جيل زد يمثل مرحلة جديدة في الإعلام؛ ليس تهديدًا بل فرصة. كراسي الإعلام التقليدية قد تبدو جامدة وثقيلة أمام هذا الزحف الرقمي، لكنها تحمل معها خبرة ومعرفة لا يمكن استبدالها. الحل ليس في التخلي عن الماضي، بل في مزج التجربة القديمة مع أدوات المستقبل...

على مقاعد الصف الأمامي لعالم الإعلام، تجلس جيل «زد» بعيون مفتوحة على شاشة هواتفهم الذكية أكثر من نظرهم إلى شاشة التلفاز. جيل ولد في عصر السرعة الرقمية، حيث المعلومة لا تنتظر، والأخبار لا تنشر بل تشارك في ثوانٍ، وهنا يبرز سؤال يلوح في أفق الإعلام التقليدي: هل يمكن لكراسي الأخبار القديمة أن تستوعب هذا الجيل الجديد؟

جيل «زد»، الذي يشغل أعمارًا تقريبية بين 10 و25 سنة، لم يعرف العالم قبل الإنترنت، ولا يملك صبرًا لمشاهدة نشرات الأخبار التي تستمر نصف ساعة أو أكثر. بالنسبة لهم، كل شيء يجب أن يكون سريعًا، بصريًا، ومباشرًا. ليس مجرد قراءة مقال أو مشاهدة تقرير؛ بل تجربة كاملة تشبع فضولهم الفوري وتثير مشاعرهم في الوقت نفسه. وهنا، تصطدم طبيعة الإعلام التقليدي بهذا الجيل الجديد الذي يميل إلى الفيديوهات القصيرة، البودكاست، والمنصات التفاعلية.

المحررون والصحفيون الذين ترسخت لديهم عادات العمل التقليدية يجدون أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج: الأول تقني، يتعلق بالمنصات والوسائط الجديدة، والثاني ثقافي، يتعلق بفهم طريقة تفكير جمهور مختلف جذريًا عن الأجيال السابقة. الإعلام لم يعد مجرد نقل للحقائق، بل أصبح أيضًا تجربة ومشاركة وتفاعل. في هذا السياق، تصبح الكراسي الثقيلة المخصصة لمكاتب التحرير التقليدية رمزًا لماضٍ لم يعد يلائم سرعة جيل «زد».

إحدى أهم الخصائص التي تميز جيل «زد» هي البحث عن الأصالة. لا يكفيهم مجرد قراءة الخبر، فهم يريدون معرفة مصدره، ومصداقيته، وحتى من يقف خلفه. لهذا السبب، تزايدت شعبية الإعلام الشخصي والمدونات والفيديوهات المباشرة التي يقدمها مؤثرون وصحفيون شباب، والذين أصبحوا في نظر جمهورهم أكثر موثوقية من بعض وسائل الإعلام الكبرى. هذه الظاهرة تعيد تعريف السلطة الإعلامية التقليدية؛ لم يعد الصحفي الكبير وحده من يحدد ما هو مهم وما يستحق القراءة، بل أصبح الجمهور نفسه لاعبًا أساسيًا في اختيار ما يراه ويشاركه.

الجيل الجديد أيضًا يعشق التفاعل والمشاركة، وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإعلام القديم والإعلام الجديد. ففي الإعلام التقليدي، يكون القارئ متلقيًا سلبيًا، أما اليوم، في منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، يمكن للشاب أو الشابة أن يعلق، يشارك، حتى يبتكر محتوى جديد مستندًا إلى الخبر نفسه. هذه المشاركة تحول القارئ إلى "شريك إعلامي"، وتفرض على المؤسسات التقليدية إعادة التفكير في أساليبها واستراتيجياتها.

لكن هل يعني ذلك نهاية الإعلام التقليدي؟ بالطبع لا. الإعلام الكلاسيكي لا يزال يحتفظ بمصداقيته وعمقه التحليلي الذي يصعب أن توفره منصات التواصل الاجتماعي وحدها. المشكلة تكمن في كيفية التكيف مع هذا الجمهور الجديد. المؤسسات التي ستنجح هي تلك التي تعترف بأن جيل «زد» لا يحتاج فقط إلى الأخبار، بل إلى تجربة متكاملة تجمع بين الدقة، السرعة، التفاعل، والأصالة. يمكن للصحافة التقليدية أن تحافظ على مصداقيتها من خلال دمج التقنيات الحديثة، ابتكار محتوى بصري جذاب، وإتاحة مساحات للتفاعل والمشاركة.

من جهة أخرى، يطرح هذا التغير تحديًا أخلاقيًا للصحفيين والمؤسسات: كيف تحافظ على جودة المحتوى وأمانه وسط ضغط السرعة والمنافسة على الانتباه؟ جيل «زد» لن ينتظر تقارير مطولة إذا لم تجدهم الرسالة ضمن أول خمس ثوانٍ، لكن القفز على التفاصيل أو التضحية بالدقة لم يعد خيارًا، لأن الجمهور أصبح أكثر وعيًا وأكثر قدرة على التحقق من الحقائق بنفسه.

ختامًا، جيل «زد» يمثل مرحلة جديدة في الإعلام؛ ليس تهديدًا بل فرصة. كراسي الإعلام التقليدية قد تبدو جامدة وثقيلة أمام هذا الزحف الرقمي، لكنها تحمل معها خبرة ومعرفة لا يمكن استبدالها. الحل ليس في التخلي عن الماضي، بل في مزج التجربة القديمة مع أدوات المستقبل، لتقديم إعلام يثري، يُشرك، ويُلهم هذا الجيل الذي أصبح أكثر من مجرد جمهور؛ أصبح شريكًا ومُوجهًا لمسار الأخبار والمحتوى الإعلامي في العالم الرقمي الحديث.

اضف تعليق