المشكلةُ اليومَ ليست ظرفية، بل بنيوية؛ فالدولةُ العراقيةُ تحولتْ إلى 'ماكينةِ دفعِ رواتب' أكثرَ منها دولةَ استثمار، وحينَ يضيقُ الريعُ تبرزُ المعضلة: مجتمعٌ يرفضُ التضحيةَ لأنَّ الثقةَ في النخبةِ مفقودة، ونخبةٌ تخشى الإصلاحَ لكي لا تفقدَ شرعيتَها الانتخابية، والنتيجةُ تجميدُ الحلولِ بانتظارِ الكارثة...
مع كل انخفاض في أسعار النفط، يجد العراق نفسه أمام اختبار مالي قاسٍ. فاقتصاد يعتمد على النفط بأكثر من 90 بالمئة من إيراداته العامة لا يملك فرصة المناورة حين تتراجع الأسعار. المشكلة اليوم ليست ظرفية، بل بنيوية: موازنة استثمارية تنموية انتاجية ضعيفة أو متوقفة وموازنة تشغيلية متضخمة تقترب كلفتها من 140 تريليون دينار عراقي سنوياً للرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية والنفقات الحاكمة الضرورية الاخرى .
بهذا الحجم من الالتزامات، تتحول الدولة إلى ماكينة دفع رواتب أكثر منها دولة استثمار وتنمية.
في تحليله لمفهوم الدولة الريعية، يبيّن الاقتصادي المصري حازم الببلاوي أن اعتماد الدولة على ريع خارجي يضعف العلاقة الضريبية بينها وبين المجتمع، فتتآكل المساءلة ويترسخ منطق “الدولة الموزِّعة”. هذا ما حدث في تاريخ العراق الاقتصادي سيما بعد عام 1968 وترسخ اكثر بعد 2003: توسع في التوظيف العام، تضخم في الامتيازات، وضعف في القطاعات المنتجة.
حين يضيق الريع، تظهر المعضلة: الجميع يرفض المساس بمخصصاته، وفي الوقت ذاته يحمّل الحكومة مسؤولية إيجاد الحلول. لا احد مستعد للتضحية مؤقتا، ابتداء من الاكاديميين إلى عمال النفط والموانئ وموظفو البنوك وانتهاء بالشرائح التي اعتادت على امتيازات وحوافز الوظيفة الحكومية. حينما تخشى الحكومات من اتخاذ القرارات الصائبة لأنها تصطدم بالرفض الشعبي (الشعب يمنح الشرعية السياسية عبر الانتخابات) ولكي لا تخسر العلاقة الزبائنية مع الجمهور فأنها تضطر إلى سياسات دعم مالي ذات كلفة كبيرة تؤدي إلى فشل تنموي حتمي واخفاق في معالجة الازمات القطاعية كما هو حاصل في قطاع الكهرباء حيث تزداد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك إلى النصف تقريبا وتستمر معاناة الاقتصاد والجمهور على حد سواء بلا نهاية قريبة .
قطاع الكهرباء نموذج صارخ لانعدام المعادلة المالية. الدولة تنفق مليارات الدولارات سنوياً على الإنتاج والاستيراد والدعم (23 تريليون دينار)، فيما تبقى الجباية محدودة وغير منتظمة (تريليون دينار فقط). النتيجة: دعم يفوق التصور بلا استرداد كلفة حقيقية، واستنزاف دائم للموازنة.
هذا الخلل ليس مالياً فقط، بل ثقافي أيضاً: خدمة تُستهلك بوصفها حقاً مجانياً مطلقاً، لا سلعة عامة لها كلفة يجب تقاسمها لأن ثقافة العراقي تقول له الدولة مسؤولة عن كل شيء!؟
إذا افترضنا أن العراق يصدر بحدود 3.3–3.5 ملايين برميل يومياً، فإن كل دولار واحد في سعر البرميل يعادل سنوياً قرابة 1.3 مليار دولار إيراداً إضافياً أو مفقوداً. أي أن انخفاض السعر 10 دولارات يعني خسارة تقارب 13 مليار دولار سنوياً.
ولتغطية نفقات أساسية بحدود 140 تريليون دينار (نحو 106 مليار دولار تقريباً بسعر صرف يقارب 1320 ديناراً للدولار)، يحتاج العراق إلى متوسط سعري مرتفع نسبياً للبرميل كي يحقق التوازن. أي هبوط حاد يفاقم العجز فوراً، ويضع الحكومة أمام خيارات صعبة: اما خفض قيمة الدينار كما حدث عام 2020 في عهد حكومة مصطفى الكاظمي، أو الاقتراض، أو الضغط الضريبي، وجميعها خيارات ذات كلفة اجتماعية مباشرة.
لماذا يفشل التضامن الوطني المزعوم؟ الإصلاح الاقتصادي يحمل دائماً كلفة مؤلمة، لكن في العراق، الكلفة تُرفض اجتماعيا لأن الثقة مفقودة. المجتمع لا يثق بأن النخبة الريعية المهيمنة والمستفيدة ستتحمل نصيبها العادل، والنخبة تعلم بأن المجتمع لن يتفهم الضرورات المالية.
في غياب الثقة وتصاعد كلفة الفساد والتهرب الضريبي، يتحول الإصلاح إلى صراع مضمر، كل طرف ينتظر أن يدفع الآخر الثمن والنتيجة ستكون كارثة اقتصادية وازمات اجتماعية وفشل سياسي واضطراب امني .
صورة المستقبل
إذا استمرت المعادلة الحالية، فسنكون أمام دورة متكررة:
هبوط أسعار → عجز مالي → إجراءات اضطرارية → احتجاجات → تجميد الإصلاح.
أما إذا جرى كسر حلقة انعدام الثقة عبر شفافية حقيقية، وعدالة في توزيع الأعباء، وإصلاح يبدأ من قمة الهرم قبل قاعدته، فقد تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع وهي علاقة ظلت مختلة تاريخا وحاضرا واصبحت سمة من سمات العراق !
السؤال ليس عن كلفة الإصلاح ومدته؟ بل هل يمكن للدولة العراقية أن تبقى بلا إصلاح اقتصادي ولا سياسات تنموية تخرجها من مرض الريع النفطي المزمن؟
بين كلفة الإصلاح وكلفة الانهيار، يبدو الخيار العقلاني هو حتمية الاصلاح وبجراحة مؤلمة وهذا هو الطريق الذي سلكته معظم بلدان اقتصادات الريع قبل ان تتحول إلى اقتصادات انتاج وضرائب وخدمات ومسؤولية تضامنية. لكن العقلانية وحدها لا تكفي كخيار نظري وقانون اقتصادي حاكم ما لم تُبنَ الثقة التي تجعل التضحية ممكنة. وهذه التضحية منوطة بشفافية مالية ووعي يسوق للجمهور من رجال ادارة مالية صادقة وحكومات تضع في حساباتها ضرورة الاصلاح ولابديته وكلفته السياسية والاجتماعية، انها ارادة وقرار ومسؤولية سياسية قبل ان تكون مخططات خبراء وبيوت استشارة .



اضف تعليق