إن انتصار أي مبدأ ناجح في الحياة لا يمكن أن يأتي لشعب على طبقٍ من ذهب؛ فالنجاح والتغيير لا يحدثان إلا بعد تقديم التضحيات الجسام، وقبل التضحيات هناك دائماً العمل الطويل الشاق. والثمن الحقيقي للنجاح هو الوقت والراحة وكل ما يملكه الإنسان من طاقة وإمكانات...
(ثمن النجاح هو الوقت والراحة وكل شيء يملكه الإنسان)
الإمام الشيرازي
الإنسان جُبل على التطور والانتقال من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى، ولذلك هو يبحث عن النجاح والتفوق دائما، والانتقال والتغيير من حالة أدنى إلى أخرى أفضل وأرى، لهذا يرتبط انتصار الإنسان والمجتمع بأي مبدأ ناجح في الحياة بما يقدمه من تحيات، فلا يمكن أن يأتي النجاح لشعب ما على طبقٍ من ذهب، لأن النجاح والتغيير الحقيقي لا يحدثان إلا بعد تقديم التضحيات الجسام التي قد ترقى إلى التضحية حتى بالنفس.
وقبل تلك التضحيات هناك دائماً العمل الطويل الشاق الذي يمثل الركيزة الأساسية لكل بناء حضاري متين، فالنهضة الشاملة من بدايتها إلى نهايتها ليست مجرد أمنيات أو شعارات براقة، بل هي عبارة عن عمل متواصل من أجل بلوغ الهدف المطلوب، وتاريخ الأمم والتحولات الكبرى يشهد بوضوح على أن الحضارات لا تُبنى في لحظات خاطفة، ولا تُنال الغايات السامية بالانتظار أو التمني، بل تتطلب مسيرة شاقة من الجهد والمثابرة، والصبر على الصعاب.
ومن دون هذا الجهد الدؤوب والعمل المتقن، تبقى المبادئ مجرد أفكار نظرية حبيسة العقول لا تجد لها مكاناً في الواقع الملموس، كما أن الإيمان بالمبدأ والهدف هو الشعلة التي تضيء الطريق، لكن العمل الشاق والمستمر هو الوقود الذي يحرك العجلة ويُحيل الأحلام إلى حقائق شاخصة، ولأن التضحيات هي الضريبة الطبيعية لكل بناء يستحق البقاء، فإن الشعوب التي تسعى إلى التغيير والنهوض يجب أن تكون مستعدة لتقديم الغالي والنفيس.
بدءاً من الجهد والوقت والراحة، وصولاً إلى أقصى ما يمكن تقديمه من قبل الإنسان الفرد والمجتمع، وفي النهاية تبقى ثمار هذا الغرس المبارك دليلاً واضحا على أن النصر والنهضة هما الاستحقاق العادل والمستحق لكل مجتمع آمن بغايته، واعتمد العمل الشاق مسارا إليها، ولم يبخل بالضحية والجهد ليصل إلى القمة بكل ثبات واقتدار.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة):
(إن انتصار أي مبدأ ناجح في الحياة لا يمكن أن يأتي لشعب ما على طبقٍ من ذهب لأن النجاح والتغيير يحدث بعد تقديم التضحيات، وقبل التضحيات هناك العمل الطويل الشاق، فالنهضة من بدايتها إلى نهايتها عبارة عن عمل متواصل من أجل بلوغ الهدف).
الحياة ميدان صراع لا يتوقف
نحن نؤمن بأن الحياة في جوهرها وحقيقتها ميدان صراع أزلي ومستمر بين قوى الخير وقوى الشر، صراع لا يهدأ ولا يتوقف حتى يرث الله الأرض ومن عليها، في إحدى جبهتي هذا الصراع، يقف المؤمنون الصادقون كحصن منيع ينشرون النور، ويحملون مشعل الحق والأخلاق، ويسعون دوماً لبناء الأرض وإصلاح المجتمع وخدمة الإنسانية بنيات مخلصة وإيمان ثابت لا يتزعزع.
وفي الجبهة المقابلة، تتكتل قوى الشر والضلال التي يمثلها الفاسدون والمنافقون، ممن يعيثون في الأرض فساداً ويؤثرون مصالحهم الضيقة على مصير الأمة، معتمدين على الخداع والتضليل لنشر الظلم والظلام. إن هذا التدافع بين الفريقين ليس مجرد مواجهة عابرة، بل هو سنة إلهية واختبار حقيقي لمعادن البشر وإرادتهم. ورغم قوة الباطل الظاهرة وتعدد أساليبه الخبيثة في بعض الجولات، يبقى الأمل معقوداً على أهل الحق، فالنصر في نهاية المطاف حليف للخير والصلاح، والباطل مهما علا وتجبر فإنه آيل إلى زوال وانحسار.
حيث يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:
(الحياة صراع بين قوى الخير التي يمثلها المؤمنون الصادقون من جهة، وبين قوى الشر والضلال التي يمثلها الفاسدون والمنافقون من جهة أخرى).
تلك هي سُنّة الحياة القائمة على التدافع والأسباب، وهي تتطلب من الإنسان أن يكون واقعياً مع نفسه ومع الواقع الخارجي دون مواربة أو أوهام، ويعرف بأن الأماني المجردة ورغبات القلوب الدفينة لا تملك قوة تغيير الواقع، ولا تسوق الأحلام إلى أرض حقيقة، بل تبقى مجرد خيالات لا قيمة لها ما لم تقترن بالسعي الجاد والعمل الحثيث.
فالطموحات والنيات الحسنة، على شرفها، ليست سوى خطوة أولى تحتاج إلى الوقود لتتحرك، وهذا الوقود هو الجهد المتواصل والمثابرة اليومية والتخطيط السليم. إن المواجهة الصادقة مع الذات تقتضي منا إدراك أن النجاح ليس هبة مجانية، والوصول إلى الغايات السامية يتطلب تجاوز العقبات والتكيف مع التحديات بوعي وإرادة، من هنا يتجلى الفارق بين من يكتفي بالتمني وينتظر المعجزات، وبين من ينزل إلى ميدان الحياة ليعمل بكد وإخلاص، مجسداً إيمانه بأهدافه واقعاً ملموساً يُبنى بالجهد والعرق.
الإمام الشيرازي يقول حول هذه النقطة:
(هذه هي سُنة الحياة وهي تتطلب من الإنسان أن يكون واقعياً مع نفسه ومع الواقع الخارجي، فلا يتمنى ويضمر في قلبه شيئاً يريد تحقيقه دون عمل حثيث من أجله).
خسارة الوقت والراحة مقابل النجاح
لقد دلت التجارب الحيوية عبر التاريخ على أن أي شعب يطمح إلى النجاح والتطور، عليه أن يدرك جيداً أن الغايات العظيمة تتطلب إعداداً حقيقياً واستعداداً كاملاً لتقديم الثمن الباهظ للوصول إليها، فالنجاح الشامل ليس أمنية تُنال بالمجان، بل هو عقد متين وسليم في صياغته ويتطلب الالتزام الكامل، وأول ما يُدفع في هذا العقد هو الوقت والراحة وكل ما يملكه الإنسان من طاقة وإمكانات.
فالأمم التي تبوأت قمم الحضارة لم تصل إلى مبتغاها بالصدفة أو الدعة، بل استثمرت أوقاتها بالعمل المثمر، وضحت براحتها في سبيل بناء مستقبلها، وسخرت كافة مواردها المادية والبشرية لتحقيق تطلعاتها.
إن الإعداد الجيد والتضحية بالجهد والوقت هما المحرك الأساسي لأي نهضة حقيقية؛ فالشعوب التي تبخل بجهدها وتستسلم للراحة تظل في أذيال الأمم، بينما الشعوب التي تستعد لتقديم الفداء والتضحية تجسد نجاحها واقعاً ملموساً يُستحق عن جدارة واقتدار.
لهذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:
(لقد دلت التجارب الحيوية على أن أي شعب يريد النجاح، عليه الإعداد والاستعداد لتقديم الثمن لنجاحه، والثمن هو الوقت والراحة وكل شيء يملكه).
وعلينا أن ندرك ونفهم بأن الحياة السعيدة الهانئة لا تُمنح للإنسان مقابل خموله وعجزه وتقاعسه، بل تتحقق للذين يجاهدون ويعملون بجد وإخلاص لتغيير واقعهم وتأمين مستقبلهم، فالعمل والمثابرة هما السبيل الوحيد لإثبات الذات وتحقيق التطور والكرامة، وفي المقابل فإن نصيب القاعدين والمتخاذلين الذين يرتضون الهوان ويفضلون الراحة والكسل هو الذل والمهانة، حيث يجدون أنفسهم في هامش الحياة.
فمثل هؤلاء يهدرون حقوقهم في الدنيا ويستحقون الحساب والعقاب في الآخرة، لذلك فإن التاريخ والسنن الكونية تؤكد جميعها على أن المستقبل ليس لمن يستسلم للظروف، بل هو ملك لأولئك الذين يأخذون بالأسباب، وسيرث هذه الدنيا عباد الله الصالحون الذين ينزلون إلى ميدان السعي، ويعدون العدة الكاملة من القوة والعلم والعمل للنجاح والفوز الكبير.
حيث يؤكد الإمام الشيرازي في كتابه المذكور أعلاه:
(إن الحياة السعيدة تتحقق للذين يجاهدون ويعملون، وإن نصيب القاعدين والمتخاذلين هو الذل والمهانة في الدنيا والآخرة، وسيرث هذه الدنيا عباد الله الصالحون الذين يعدون العدة للنجاح والفوز الكبير).
بالنتيجة فإن نجاح الشعوب واستعادتها لمكانتها الحضارية ليس مجرد حلم يُهدى على طبق من ذهب، بل هو نتاج تضحيات جسام وعرق يتصبب في ميادين العمل الشاق، لأن الأمم التي تدرك قيمة الوقت والجهد وتستعد لتقديم الثمن، هي وحدها القادرة على التغيير والكفيلة بصناعة نهضتها وانتزاع المجد والاستقرار بكل استحقاق واقتدار.



اضف تعليق