنتاج النفط في حقول إقليم كردستان العراق، وصدرت أوامر إسرائيلية بإغلاق حقل "ليفياثان" العملاق للغاز.
جيوسياسياً، تضع هذه الأزمة القوى الكبرى أمام تحديات قاسية. ففي آسيا، تجد دول مثل الصين والهند واليابان—التي تعتمد بنسبة تصل إلى 60% على نفط الشرق الأوسط—نفسها مضطرة لتقييم مخزوناتها الاستراتيجية والبحث السريع عن مسارات بديلة، وسط توقعات بتوجه الهند نحو زيادة وارداتها من النفط الروسي. أما في الولايات المتحدة، يهدد هذا الارتفاع الحاد بتجاوز أسعار البنزين حاجز ثلاثة دولارات للجالون، مما يعيد شبح التضخم إلى الواجهة ويشكل ضغطاً سياسياً محفوفاً بالمخاطر على الرئيس دونالد ترامب وإدارته قُبيل انتخابات التجديد النصفي.
تقف الأسواق أمام مفترق طرق حاسم. الإغلاق المطول لمضيق هرمز ينذر بتحول هذه الصدمة الجيوسياسية إلى أزمة إمدادات ممنهجة ومستدامة، ستعطل سلاسل التوريد وتدفع الاقتصاد الدولي نحو دورة تضخمية جديدة قاسية.
المحور الأول: التطورات الميدانية واستهداف البنية التحتية الاستراتيجية للطاقة
لم تقتصر التداعيات المباشرة للضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، التي أسفرت عن مقتل الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي، على الجانب السياسي أو العسكري البحت، بل تحولت سريعاً إلى حرب استنزاف وضرب للبنى التحتية الحساسة للطاقة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فقد أطلقت طهران موجة من الهجمات الانتقامية التي طالت إسرائيل وما لا يقل عن سبع دول أخرى في المنطقة، لتتسع رقعة الاستهدافات الجغرافية وتشمل عواصم ومدناً حيوية مثل أبوظبي، ودبي، والدوحة، والمنامة، وصولاً إلى ميناء الدقم العماني. هذا التصعيد غير المسبوق وضع منشآت النفط والغاز الإقليمية في قلب المعركة، مما أدى إلى سلسلة من الإغلاقات الاضطرارية وتعطل الإنتاج في عدة دول محورية.
1. اشتعال حرب الناقلات في مياه الخليج
شكلت مياه الخليج العربي ومضيق هرمز مسرحاً للعمليات المباشرة؛ حيث أسفرت الهجمات المتبادلة في الأيام الأولى للصراع عن إلحاق أضرار مادية بثلاث ناقلات نفط على الأقل، مما يعيد إلى الأذهان حقبة "حرب الناقلات". ولم تقتصر الخسائر على الجوانب المادية، بل امتدت لتشمل خسائر بشرية بمقتل أحد البحارة في الهجمات التي وقعت في مياه الخليج. هذا التحول الدراماتيكي أثبت أن التهديد الإيراني بإغلاق المضيق لم يعد مجرد ورقة ضغط سياسية، بل أصبح واقعاً ميدانياً يعيق مرور الناقلات التي تحمل نحو خُمس الطلب العالمي من النفط ومشتقاته من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران.
2. استهداف العمق النفطي السعودي: مصفاة رأس تنورة
في تصعيد وصفه الخبراء بالخطير، امتدت شرارة الصراع إلى المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم. فقد تعرضت مصفاة "رأس تنورة" التابعة لشركة أرامكو، والواقعة على ساحل الخليج، لاستهداف بطائرات مسيرة. ورغم تمكن الدفاعات الجوية السعودية من اعتراض طائرتين مسيرتين فوق المنشأة، إلا أن تساقط الحطام تسبب في اندلاع حريق محدود تمت السيطرة عليه دون تسجيل إصابات بشرية.
وللتعامل مع هذا التهديد، أعلنت وزارة الطاقة السعودية عن إيقاف "بعض الوحدات التشغيلية" في المصفاة كإجراء احترازي لضمان سلامة المنشأة، مؤكدة في الوقت ذاته أن إمدادات البترول ومشتقاته للأسواق المحلية لم تتأثر. وتكمن خطورة هذا الاستهداف في الأهمية الاستراتيجية لمجمع رأس تنورة، الذي يضم إحدى أكبر مصافي التكرير في الشرق الأوسط بطاقة إنتاجية تبلغ 550 ألف برميل يومياً، فضلاً عن كونه منفذاً رئيسياً لتصدير الخام السعودي.
ويعيد هذا الهجوم التذكير بهجمات سابقة استهدفت أمن الطاقة السعودي، أبرزها الهجوم غير المسبوق على منشأتي بقيق وخريص في سبتمبر 2019 والذي عطل نصف إنتاج المملكة مؤقتاً، وكذلك الهجوم الذي شنته جماعة الحوثي على المصفاة ذاتها في عام 2021. ويرى محللون، مثل توربيورن سولتفيت من شركة "فيريسك مابلكروفت"، أن البنية التحتية للطاقة في الخليج أصبحت "هدفاً مباشراً" لإيران، مما قد يدفع السعودية ودول الخليج للاقتراب أكثر من الانخراط في العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
3. الإغلاقات الاحترازية في إقليم كردستان العراق
لم يكن العراق بمنأى عن موجة الهلع الأمني التي ضربت قطاع الطاقة. ففي إقليم كردستان، سارعت شركات النفط الأجنبية العاملة هناك إلى اتخاذ خطوات استباقية. وأعلنت شركات كبرى مثل "دي.إن.أو" (DNO)، و"جلف كيستون بتروليم"، و"دانة غاز"، و"إتش.كيه.إن إنرجي" (HKN Energy) عن إيقاف عمليات الإنتاج في حقولها كإجراء احترازي.
ورغم عدم الإبلاغ عن وقوع أضرار مادية في هذه الحقول، إلا أن التوقف بحد ذاته يشكل ضربة للإمدادات؛ إذ كان الإقليم يُصدر نحو 200 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب يمتد إلى ميناء جيهان التركي. هذا الغياب للنفط العراقي الشمالي يضيف مزيداً من الضغط على الأسواق العالمية التي تبحث بشراهة عن أي براميل بديلة.
4. شلل قطاع الغاز الإسرائيلي
وفي إسرائيل، طالت التداعيات الميدانية طموحات تل أبيب في تصدير الغاز. فقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية أوامر صارمة لشركة "شيفرون" الأمريكية بإغلاق حقل "ليفياثان" العملاق للغاز مؤقتاً لأسباب أمنية. ويُعد هذا الحقل ركيزة أساسية للطاقة في إسرائيل، حيث كانت تسعى لزيادة طاقته الإنتاجية إلى نحو 21 مليار متر مكعب سنوياً ضمن اتفاق تصدير ضخم لمصر تبلغ قيمته 35 مليار دولار.
وفي سياق متصل، أوقفت شركة "إنرجين" عمل سفينة إنتاج تخدم حقول غاز أصغر في البحر المتوسط. ورغم تأكيد "شيفرون" أن حقل "تمار" للغاز ومنشآتها الأخرى في المنطقة لا تزال آمنة، إلا أن إغلاق "ليفياثان" يربك حسابات الطاقة الإقليمية ويؤثر بشكل مباشر على الصادرات الموجهة إلى مصر.
5. الغموض يكتنف جزيرة "خرج" الإيرانية
على الجانب الإيراني، يبدو أن البنية التحتية للطاقة لم تسلم من الردود العسكرية. فقد سُمع دوي انفجارات في جزيرة "خرج" الإيرانية الاستراتيجية. وتكتسب هذه الجزيرة أهمية قصوى كونها شريان الحياة للاقتصاد الإيراني، إذ تتعامل مع حوالي 90% من إجمالي صادرات الخام الإيراني.
وحتى الآن، لا يزال الغموض يكتنف مدى تأثر المنشآت النفطية في الجزيرة، إلا أن أي ضرر يلحق بها سيمثل ضربة قاصمة لقدرات إيران التصديرية. وتضخ إيران، التي تُعد ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، نحو 3.3 مليون برميل يومياً من الخام، إضافة إلى 1.3 مليون برميل يومياً من المكثفات والسوائل الأخرى، لتمثل بذلك نحو 4.5% من إمدادات النفط العالمية. خروج هذه الكميات، أو جزء منها، من السوق بشكل قسري سيضاعف من حدة الأزمة العالمية.
المحور الثاني: أزمة الملاحة وتوقف سلاسل الإمداد في مضيق هرمز
لم يكن الهجوم العسكري وتبادل الضربات في الشرق الأوسط سوى الشرارة التي أشعلت واحدة من أعقد الأزمات اللوجستية في التاريخ الحديث لأسواق الطاقة. فقد تحول مضيق هرمز، الذي يُعد الشريان البحري الأهم عالمياً، إلى نقطة اختناق فعلية ومسرح لشلل تام في حركة الملاحة التجارية. ويمثل هذا المضيق الاستراتيجي، الذي يربط الخليج ببحر العرب، ممراً حتمياً لنحو عُشر استهلاك العالم من النفط، حيث تعبره يومياً ناقلات تحمل خُمس الطلب العالمي تقريباً من خامات السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، إلى جانب كميات هائلة من الديزل ووقود الطائرات والبنزين، فضلاً عن كونه بوابة العبور الرئيسية لإمدادات الغاز الطبيعي المسال من عملاق الإنتاج العالمي، قطر.
1. الشلل الملاحي وتكدس الأساطيل البحرية
بمجرد اندلاع الأزمة وإعلان طهران نيتها إغلاق الملاحة، تحولت مياه الخليج المفتوحة إلى ما يشبه "موقفاً عائماً" لمئات السفن. وتُظهر بيانات تتبع الملاحة البحرية، استناداً إلى منصات مثل "مارين ترافيك"، مشهداً غير مسبوق؛ إذ تتكدس ما بين 150 إلى 200 ناقلة محملة بالنفط الخام والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب عشرات من سفن الشحن التجاري، في مياه الخليج قبل مدخل المضيق.
وقد اضطرت هذه السفن للرسو وتجميد حركتها في المناطق الاقتصادية الخالصة لدول الخليج الرئيسية، بما فيها الكويت والإمارات والسعودية وقطر والعراق، لتجنب الدخول في دائرة الخطر. وفي الجهة المقابلة، خارج المضيق، ترسو ما لا يقل عن 100 ناقلة أخرى على طول سواحل دولة الإمارات وسلطنة عُمان. وتؤكد صور الأقمار الصناعية هذا التكدس الهائل بجوار موانئ رئيسية مثل الفجيرة، حيث توقفت حركة العبور كلياً.
2. تحذيرات عسكرية وأمنية متضاربة
تعمقت الأزمة بفعل حرب التصريحات والتحذيرات العسكرية التي أربكت أطقم السفن. فقد تلقى العديد من السفن في المنطقة بثاً لاسلكياً مباشراً من الحرس الثوري الإيراني يحذر بصراحة من أنه "لن يُسمح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز". وفي المقابل، ورغم تأكيد البحرية البريطانية أن الأوامر الإيرانية غير ملزمة قانونياً مع توجيه النصح بالعبور بحذر، إلا أن البحرية الأمريكية حذرت بوضوح من أن سلامة الملاحة المحايدة والسفن التجارية "غير مضمونة" في منطقة العمليات التي تشمل الخليج وخليج عُمان وشمال بحر العرب. وقد دفع هذا الوضع المتوتر وزارات النقل في دول بحرية كبرى، مثل اليونان، إلى إصدار مذكرات تحذيرية رسمية تنصح سفنها بتجنب المنطقة بأسرها.
3. عزوف عمالقة الشحن البحري
أمام هذه المخاطر الجسيمة، لم تتأخر كبرى شركات الشحن البحري العالمية في اتخاذ قرارات حاسمة لحماية أطقمها وأصولها. فقد أعلنت مجموعة "هاباج لويد" الألمانية تعليق جميع عمليات عبور سفنها عبر المضيق حتى إشعار آخر، مشيرة إلى تأخيرات وتغييرات حتمية في الجداول. وبالمثل، أوعزت مجموعة "سي.إم.إيه. سي.جي.إم" الفرنسية لسفنها بالتوجه فوراً إلى مناطق آمنة. أما شركة "ميرسك" الدنماركية، فقد أعلنت استمرار التنسيق مع شركائها الأمنيين لتقييم الموقف لحظة بلحظة.
الشركات الآسيوية كانت الأكثر حذراً؛ حيث أوقفت شركات الشحن اليابانية الكبرى، مثل "نيبون يوسن" و"ميتسوي أو.إس.كيه لاينز" و"كاواساكي كيسن"، عملياتها تماماً في المضيق، مفضلة إبقاء سفنها في مياه آمنة ورافضة إرسال أي سفن إضافية حتى تستقر الأوضاع، معتبرة أن سلامة الطواقم هي "الأولوية القصوى".
4. صدمة التأمين وإلغاء تغطية "مخاطر الحرب"
رافق التوقف المادي للسفن أزمة مالية خانقة تمثلت في انهيار الغطاء التأميني. فقد سارعت أندية وشركات التأمين البحري الكبرى —مثل "جارد"، و"سكولد"، و"نورث ستاندرد"، ونادي لندن للحماية والتعويض، ومجموعة "إم.إس.آند إيه.دي" اليابانية— إلى إصدار إشعارات عاجلة تلغي بموجبها تغطية "مخاطر الحرب" للسفن العابرة في المياه الإيرانية والخليج والمياه القريبة، على أن يسري هذا الإلغاء في غضون أيام قليلة (الخامس من مارس). هذا القرار يعني عملياً أن أي سفينة تقرر العبور ستتحمل منفردة مسؤولية أي أضرار كارثية قد تلحق بها، وهو ما يعد مقامرة ترفضها شركات التجارة.
5. الارتفاع الجنوني لتكاليف الشحن
نتيجة حتمية لندرة السفن المستعدة للمخاطرة وانعدام التغطية التأمينية، شهدت تكاليف شحن النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا ارتفاعات صاروخية. وقد بلغت أسعار الشحن الفورية بالفعل أعلى مستوياتها في ست سنوات، مسجلة زيادة بلغت ثلاثة أمثال ما كانت عليه في بداية عام 2026.
وتشير التقديرات إلى أن السعر الفوري لاستئجار ناقلة نفط خام عملاقة (VLCC) على الخط الرئيسي بين الشرق الأوسط والصين قفز ليقارب 12 مليون دولار للرحلة الواحدة. ويؤكد الخبراء أن هذا التكدس سيجبر السوق العالمية على سحب مزيد من السفن لتحميل النفط من مناطق بديلة وبعيدة مثل الولايات المتحدة وغرب أفريقيا، مما سيؤدي إلى إطالة مسارات الرحلات البحرية وتقليص المعروض العالمي من الناقلات، لتبقى أسعار الشحن عند مستويات فلكية لفترة غير قصيرة.
6. تهديد إمدادات الغاز الطبيعي المسال
لم يقتصر الخطر على النفط؛ فقد امتد ليهدد تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية التي يمر خُمسها عبر هذا المضيق. وأشارت تحليلات بحرية إلى أن نحو 14 ناقلة غاز طبيعي مسال، كانت في طريقها لتحميل شحنات من قطر، قد خفضت سرعتها أو غيرت مسارها أو توقفت كلياً بالقرب من المضيق. ويشكل هذا التوقف مخاطر وجودية لإمدادات الغاز المتجهة إلى المشترين الآسيويين والأوروبيين، مما ينذر بأزمة طاقة مزدوجة تضرب أسواق النفط والغاز في آن واحد.
المحور الثالث: الصدمة في أسواق الطاقة العالمية (النفط والغاز)
لم تكن الأسواق المالية وأسواق السلع الأساسية بمعزل عن دوي الانفجارات في الشرق الأوسط؛ فقد تُرجمت التطورات العسكرية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز فوراً إلى حالة من الذعر والتقلبات العنيفة في بورصات الطاقة العالمية. وتجد الأسواق نفسها اليوم أمام أزمة معقدة لا تتعلق بندرة الموارد في باطن الأرض، بل باستحالة إيصالها إلى المستهلكين، مما خلق بيئة خصبة لارتفاعات قياسية في الأسعار تنذر بإعادة رسم خريطة التضخم العالمي.
1. قفزة تاريخية في أسعار النفط الخام
مع انطلاق أولى التداولات التي أعقبت عطلة نهاية الأسبوع والهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، شهدت أسواق النفط زلزالاً سعرياً. فقد قفزت أسعار النفط في التعاملات المبكرة وخارج السوق الرسمية بواقع 13%، قبل أن تستقر نسبياً مع استيعاب الصدمة الأولى.
وسجلت العقود الآجلة لخام القياس العالمي "برنت" ارتفاعاً حاداً بنسبة 8.66% لتصل إلى 79.18 دولاراً للبرميل، بعد أن لامست في ذروة تداولاتها مستوى 82.37 دولاراً، وهو أعلى مستوى يسجله الخام منذ يناير/كانون الثاني 2025. وتُعد هذه الزيادة تحولاً جذرياً مقارنة بسعر 61 دولاراً الذي بدأ به الخام تداولاته هذا العام. وبالمثل، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بقوة، مسجلاً زيادة بنسبة 12% ليصل إلى 75.33 دولاراً (أعلى مستوى منذ يونيو/حزيران)، قبل أن يقلص مكاسبه لاحقاً ليستقر عند 72.39 دولاراً بزيادة قدرها 8.01%.
2. شبح الـ 100 دولار للبرميل و"علاوة المخاطر"
أعادت هذه الأزمة إلى أذهان المستثمرين سيناريوهات عام 2022 إبان بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، وهي المرة الأخيرة التي تجاوزت فيها أسعار النفط عتبة 100 دولار. وتُجمع كبرى المؤسسات المالية ومراكز الأبحاث على أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيدفع الأسعار لاختبار هذا الحاجز النفسي والاقتصادي الحرج قريباً.
* بنك باركليز ووود ماكنزي: رفع بنك "باركليز" توقعاته لسعر خام برنت مباشرة إلى 100 دولار للبرميل، محذراً من أن الأسواق تواجه "أسوأ مخاوفها" وسط تدهور الأمن الإقليمي. وتتفق مؤسسة "وود ماكنزي" مع هذا الطرح، مؤكدة أن الأسعار ستتجاوز 100 دولار ما لم تُستأنف تدفقات الناقلات عبر المضيق بسرعة.
* جولدمان ساكس وريستاد إنرجي: قدر بنك "جولدمان ساكس" إضافة "علاوة مخاطر" فورية تبلغ 18 دولاراً للبرميل في أسعار النفط الخام، مشيراً إلى أن هذه العلاوة قد تنخفض إلى 4 دولارات فقط في حال اقتصر تعطل التدفقات عبر المضيق على نسبة 50% لمدة شهر واحد. من جهتها، تتوقع "ريستاد إنرجي" صعود الأسعار بنحو 20 دولاراً لتستقر فوق مستوى 90 دولاراً.
* سيتي بنك: قدم البنك نظرة أوسع، متوقعاً تداول خام برنت في نطاق 80 إلى 90 دولاراً للبرميل في الأيام المقبلة، مع إمكانية التراجع إلى 70 دولاراً في حال انحسار التوترات الجيوسياسية.
3. "صدمة العرض المزدوجة" ومعضلة "أوبك+"
تكمن الخطورة الحقيقية لهذه الأزمة، كما تصفها "وود ماكنزي"، في كونها "صدمة عرض مزدوجة". فالأمر لا يقتصر على توقف ملايين البراميل من الصادرات الحالية التي تعبر المضيق يومياً وحسب، بل يمتد ليشمل شلل "الطاقة الاحتياطية" لمنظمة أوبك. هذه الطاقة الفائضة —التي تتركز أساساً في السعودية والإمارات وتُعد صمام الأمان التقليدي لضبط الأسواق— أصبحت غير متاحة فعلياً للمشترين طالما ظلت الممرات المائية مغلقة.
وفي محاولة لتهدئة الأسواق، عقد تحالف "أوبك+" (بمشاركة 8 أعضاء فقط) اجتماعاً أسفر عن اتفاق لزيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً اعتباراً من أبريل/نيسان. ورغم أن هذه الزيادة فاقت توقعات الأسواق (التي رجحت 137 ألف برميل)، إلا أنها تظل زيادة متواضعة جداً تمثل أقل من 0.2% من الطلب العالمي.
ويقلل الخبراء والمحللون، مثل خورخي ليون الخبير في "ريستاد إنرجي" والمسؤول السابق في أوبك، من أهمية هذه الخطوة؛ مؤكدين أنها مجرد "إشارة سياسية وليست حلاً عملياً". فالأزمة الحالية ليست أزمة نقص في القدرة الإنتاجية، بل هي أزمة "اختناق لوجستي". وإذا كان النفط عاجزاً عن المرور عبر هرمز، فإن إضافة 200 ألف برميل لن تلعب أي دور يذكر في تخفيف نقص الإمدادات الفعلي الذي قد يصل إلى خسارة 8 إلى 10 ملايين برميل يومياً، حتى مع استخدام خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات.
4. عدوى الأسعار تنتقل إلى أسواق الغاز الطبيعي
لم تقتصر الصدمة السعرية على النفط الخام، بل امتدت لتضرب أسواق الغاز الطبيعي بشدة، خاصة في القارة الأوروبية التي تعاني أصلاً من هشاشة في أمن الطاقة. فقد سجلت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في هولندا (TTF) —والتي تُعد المؤشر المرجعي للأسعار في أوروبا— ارتفاعاً صاروخياً بنحو 25%، لتصل إلى 40.375 يورو للميجاوات/ساعة.
ويُعزى هذا الارتفاع الحاد إلى الخوف من انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) القادمة من دولة قطر، التي تُعد من أكبر مصدري الغاز في العالم، والتي يمر إنتاجها حتمياً عبر مضيق هرمز. ورغم أن الأسعار لا تزال دون مستويات الذروة الشتوية المسجلة في يناير، إلا أن استمرار الأزمة يهدد بتعميق فاتورة الطاقة للمصانع والمنازل الأوروبية والآسيوية على حد سواء.
المحور الرابع: التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية على القوى العالمية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز واشتعال شرارة الحرب في الشرق الأوسط مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل تحول في غضون ساعات إلى زلزال جيوسياسي واقتصادي ضرب عواصم القرار العالمي. لقد كشفت هذه الأزمة عن حجم الهشاشة التي يعاني منها الاقتصاد الدولي في اعتماده المفرط على ممر مائي واحد، ووضعت القوى الكبرى —من واشنطن إلى بكين، مروراً بموسكو ونيودلهي— أمام اختبارات قاسية تتداخل فيها المصالح الأمنية، والانتخابات السياسية، وأمن الطاقة القومي.
1. المأزق الآسيوي: شلل في قلب أكبر مستهلك للطاقة
تُعد القارة الآسيوية الخاسر الأكبر والمتضرر الأول من هذه الأزمة، إذ تقف على خط المواجهة المباشر مع اضطرابات الإمدادات. وتعتمد آسيا، بوصفها أكبر منطقة مستهلكة للنفط في العالم، على منتجي الشرق الأوسط لتأمين نحو 60% من احتياجاتها النفطية.
* الصين واليابان (اختبار المخزونات الاستراتيجية): تجد الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم والتي تحصل على نصف إمداداتها من الخليج، نفسها أمام تهديد حقيقي لنموها الاقتصادي ولأمنها في مجال الطاقة. فرغم تعزيز بكين لمخزوناتها من الخام وتخطي وارداتها مستويات قياسية مؤخراً، إلا أن انقطاعاً طويل الأمد سيجبرها على استنزاف هذه الاحتياطيات. أما اليابان، التي تعتمد بنسبة تصل إلى 90% على نفط الخليج، فقد أوقفت شركات شحنها الكبرى عملياتها كلياً في المضيق. ورغم طمأنة الحكومة اليابانية بأنها لا تعتزم حالياً السحب من احتياطياتها الاستراتيجية (التي تُعد من الأكبر عالمياً)، إلا أن استمرار الأزمة سيضع صناعتها الثقيلة تحت ضغط هائل.
* الهند والتحول الإجباري نحو روسيا: في نيودلهي، دقت مصافي التكرير الحكومية ناقوس الخطر بعد عجزها عن استئجار سفن لتحميل الخام من الشرق الأوسط. وفي تحول جيوسياسي لافت، تبحث الهند حالياً في كافة الخيارات البديلة، بما في ذلك التوجه لزيادة الاعتماد على النفط الروسي لتعويض النقص إذا استمرت الأزمة لأكثر من أسبوعين، متجاوزة بذلك تعقيدات العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
* كوريا الجنوبية وتايوان: سارعت سيول إلى عقد اجتماعات طوارئ لتقييم مخزوناتها التي تكفي لسبعة أشهر، مع بدء البحث عن إمدادات فورية من داخل آسيا. وفي المقابل، تحاول تايوان تقليل حجم الصدمة بالإشارة إلى أن حصة وارداتها من الشرق الأوسط تتناقص سنوياً.
* أزمة الغاز في جنوب آسيا: لا تقتصر الأزمة على النفط؛ ففقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر وعُمان والإمارات يضع دولاً مثل باكستان والهند وبنجلاديش أمام خيارات قاسية ومكلفة. ويحذر المحللون من أن هذه الدول ستُجبر إما على الشراء بأسعار فلكية من موردين آخرين، أو اللجوء إلى تقليص الطلب وتغيير مصادر الوقود، مما يعني عودة أزمات انقطاع الكهرباء وتوقف المصانع.
2. الارتدادات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة
على الجانب الآخر من المحيط، ترتد تداعيات الهجوم العسكري الأمريكي-الإسرائيلي على الداخل الأمريكي في توقيت سياسي بالغ الحساسية. فقد تسببت الأزمة في تعطيل التدفقات العالمية، مما ينذر بارتفاع حاد في أسعار البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة لتتجاوز حاجز الثلاثة دولارات للجالون للمرة الأولى منذ أشهر، وهو ما سيتزامن مع ذروة الطلب الموسمي في العطلات الصيفية.
* التهديد الانتخابي لترامب: يشكل هذا الارتفاع خطراً سياسياً مباشراً على الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني. ولطالما زعم ترامب أنه المهندس الفعلي لانخفاض أسعار البنزين، إلا أن سياساته الخارجية الحالية وضعت هذا الإنجاز في مهب الريح، وأعادت التضخم ليتصدر قائمة مخاوف الناخب الأمريكي.
* مقامرة السياسة الخارجية: يبدو أن الإدارة الأمريكية، وفقاً لخبراء مثل بوب ماكنالي، مستعدة لقبول هذا الثمن الاقتصادي والمخاطرة السياسية في سبيل تحقيق أهدافها الجيوسياسية المتمثلة في إسقاط النظام الإيراني. غير أن استمرار تحكم إيران في مضيق هرمز قد يجبر البيت الأبيض على اتخاذ قرارات صعبة، منها السحب من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي لتهدئة الأسواق، وهي الخطوة التي طالما انتقدها ترامب بشدة عندما لجأ إليها سلفه جو بايدن في عام 2022.
3. الموقف الروسي: تحديات استراتيجية ومكاسب اقتصادية غير متوقعة
تراقب موسكو المشهد بمزيج من الحذر والبراغماتية. فقد نددت وزارة الخارجية الروسية بشدة باغتيال خامنئي، معتبرة إياه "انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي"، ومحذرة من اختلالات هيكلية في أسواق النفط والغاز.
* الخسارة الجيوسياسية: يمثل سقوط خامنئي تحدياً استراتيجياً لموسكو التي تفقد حليفاً إقليمياً هاماً، لاسيما مع تراجع نفوذ حلفائها في ساحات أخرى كسوريا وفنزويلا. ورغم ذلك، لا يبدي الكرملين رغبة حقيقية في الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب بشأن طهران.
* المكاسب الاقتصادية البديلة: في مفارقة جيوسياسية، تُعد روسيا أحد المستفيدين الاقتصاديين غير المباشرين من هذا الصراع. فمع توقف نفط الشرق الأوسط، ترتفع أسعار صادرات الطاقة الروسية، وتجد موسكو نفسها الملاذ الأخير والخيار البديل لدول كبرى مثل الهند، مما يعزز من إيراداتها النفطية ويفشل مساعي عزلها اقتصادياً.
4. التأثير على الاقتصادات الإقليمية (العراق والخليج)
في منطقة الشرق الأوسط، يواجه المنتجون وضعاً خانقاً. فدول الخليج والعراق، التي تعتمد ميزانياتها بشكل شبه كلي على العائدات النفطية، تجد نفسها عاجزة عن تصدير نفطها رغم الارتفاع الكبير في الأسعار. فالعراق، على سبيل المثال، يواجه شللاً مزدوجاً؛ إغلاق احترازي لحقول إقليم كردستان شمالاً، وعجز تام عن التصدير عبر الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج ومضيق هرمز. هذا الحصار البحري يهدد بخنق اقتصادات المنطقة بالكامل إذا طال أمده، حتى مع وجود مسارات بديلة ومحدودة لبعض دول الخليج عبر خطوط الأنابيب التي لا تكفي لتعويض التدفق البحري.
الخاتمة: السيناريوهات المستقبلية لـ "حرب المضايق" وإعادة تشكيل نظام الطاقة العالمي
تقف أسواق الطاقة العالمية والنظام الجيوسياسي الدولي اليوم على حافة أخطر منعطف تاريخي منذ عقود. إن التداعيات التي خلفها الهجوم العسكري الأمريكي-الإسرائيلي، ومقتل الزعيم الأعلى الإيراني، وما تلاه من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، تتجاوز في نطاقها مجرد كونها أزمة إقليمية عابرة. لقد تحول التهديد النظري بإغلاق الشريان الملاحي الأهم في العالم إلى واقع ميداني واقتصادي ملموس، يفرض إعادة تقييم شاملة لأمن الطاقة العالمي.
وبناءً على المعطيات الميدانية وتحليلات كبرى المؤسسات المالية ووكالات الطاقة، يمكن استشراف مآلات هذه الأزمة المعقدة عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحدد مسار الاقتصاد العالمي في المدى المنظور:
السيناريو الأول: الانفراجة السريعة والاحتواء التكتيكي (سيناريو التراجع إلى 70 دولاراً)
يفترض هذا السيناريو، الذي يميل إليه محللون في مؤسسات مثل "سيتي بنك" و"سوسيتيه جنرال"، أن الأزمة الحالية، رغم حدتها، تمثل "صدمة جيوسياسية" مؤقتة وليست أزمة إمدادات ممنهجة ومستدامة. يعتمد هذا المسار على نجاح الولايات المتحدة وحلفائها في تقليص المدة التي تتحكم فيها طهران في تدفق الطاقة عبر المضيق، سواء من خلال تأمين ممرات بحرية عسكرية قسرية، أو حدوث تحولات سياسية داخلية سريعة في إيران تعيد تقييم جدوى المواجهة الشاملة.
في حال تحقق هذا السيناريو، سيتم استئناف حركة الملاحة تدريجياً، مما سيبدد "علاوة المخاطر" الفورية التي أضافتها الأسواق (والتي قدرها جولدمان ساكس بنحو 18 دولاراً للبرميل). ومع تبدد حالة الذعر، من المتوقع أن تتراجع أسعار النفط الخام تدريجياً لتستقر في النطاق الآمن بين 70 و80 دولاراً للبرميل. ومع ذلك، فإن هذا "العودة إلى الوضع الطبيعي" لن يكون مجانياً؛ إذ ستظل تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد "مخاطر الحرب" مرتفعة لفترة طويلة، مما سيبقي أسعار السلع الاستهلاكية أعلى من معدلاتها ما قبل الأزمة.
السيناريو الثاني: الإغلاق المطول و"الصدمة المزدوجة" (سيناريو الـ 100 دولار فما فوق)
يُعد هذا السيناريو الأكثر رعباً للأسواق العالمية، وهو ما حذرت منه مؤسسات مثل "باركليز" و"وود ماكنزي". يفترض هذا المسار دخول المنطقة في حرب استنزاف بحرية طويلة الأمد، حيث تنجح إيران، مستخدمة تكتيكات الحرب غير المتكافئة (كالألغام البحرية، والطائرات المسيرة، والزوارق السريعة)، في إدامة الحصار المفروض على مضيق هرمز لأسابيع أو أشهر.
النتيجة المباشرة لهذا السيناريو هي ما يُعرف بـ "صدمة العرض المزدوجة". فالأزمة لن تقتصر على حجب ملايين البراميل من الصادرات اليومية الحالية، بل ستؤدي إلى "حبس" الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لتحالف "أوبك+" داخل الخليج. ورغم الآمال المعقودة على البنية التحتية البديلة —مثل خط الأنابيب (شرق-غرب) في السعودية وخط أنابيب أبوظبي في الإمارات— إلا أن الخبراء (مثل خورخي ليون من ريستاد إنرجي) يؤكدون أن هذه البدائل لا يمكنها تعويض خسارة 8 إلى 10 ملايين برميل يومياً. في ظل هذا الخنق الملاحي، ستخترق أسعار النفط حاجز الـ 100 دولار بسهولة، وربما تتجه نحو مستويات تاريخية غير مسبوقة (120 - 150 دولاراً كما يرى بعض المحللين)، مترافقة مع نقص حاد في إمدادات الغاز الطبيعي المسال المتجهة من قطر إلى آسيا وأوروبا، مما سيشعل أزمة طاقة عالمية تفوق في قسوتها أزمة عام 2022.
السيناريو الثالث: التداعيات السياسية الأمريكية واللجوء لـ "الخيار المر"
يركز هذا السيناريو على الارتدادات العكسية للأزمة داخل أروقة صنع القرار في واشنطن. مع تجاوز أسعار البنزين في الولايات المتحدة عتبة 3 دولارات للجالون للمرة الأولى منذ أشهر، ومع اقتراب موسم ذروة الطلب الصيفي، سيجد الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري أنفسهم في مأزق انتخابي حرج قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني. فالتضخم الذي طالما تفاخر ترامب بكبحه، سيعود بقوة كضريبة مباشرة لسياساته الخارجية الهجومية.
إذا استمر إغلاق المضيق وارتفاع الأسعار، فإن الإدارة الأمريكية ستُدفع قسراً نحو سيناريو وحيد لإنقاذ موقفها الداخلي: الإعلان عن سحب تاريخي وضخم من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي (SPR). وتكمن المفارقة السياسية هنا في أن ترامب سيُضطر لاستخدام ذات الأداة التي طالما انتقد سلفه جو بايدن لاستخدامها بشدة. هذا السحب قد يخفف من حدة الأسعار مؤقتاً، لكنه سيترك الولايات المتحدة مكشوفة استراتيجياً إذا استمرت الحرب الإقليمية لفترة أطول.
الخلاصة: خريطة عالمية قيد التشكيل
أياً كان السيناريو الذي سيطغى في الأيام المقبلة، فإن النتيجة الحتمية المؤكدة هي أن "عقيدة أمن الطاقة" التي حكمت العالم لعقود قد تحطمت. لقد أثبتت هذه الأزمة أن الاعتماد الكثيف للاقتصادات الآسيوية العملاقة (الصين، الهند، اليابان) على ممر بحري واحد يبلغ عرضه أميالاً قليلة، هو بمثابة "كعب أخيل" للاقتصاد العالمي بأسره.
في المستقبل المنظور، سنشهد تسارعاً محموماً من قبل الدول المستوردة الكبرى لإعادة هيكلة سلاسل إمدادها. ستعمق الهند والصين شراكاتهما الاستراتيجية مع موردين من خارج المنطقة (مثل روسيا وأفريقيا والأمريكيتين)، وستتزايد الاستثمارات في البنى التحتية العابرة للقارات (كخطوط الأنابيب البعيدة عن المضايق البحرية)، مع تسريع وتيرة التحول نحو مصادر الطاقة البديلة ليس فقط لدوافع بيئية، بل كضرورة قصوى للأمن القومي.
لقد أثبتت شظايا الصراع في الشرق الأوسط أن أمن إمدادات النفط والغاز لم يعد مسألة إنتاج وحصص لمنظمة "أوبك+"، بل بات رهينة للسياسة، والمدافع، وأمن المضايق؛ لتدخل أسواق الطاقة العالمية حقبة جديدة عنوانها الأبرز: التقلب الدائم، والتسعير القائم على ذروة المخاطر الجيوسياسية.



اضف تعليق