تمهّد البطاريات القابلة للتحلل لتطوير حبوب إلكترونية تستطيع العمل داخل المعدة، وقياس المؤشرات الحيوية، ومتابعة تناول الأدوية، وإرسال البيانات، وتقديم تحفيز علاجي، ثم التحلل تدريجيًا بعد انتهاء مهمتها. ورغم نجاح التجارب الحيوانية، ما تزال التقنية بحاجة إلى اختبارات بشرية تثبت سلامتها وفاعليتها، وتحمي خصوصية المرضى، قبل انتقالها إلى...

لم تعد الحبة التي يبتلعها الإنسان مجرد وعاء يحمل مادة دوائية تذوب داخل الجسم، بل تتجه الأبحاث الطبية إلى تحويلها إلى جهاز إلكتروني مصغر يستطيع قياس المؤشرات الحيوية، ومتابعة تناول الأدوية، وإرسال المعلومات إلى الطبيب، بل وإطلاق العلاج أو تحفيز أعضاء معينة عند ظهور الحاجة إليه. غير أن هذا التحول ظل يواجه عقبة أساسية: كيف يمكن تشغيل جهاز إلكتروني داخل الجسم بطاقة تكفي لأداء مهمته، من دون أن تتحول بطاريته إلى مصدر للتسمم أو التلف أو النفايات التي يصعب التخلص منها؟

قدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية ومستشفى بريغهام خطوة جديدة نحو حل هذه المشكلة، بعدما طوروا بطارية صغيرة مصنوعة من مواد قابلة للتحلل والامتصاص الحيوي، تستطيع تشغيل أجهزة إلكترونية قابلة للابتلاع، ثم تتحلل تدريجيًا بعد انتهاء وظيفتها. ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في إنتاج بطارية أصغر فحسب، وإنما في إزالة واحدة من العقبات التي تحول دون بناء منظومة طبية تعمل من داخل الجسم، وتجمع بين التشخيص والعلاج والاتصال اللاسلكي في جهاز واحد.

ومع ذلك، لا تعني النتائج أن هذه الحبوب أصبحت جاهزة للاستخدام البشري الواسع، فقد أُجريت التجارب الأساسية حتى الآن على الحيوانات، ولا تزال سلامة الأجهزة وفاعليتها في الإنسان بحاجة إلى تجارب سريرية وتنظيم طبي دقيق. لكن المسار الذي تكشفه هذه الأبحاث يوحي بأن العلاقة بين المريض والدواء قد تدخل مرحلة مختلفة، يصبح فيها العلاج قادرًا على مراقبة الجسم والاستجابة له بدل الاكتفاء بإطلاق جرعة ثابتة في وقت محدد.

من الحبة الدوائية إلى الجهاز الطبي الذكي

تعمل معظم الأدوية التقليدية وفق مسار بسيط؛ يبتلع المريض الحبة فتتحلل، وتنتقل مادتها الفعالة إلى الجسم، ثم تؤدي تأثيرها بحسب الجرعة والتركيب وسرعة الامتصاص. لكن هذا النموذج لا يعرف ما يحدث للمريض بعد تناول الدواء، ولا يستطيع تعديل الجرعة تبعًا للتغيرات التي تطرأ على حالته، كما لا يمكنه التأكد من أن المريض تناول الحبة في موعدها أو أن الدواء وصل إلى المكان المطلوب بالكمية المناسبة.

أما الحبوب الإلكترونية، فهي أجهزة مصغرة تُصمم كي تدخل الجهاز الهضمي بالطريقة نفسها التي تدخل بها الكبسولات الدوائية، لكنها تحتوي على مستشعرات ودوائر إلكترونية وهوائيات ومصادر للطاقة، وقد تضاف إليها خزانات دوائية أو أقطاب للتحفيز الكهربائي. وتستطيع هذه العناصر مجتمعة قياس درجة الحرارة أو الحموضة أو بعض العلامات الحيوية، وإرسال البيانات إلى جهاز خارجي، أو إطلاق مادة دوائية عندما ترصد تغيرًا معينًا في الجسم.

ينقل هذا التصور الطب من نموذج يعتمد على التدخل المتقطع إلى نموذج للمراقبة المستمرة والاستجابة الموجهة. فبدل أن ينتظر الطبيب ظهور الأعراض أو موعد الفحص التالي، يمكن لجهاز داخل الجسم أن يرصد التغيرات في وقت حدوثها. وبدل أن يحصل جميع المرضى على جرعات متشابهة، قد يصبح ممكنًا تعديل العلاج وفق الاستجابة الفعلية لكل مريض. غير أن تحقيق ذلك يتطلب جهازًا صغيرًا وآمنًا وقادرًا على العمل في بيئة شديدة التعقيد، تتغير فيها الحموضة والحركة والضغط والسوائل باستمرار.

الطاقة.. الحلقة الأصعب داخل الجسم

تحتاج المستشعرات والدوائر الإلكترونية وأنظمة الاتصال إلى الكهرباء، حتى عندما يكون استهلاكها منخفضًا جدًا. وقد استُخدمت في بعض الأجهزة القابلة للابتلاع بطاريات صغيرة شبيهة ببطاريات الساعات، إلا أن وجودها داخل الجسم يثير مخاوف تتعلق بتلف الغلاف وتسرب المواد الكيميائية أو احتجاز الجهاز في الجهاز الهضمي مدة أطول من المتوقعة. وتزداد خطورة البطاريات التقليدية إذا تعرضت للكسر؛ لأن بعض مكوناتها قد تسبب حروقًا كيميائية أو تلفًا في الأنسجة.

كما أن الحماية من التسرب تحتاج عادةً إلى أغلفة قوية تزيد حجم الجهاز ووزنه، في حين تتطلب سلامة الابتلاع تصغير الكبسولة قدر الإمكان لتقليل خطر انسداد الجهاز الهضمي. وهنا تظهر مفاضلة صعبة؛ فزيادة حجم البطارية توفر طاقة أكبر، لكنها تجعل الجهاز أكثر صعوبة في الابتلاع، بينما يؤدي تصغيرها إلى تقليل مدة التشغيل والوظائف التي يستطيع الجهاز تنفيذها.

تضاف إلى ذلك مشكلة بيئية؛ فالجهاز الذي يعبر الجسم ثم يخرج منه قد ينقل بطاريته ومكوناته الإلكترونية إلى شبكة الصرف الصحي، حيث تتحول إلى نفايات صغيرة يصعب جمعها ومعالجتها. ولهذا لا تتعلق الحاجة إلى البطاريات القابلة للتحلل بسلامة المريض وحده، بل ببناء أجهزة طبية لا تترك وراءها نفايات إلكترونية متراكمة كلما اتسع استخدامها.

بطارية تعمل ثم تتحلل

طور الفريق البحثي بطارية ورقية تستخدم المغنيسيوم في القطب السالب وثالث أكسيد الموليبدينوم في القطب الموجب، مع مواد رابطة وهلام ناقل للأيونات اختيرت بحيث يمكن للجسم التعامل مع كمياتها المحدودة. وغُلّفت البطارية بطبقات من الشمع الطبيعي لحمايتها من التحلل المبكر داخل البيئة الحمضية للمعدة، بحيث تؤدي وظيفتها أولًا، ثم تبدأ مكوناتها بالتفكك تدريجيًا بعد انتهاء مدة التشغيل المطلوبة.

صمم الباحثون نموذجين؛ الأول على هيئة قرص يبلغ قطره نحو 7.5 مليمترات ليلائم الكبسولات الطبية، والثاني على هيئة شريط مستطيل للأجهزة التي تحتاج إلى مساحة أكبر وطاقة أعلى. وولدت البطارية جهدًا بلغ نحو 1.84 فولت، وهو مستوى مكّنها من تشغيل أنظمة اتصال وتحفيز كهربائي مصغرة. وأظهرت الاختبارات أنها تستطيع العمل بصورة مستقرة في بيئة المعدة لعدة أيام قبل أن يبدأ أداؤها بالتراجع تدريجيًا. 

ولا يعني وصف البطارية بأنها «قابلة للامتصاص الحيوي» أنها مادة غذائية يمكن تناولها بصورة اعتيادية، بل يعني أن مكوناتها صُممت لكي تتحلل إلى نواتج يستطيع الجسم معالجتها بكميات محسوبة ضمن الحدود الآمنة. كما لا تختفي جميع أجزاء الجهاز في لحظة واحدة؛ إذ تختلف سرعة التحلل باختلاف المادة ودرجة الحموضة والحرارة وموقع الجهاز، وقد تبقى بعض العناصر الإلكترونية التي لا تتحلل بالكامل لتغادر الجسم بصورة طبيعية.

وتكشف هذه النقطة أن الابتكار لا يتمثل في مادة واحدة، وإنما في تنظيم دورة حياة الجهاز كله: مرحلة يكون فيها محميًا وقادرًا على العمل، ثم مرحلة يفقد فيها وظيفته تدريجيًا، وأخيرًا مرحلة تتحلل فيها مواده أو تمر عبر الجهاز الهضمي من دون الحاجة إلى إجراء طبي لاستخراجها. وإذا أثبت هذا النموذج سلامته لدى البشر، فإنه قد يقلل الحاجة إلى استخدام أغلفة شديدة الصلابة أو إلى استعادة الأجهزة بعد انتهاء عملها.

مراقبة الدواء من داخل المعدة

اختبر الباحثون البطارية في تشغيل بطاقة صغيرة للتعرف بواسطة موجات الراديو، ودمجوها في كبسولة تهدف إلى متابعة تناول الدواء وتحديد موقع الجهاز داخل القناة الهضمية. واستطاعت البطارية تزويد البطاقة بالطاقة اللازمة لإرسال إشارة من داخل جسم الحيوان إلى قارئ خارجي يبعد نحو متر ونصف، وهي مسافة أكبر من تلك التي تستطيع الأنظمة غير المزودة ببطارية تحقيقها.

ويمكن لمثل هذا النظام أن يساعد في الحالات التي تتطلب انتظامًا صارمًا في تناول العلاج، إذ لا يكتفي بتسجيل أن المريض فتح عبوة الدواء أو استلم الوصفة، بل يقدم دليلًا على دخول الكبسولة إلى الجسم. وتزداد أهمية ذلك في علاج الأمراض المزمنة أو الحالات التي يؤدي فيها نسيان الجرعات إلى فشل العلاج أو ظهور مقاومة دوائية.

لكن مراقبة تناول الدواء تثير في الوقت نفسه أسئلة تتجاوز الهندسة الطبية؛ فمن يمتلك البيانات التي تصدر عن الحبة؟ وهل تُستخدم لمساعدة المريض أم لمراقبته ومعاقبته إذا لم يلتزم بالعلاج؟ وهل تستطيع شركات التأمين أو جهات العمل الوصول إلى هذه المعلومات؟ إن التقنية التي تحسن المتابعة الطبية قد تتحول، إذا غابت الضوابط، إلى وسيلة تدخل في السلوك الشخصي والخصوصية الصحية.

العلاج الكهربائي من دون جراحة

لم يقتصر الاختبار على الاتصال اللاسلكي، بل استخدم الباحثون البطارية لتشغيل كبسولة توفر تيارًا كهربائيًا صغيرًا لبطانة المعدة. وينتمي هذا الأسلوب إلى ما يعرف بالعلاج الكهربائي الحيوي، الذي يستخدم إشارات كهربائية للتأثير في الأعصاب أو الخلايا أو إفراز بعض الهرمونات، بدل الاعتماد الكامل على المركبات الدوائية.

أظهرت التجارب على الحيوانات أن تشغيل التحفيز الكهربائي داخل المعدة مدة عشرين دقيقة أدى إلى ارتفاع مستوى هرمون الغريلين، المرتبط بالشعور بالجوع، بنحو 50%. وقد تفتح هذه النتيجة مجالًا لتطوير علاجات لحالات فقدان الشهية والغثيان والهزال المصاحب للسرطان أو الأمراض المزمنة، إذ يمكن تحفيز الجسم على إنتاج استجابة هرمونية من داخله بدل إعطائه دواءً خارجيًا فقط.

وتتمثل قيمة الكبسولة في أنها تقدم تدخلًا مؤقتًا وغير جراحي، بخلاف بعض أنظمة التحفيز الكهربائي التي تحتاج إلى زرع جهاز داخل الجسم وإجراء عملية لإزالته أو استبداله. ومع ذلك، فإن الارتفاع الذي سُجل في هرمون الجوع لا يثبت بمفرده أن الجهاز يعالج فقدان الشهية أو الهزال عند الإنسان؛ فالانتقال من تغير هرموني في حيوانات التجارب إلى تحسن سريري مستدام لدى المرضى يحتاج إلى دراسات أطول تقيس الشهية والوزن والآثار الجانبية والاستجابة المختلفة بين المرضى.

كما أن الجهاز لم يكن قابلًا للتحلل بالكامل؛ إذ بقيت لوحة الدائرة المطبوعة خارج نطاق المواد القابلة للامتصاص، بينما صُنعت البطارية والأقطاب والوصلات وأجزاء أخرى من مواد قابلة للتحلل. ولذلك تمثل الدراسة تقدمًا نحو جهاز يختفي بعد أداء وظيفته، لا إنجازًا نهائيًا لجهاز إلكتروني كامل يمتصه الجسم من دون أي بقايا.

عقد من البحث داخل المعدة

لا يأتي الابتكار الجديد منفصلًا عن مسار بحثي بدأ قبل سنوات. ففي عام 2017 طور باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية خلية تولد الكهرباء من أحماض المعدة، مستلهمين المبدأ البسيط للبطارية التي تستخدم الحمض لنقل التيار بين قطبين. واحتوى الجهاز على قطبين من الزنك والنحاس، واستطاع تشغيل مستشعر للحرارة وجهاز إرسال لاسلكي.

وفي التجارب على الحيوانات أرسل الجهاز قراءة لدرجة الحرارة كل اثنتي عشرة ثانية إلى محطة خارجية تقع على مسافة مترين، لكنه فقد معظم قدرته بعد الانتقال من المعدة إلى الأمعاء، لأن البيئة هناك أقل حموضة. وقد أثبتت التجربة أن الجسم نفسه يمكن أن يكون جزءًا من مصدر الطاقة، لكنها كشفت أيضًا أن الاعتماد على سوائل الجهاز الهضمي يجعل الإمداد الكهربائي متغيرًا بحسب موقع الجهاز. 

وفي عام 2018 طُورت كبسولة يمكن التحكم فيها لاسلكيًا، تستطيع البقاء في المعدة قرابة شهر، وإرسال المعلومات إلى هاتف ذكي أو الاستجابة إلى أوامر خارجية. وقد صُممت بصورة تسمح لها بالتمدد بعد ابتلاعها لتستقر في المعدة مدة محددة، مع احتوائها على أجزاء يمكن ملؤها بالأدوية وإطلاقها تدريجيًا أو فتحها عن بعد. كما أمكن تزويدها بمستشعرات تراقب بيئة المعدة وترسل نتائجها إلى جهاز قريب. 

توضح هذه المراحل أن تطور الحبوب الإلكترونية تحرك عبر ثلاثة مسارات متكاملة: تصغير المستشعرات والدوائر، وتطوير وسائل اتصال منخفضة الطاقة، والبحث عن مصدر طاقة آمن. وكانت كل خطوة تحل مشكلة وتكشف أخرى؛ فالقدرة على إبقاء الجهاز داخل المعدة طرحت سؤال السلامة، والاتصال اللاسلكي طرح سؤال الخصوصية، وزيادة الوظائف رفعت الحاجة إلى الطاقة، بينما أدى استخدام البطاريات الأكبر إلى زيادة حجم الكبسولة.

مستشعر أصغر لمراقبة حرارة الجسم

في مسار موازٍ، طور الباحثون عام 2026 مستشعرًا قابلًا للابتلاع لقياس درجة حرارة الجسم من الداخل، يبلغ قطره ستة مليمترات وارتفاعه أربعة مليمترات، أي إنه قريب في حجمه من حبة توت صغيرة. وتنبع أهمية هذا التصغير من أن الكبسولات الكبيرة تكون أصعب في الابتلاع وقد تزيد خطر انسداد الجهاز الهضمي، بينما يسمح الجهاز الأصغر باستخدام أكثر راحة وأمانًا إذا أثبتت التجارب السريرية ذلك.

استطاع المستشعر قياس درجة الحرارة بدقة تبلغ 0.01 درجة مئوية، مع استهلاك طاقة منخفض يبلغ نحو عشرة نانوواط، وإرسال قراءة كل ثانية. واعتمد في الاتصال على تقنية تعيد عكس موجة راديوية يرسلها هوائي خارجي، وهو ما ينقل جزءًا كبيرًا من عبء الطاقة إلى خارج الجسم ويقلل حاجة الكبسولة إلى بطارية كبيرة. وأظهرت التجارب الحيوانية قدرة الجهاز على قياس الحرارة وإرسالها أثناء التخدير وفي أثناء حركة الحيوانات، لكن الباحثين لا يزالون يخططون للانتقال إلى التجارب السريرية خلال السنوات المقبلة.

وقد يصبح القياس الداخلي المستمر مفيدًا للمرضى المعرضين للعدوى، ولا سيما الذين تضعف مناعتهم بسبب العلاج الكيميائي أو الأدوية المثبطة للمناعة، لأن رصد تغير الحرارة بصورة مبكرة قد يساعد في اكتشاف الخطر قبل تفاقمه. ويمكن استخدامه كذلك خلال التخدير، حين تتعطل قدرة الجسم على تنظيم حرارته، أو في البيئات التي يتعرض فيها الإنسان لحرارة شديدة أو برودة قاسية.

لكن الادعاء بأن هذه المستشعرات قد تستبدل جميع أجهزة قياس الحرارة يظل تصورًا مستقبليًا يحتاج إلى الحذر؛ فليس كل قياس للحرارة يتطلب ابتلاع جهاز إلكتروني، كما أن سهولة الاستخدام والكلفة والتخلص من الجهاز وسلامته قد تجعل مقياس الحرارة الخارجي أكثر ملاءمة لكثير من الحالات العادية. وتتحدد قيمة الكبسولة في الحالات التي تكون فيها المراقبة الداخلية المستمرة أكثر فائدة من القياس المتقطع، لا في استبدال الأدوات الأبسط بلا حاجة طبية واضحة.

من المراقبة إلى الاستجابة الذاتية

تكشف هذه الأبحاث عن اتجاه أوسع نحو بناء أنظمة طبية مغلقة الحلقة؛ أي أجهزة لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تحللها وتتخذ استجابة علاجية محددة. ففي النموذج التقليدي يقيس الجهاز مؤشرًا ما، ثم يراجع الطبيب النتيجة ويقرر العلاج. أما في النظام المغلق، فيمكن للجهاز اكتشاف الخطر وإطلاق الجرعة أو التحفيز المناسب بصورة تلقائية وفق قواعد محددة مسبقًا.

ويظهر هذا الاتجاه في جهاز آخر طوره باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية ومستشفى بريغهام، يُزرع تحت الجلد لمراقبة معدل القلب والتنفس وضغط الدم ونسبة الأكسجين، ثم يطلق عقار النالوكسون عند اكتشاف جرعة زائدة من المواد الأفيونية. وتمكن الجهاز في التجارب الحيوانية من عكس آثار الجرعة الزائدة في 96% من الحالات، عبر إطلاق الدواء خلال نحو عشر ثوانٍ. لكنه يختلف عن الحبوب الإلكترونية لأنه جهاز مزروع، وما يزال هو الآخر في مرحلة البحث الحيواني.

تبيّن المقارنة أن الطب الإلكتروني يتحرك في اتجاهين متقاربين: أجهزة مؤقتة تُبتلع وتعمل داخل الجهاز الهضمي ثم تمر أو تتحلل، وأجهزة أطول عمرًا تُزرع داخل الجسم لمراقبة الحالات الخطرة والاستجابة لها. وفي الحالتين يصبح الجهاز وسيطًا نشطًا بين بيانات الجسم والعلاج، وهو تحول قد يساعد على إنقاذ الحياة وتحسين دقة التدخل، لكنه يمنح الخوارزمية والمستشعر قرارًا كان يتخذه الطبيب أو المريض.

أسئلة السلامة والخصوصية والعدالة

تبدأ العقبة الأولى من السلامة الحيوية. فكون المواد قابلة للتحلل لا يعني أن سلامتها أصبحت محسومة في جميع الحالات؛ إذ يجب معرفة أثر الجرعات المتكررة، وسلوك المواد لدى المرضى الذين يعانون أمراض الكلى أو الكبد، واحتمال بقاء الكبسولة في المعدة مدة أطول من المخطط، ومدى تأثير اختلاف الحموضة والأدوية والغذاء في سرعة التحلل. كما يجب اختبار الجهاز في أعداد كبيرة ومتنوعة من البشر، وليس الاكتفاء بالتشابه التشريحي بين الجهاز الهضمي للخنزير والإنسان.

وتتعلق العقبة الثانية بموثوقية القرار؛ فإذا كان الجهاز سيطلق علاجًا أو يوفر تحفيزًا كهربائيًا، فإن الخطأ لا يعني قراءة غير دقيقة فحسب، بل قد يعني تدخلًا علاجيًا في وقت غير مناسب. ولذلك تحتاج الأنظمة المغلقة إلى معايير عالية تمنع الإنذارات الكاذبة، وتوفر وسائل لإيقاف الجهاز أو تجاوز قراره، وتحدد المسؤولية إذا تسبب خلل في البرمجيات أو الاتصال بضرر للمريض.

أما الاتصال اللاسلكي، فيقدم فائدة كبيرة لكنه يفتح بابًا لمخاطر الأمن الرقمي. فالجهاز الذي يرسل بيانات من داخل الجسم أو يستجيب لأمر خارجي يجب أن يكون محميًا من التنصت والتلاعب والاتصال غير المصرح به. ولا يكفي تقليل مدى الإشارة لحماية المريض، بل ينبغي تشفير البيانات وتأمين الهوية الرقمية للجهاز وتحديث البرمجيات بطريقة لا تحول العلاج إلى نقطة ضعف جديدة.

وتظهر أخيرًا مسألة العدالة؛ فالأجهزة الطبية المتقدمة قد تبدأ بكلفة مرتفعة لا تستطيع تحملها إلا المستشفيات الكبرى أو المرضى القادرون، بينما تبقى الفئات الأكثر حاجة بعيدة عنها. وإذا ارتبط استخدامها بمنصات تجارية واشتراكات وخدمات تحليل بيانات، فقد تتحول الحبة من منتج طبي إلى بوابة دائمة لجمع المعلومات وتحقيق الأرباح. ومن ثم ينبغي ألا يقاس نجاح التقنية بقدرتها على العمل وحدها، وإنما بمدى أمانها وإتاحتها وحماية بيانات مستخدميها.

أين تنتهي الحقيقة ويبدأ الوعد؟

تقدم البطارية الجديدة دليلًا مهمًا على إمكان تشغيل وظائف ذات صلة طبية داخل الجهاز الهضمي باستخدام مصدر طاقة قابل للتحلل، لكنها لا تزال أساسًا تقنيًا يحتاج إلى تطوير طويل قبل التحول إلى علاج معتمد. فقد أُجريت اختبارات الأداء الأساسية داخل الحيوانات، وبعض قياسات التحلل أُجريت في سوائل تحاكي بيئة المعدة وتحت درجات حرارة مرتفعة لتسريع العملية، ولذلك لا يجوز نقل جميع مدد التحلل المختبرية مباشرة إلى جسم الإنسان. 

كما أن التجارب استخدمت أعدادًا محدودة نسبيًا من الحيوانات، في حين يحتاج اعتماد الأجهزة الطبية إلى دراسات تكشف الآثار النادرة والاختلافات بين المرضى ومخاطر الاستخدام المتكرر. ويخطط الباحثون لبدء تجربة سريرية لنظام متابعة تناول الأدوية خلال نحو عامين، ما يعني أن الطريق ما يزال يمر بمراحل التحقق من السلامة والفاعلية والتصنيع والموافقة التنظيمية.

لذلك لا ينبغي تقديم التقنية بوصفها «طبيبًا جاهزًا داخل الجسم»، بل بوصفها خطوة نحو هذا التصور. والتمييز هنا ضروري؛ لأن الأخبار العلمية تميل أحيانًا إلى تحويل إمكان بحثي إلى وعد علاجي قريب، بينما قد تحتاج التقنيات الطبية سنوات طويلة كي تثبت جدواها، وقد تتغير وظائفها أو تتوقف بعض تطبيقاتها عندما تواجه تعقيدات التجارب البشرية.

خلاصة

تشير الحبوب الإلكترونية إلى تحول في مفهوم الدواء نفسه؛ فالعلاج قد لا يبقى مادة كيميائية صامتة، بل يصبح جهازًا يستطيع مراقبة بيئة الجسم، وإرسال البيانات، وتنفيذ تدخل محدد، ثم التحلل أو المغادرة بعد انتهاء مهمته. وتمنح البطاريات القابلة للامتصاص الحيوي هذا التصور فرصة أكبر للتحقق، لأنها تعالج مشكلة الطاقة والسلامة والنفايات في وقت واحد، وتفتح المجال أمام أجهزة أصغر وأكثر استقلالًا.

لكن مستقبل هذه التقنية لا تحدده القدرة الهندسية وحدها. فنجاحها يتوقف على إثبات سلامتها لدى البشر، ومنع احتجازها أو تسرب مكوناتها، وحماية الاتصال والبيانات الصحية، وضمان ألا تتحول المراقبة الطبية إلى رقابة على المريض، وألا تقتصر فوائدها على القادرين على دفع كلفتها. إن الانتقال من الحبة التقليدية إلى الجهاز العلاجي الذكي يمكن أن يرفع دقة الطب ويقلل التدخل الجراحي، لكنه يتطلب أن تتقدم الأخلاق والقوانين ومعايير السلامة بالسرعة نفسها التي تتقدم بها البطاريات والمستشعرات.

وعندما تستطيع الكبسولة أن تقيس وتقرر وتتدخل ثم تختفي، فإن السؤال لن يكون عما تستطيع التقنية فعله داخل الجسم فقط، بل عمن يحدد متى تعمل، وما البيانات التي تجمعها، وكيف نضمن أن يكون وجودها في خدمة الإنسان لا على حساب حريته وسلامته. عندئذ قد تتحول الحبة الإلكترونية فعلًا إلى طبيب مصغر داخل الجسم، ولكنها لن تكون طبيبًا حكيمًا وآمنًا إلا بقدر الحكمة التي نضعها في تصميمها وتنظيم استخدامها.

* المصادر: معهد ماساتشوستس للتقنية، دورية نيتشر للهندسة الكيميائية

اضف تعليق