ليس اللاعنف موقفاً أخلاقياً مجرداً، بقدر ما هو خيار واعٍ يكسر سلطة الجرح ويقطع دابر الأذى. ولأن التعافي الحقيقي يكمن في سلب الماضي قدرته على التحيّز للحاضر دون شرط النسيان، يسعنا أن نحمي حقوقنا وذواتنا بعيداً عن السقوط في مجاراة السلوك الذي جرّبنا مرارته...
لماذا يبقى بعض الألم معنا طويلاً بعد أن ينتهي الحدث الذي صنعه؟ لماذا قد يدخل شخص جديد إلى حياتنا فنستقبله بالخوف الذي تركه شخص قديم؟ ولماذا يتحول الإنسان أحياناً، من حيث لا يشعر، إلى نسخة من السلوك الذي كان يتألم منه؟ هل يمكن لمن عاش الإهانة أن يتعلم احترام الآخر؟ وهل يستطيع من ذاق العنف أن يختار اللاعنف عندما تتاح له فرصة الرد؟ وأين تنتهي مسؤولية الماضي، وأين تبدأ مسؤوليتنا عن الطريقة التي نعامل بها الآخرين؟
هذه الأسئلة تضعنا أمام حقيقة أكثر تعقيداً من فكرة تجاوز الصدمة. فالإنسان لا يحمل ذاكرته فقط، وإنما قد يحمل معها طريقة في تفسير العالم، ونمطاً في الدفاع عن نفسه، وحساسية تجاه الخلاف، ومفهوماً خاصاً للقوة والعدالة. وقد يتحول ما تعرض له في الماضي إلى سلوك يمارسه في الحاضر، فينتقل الألم من شخص إلى آخر، ومن علاقة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.
هنا لا يعود السؤال: كيف ننسى ما حدث؟ وإنما كيف نعيش بعده من دون أن نجعله قاعدة لحياتنا؟ كيف نستعيد حقنا في الغضب من دون أن يتحول الغضب إلى انتقام، ونحمي أنفسنا من دون أن نصبح مصدر أذى، ونطلب العدالة من دون أن نكرر منطق العنف الذي أصابنا؟ فالماضي قد يفسر جرح الإنسان، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض دائم لإيذاء الآخرين.
ومن هذه النقطة تبدأ قيمة اللاعنف بوصفها أكثر من موقف أخلاقي تجاه الآخرين؛ إنها طريقة لتحرير الإنسان من سلطة الجرح نفسه. فاللاعنف لا يعني الاستسلام للظلم أو التخلي عن الحقوق، وإنما يعني أن نرفض تحويل الألم إلى مبرر لإنتاج ألم جديد، وأن نمتلك القوة الكافية لنوقف الأذى من دون أن نسمح له بأن يعيد تشكيلنا على صورته.
أصعب ما تفعله الصدمة أنها قد تعيد تعريف العالم في داخل الإنسان. من تعرض للخيانة قد يصبح عاجزاً عن الثقة، ومن عاش القسوة قد يتعلم أن القوة هي الوسيلة الوحيدة لحماية نفسه، ومن تعرض للإهانة قد يصبح شديد الحساسية تجاه أي نقد، ومن عاش العنف قد يكتشف في داخله رغبة في الرد بالطريقة نفسها. عند هذه النقطة لا يعود الماضي مجرد ذكرى، وإنما يصبح قوة تؤثر في الحاضر وتدفع الإنسان أحياناً إلى إعادة إنتاج السلوك الذي آلمه.
لهذا لا يعني التعافي أن ينسى الإنسان ما حدث. بعض التجارب لا تُمحى من الذاكرة، وقد لا يكون المطلوب محوها أصلاً. التعافي الحقيقي هو أن يتوقف الماضي عن امتلاك القرار الكامل في الحاضر، وأن يستطيع الإنسان أن يتذكر ما حدث من دون أن يجعل التجربة السابقة قاعدة يحاكم بها كل شخص جديد وكل موقف جديد. أن يعرف أن الجرح جزء من قصته، لكنه ليس تعريفاً نهائياً لشخصيته.
فالإنسان قد يقول لنفسه: لقد عوملت بقسوة، لذلك سأكون قاسياً حتى لا يستطيع أحد إيذائي. وقد يقول: لقد خذلني الآخرون، لذلك لن أثق بأحد. وقد يصل إلى نتيجة أخطر: بما أن العالم لم يرحمني، فلا سبب يجعلني أرحم الآخرين. هنا يبدأ الألم في إنتاج منطقه الخاص، وتبدأ الصدمة في البحث عن ضحية جديدة تستمر من خلالها.
لكن كسر هذه الدائرة يحتاج إلى قرار واعٍ. الإنسان الذي تعرض للعنف يستطيع أن يقرر ألا يجعل العنف لغته، ومن عاش الإهانة يستطيع أن يرفض استخدامها مع الآخرين، ومن عرف الخوف يستطيع أن يبني علاقة تمنح الأمان بدلاً من إنتاج الخوف. هذه القرارات لا تمحو الماضي، لكنها تمنع الماضي من امتلاك المستقبل.
والقوة في اللاعنف ليست في غياب القدرة على الرد، وإنما في القدرة على اختيار نوع الرد. الإنسان الذي يستطيع أن يؤذي ثم يقرر ألا يؤذي يمتلك مساحة من السيطرة على نفسه لا يمتلكها من تحركه الرغبة في الانتقام. فالانتقام قد يمنح لحظة من الإشباع، لكنه كثيراً ما يبقي الإنسان مربوطاً بالحدث وبالشخص الذي تسبب في ألمه. أما اللاعنف فيمنحه فرصة لاستعادة حياته من قبضة الماضي.
وهذا لا يعني أن اللاعنف يلغي العدالة. هناك فرق بين أن ترفض الانتقام وأن تتخلى عن الحق. يمكن للإنسان أن يطلب المساءلة، ويضع الحدود، ويبتعد عن العلاقة المؤذية، ويحمي نفسه ومن يحب، ويطالب بالحقوق، من دون أن يجعل الإيذاء غايته. العدالة تبحث عن إيقاف الظلم وإعادة التوازن، فيما يبحث الانتقام عن مضاعفة الألم. وبين الاثنين مسافة أخلاقية وإنسانية كبيرة.
وقد يحتاج الإنسان إلى أن يفهم أن التسامح ليس قراراً فورياً ولا واجباً يلغي حقوقه. هناك جروح تحتاج إلى مسافة، وحقوق تحتاج إلى استرداد، وعلاقات يجب أن تنتهي. اللاعنف لا يطلب من الإنسان العودة إلى المكان الذي أذاه، وإنما يساعده على مغادرته من دون أن يحمل رغبة مستمرة في تدمير من كان فيه. يمكن أن ترفض شخصاً من دون أن تنتقم، وأن تضع حداً من دون أن تمارس القسوة، وأن تتذكر من دون أن تعيش أسيراً لما تتذكره.
ومن هنا يصبح التحرر من العنف مسؤولية تتجاوز الفرد. فالصدمة يمكن أن تنتقل بين الأجيال من خلال القصص والسلوك والمخاوف والصور النمطية وطريقة التعامل مع المختلف. الطفل الذي يسمع باستمرار أن العالم مليء بالأعداء قد يتعلم الخوف قبل أن يتعلم المعرفة، والذي ينشأ في بيئة ترى العنف وسيلة طبيعية لحل الخلاف قد يحمل هذه القاعدة معه إلى علاقاته المستقبلية. لذلك فإن مواجهة العنف لا تبدأ دائماً عندما تقع الجريمة؛ أحياناً تبدأ في الطريقة التي نربي بها الإنسان على فهم القوة والاختلاف والغضب.
واللاعنف في هذا السياق ليس مجرد الامتناع عن الضرب أو الأذى المباشر، وإنما ثقافة تبدأ من اللغة. عندما نتعلم أن نختلف من دون إهانة، وأن نرفض من دون تحقير، وأن نضع حدوداً من دون تهديد، وأن نطالب بحقوقنا من دون تشفٍ، فإننا نبني تدريجياً نمطاً مختلفاً من العلاقات. فالإنسان لا يصبح عنيفاً في لحظة واحدة دائماً؛ قد يتعلم العنف من كلمات صغيرة تتكرر حتى تصبح طريقة تفكير.
ولهذا فإن التحرر من دورة العنف يحتاج إلى شجاعة من نوع آخر. الانتقام غالباً ما يكون رد فعل سريعاً، أما اللاعنف فيحتاج إلى قدرة على التمهل وضبط الانفعال والتفكير في النتيجة. في لحظة الغضب قد يبدو الرد المؤذي أسهل طريق، لكن السؤال الأعمق هو: ماذا سيحدث بعد أن أرد؟ هل ستنتهي المشكلة، أم سأفتح جولة جديدة منها؟ هل أحمي نفسي، أم أضيف ضحية أخرى إلى سلسلة الألم؟
هذه المسافة بين الحدث ورد الفعل قد تكون المكان الذي تبدأ فيه الحرية. عندما يشعر الإنسان بالإهانة، لا يستطيع دائماً منع الشعور الأول، لكنه يستطيع أن يتعلم ألا يحوله مباشرة إلى فعل. وعندما يتعرض للخيانة، لا يستطيع أن يمحو أثرها فوراً، لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تصبح سبباً لخيانة شخص آخر. وعندما يتعرض للظلم، يستطيع أن يطالب بحقه من دون أن يجعل الظلم الذي تعرض له نموذجاً للظلم الذي يمارسه.
وفي العلاقات اليومية يمكن رؤية الدورة نفسها بوضوح. خلاف قديم يجعل الإنسان يفسر كل موقف جديد باعتباره امتداداً للخلاف السابق، وكلمة بسيطة تتحول إلى معركة لأن جرحاً قديماً لم يلتئم، وشخص جديد يدفع ثمن موقف صنعه شخص آخر. لذلك يحتاج الإنسان أحياناً إلى أن يسأل نفسه قبل الرد: هل أنا أتعامل مع ما يحدث الآن، أم أنني أتعامل مع كل ما حدث سابقاً؟
هذا السؤال البسيط قد يمنع كثيراً من الأذى. فهو يعيد الإنسان إلى الحاضر، ويفصل بين الشخص الموجود أمامه والشخص الذي تسبب في جرحه القديم. وكلما استطاع الإنسان أن يفصل بين التجربتين، أصبح أكثر قدرة على بناء علاقات جديدة لا تحكمها أخطاء الماضي.
وفي المجتمعات التي عاشت الحروب والصراعات والانقسامات، تصبح قيمة اللاعنف أكثر إلحاحاً. فالمجتمع الذي يعيش طويلاً على ذاكرة الانتقام قد يجد نفسه يعيد إنتاج الماضي في كل أزمة جديدة. تتحول هوية الجماعة إلى ذاكرة للضحايا، ثم تتحول ذاكرة الضحايا إلى مبرر للعداء، ثم يصبح العداء سبباً لضحايا جدد. وهكذا لا يعود الماضي تاريخاً، وإنما يصبح آلية لإنتاج المستقبل.
الخروج من هذه الدائرة يحتاج إلى ذاكرة مختلفة؛ ذاكرة لا تنكر الألم ولا تبرر الظلم، وإنما تعرف كيف تتذكر من أجل منع تكراره. العدالة ضرورية، والمساءلة ضرورية، وحفظ الحقيقة ضروري، لكن المجتمع يحتاج معها إلى قدرة على بناء علاقة جديدة بالماضي حتى لا يصبح كل جيل مسؤولاً عن معاقبة جيل لم يرتكب ما حدث سابقاً.
وهذا يفرض على التربية والتعليم والإعلام مسؤولية كبيرة. فالطفل لا يتعلم العنف من الأحداث الكبرى فقط، وإنما من طريقة الكبار في حل الخلافات، ومن اللغة التي يسمعها في البيت والمدرسة والشارع، ومن القصص التي تقدم له المختلف باعتباره عدواً، ومن المحتوى الذي يجعل الإذلال والانتقام مشاهد طبيعية. وفي المقابل يمكن أن يتعلم أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن القوة يمكن أن تقترن بالرحمة، وأن حماية الحق لا تحتاج إلى كراهية الآخر.
وقد لا يستطيع الإنسان تجاوز بعض الصدمات بمفرده. هناك تجارب تترك آثاراً عميقة في النوم والانفعالات والعلاقات والإحساس بالأمان، وقد يحتاج التعامل معها إلى مساعدة نفسية متخصصة ودعم اجتماعي آمن. طلب المساعدة في هذه الحالات ليس ضعفاً، وإنما خطوة لاستعادة القدرة على الاختيار، خصوصاً عندما يصبح الألم أقوى من قدرة الإنسان على إدارته بمفرده.
في النهاية، ربما لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار ما الذي سنفعله بما حدث لنا. يمكن للألم أن يجعل الإنسان أكثر قسوة، ويمكنه أيضاً أن يجعله أكثر فهماً لمعنى الرحمة. يمكن للصدمة أن تنتقل إلى شخص آخر، ويمكن أن تتوقف عند صاحبها. ويمكن للإنسان أن يرد على العنف بعنف جديد، أو أن يبحث عن طريقة تحمي حقه وتوقف الأذى من دون أن تستنسخ الأذى نفسه.
وهنا تصبح قيمة اللاعنف أكثر من شعار أخلاقي؛ إنها قرار بأن لا نسمح للماضي بأن يحدد شكل المستقبل. أن نرفض الظلم من دون أن نتحول إلى صور جديدة منه، وأن نحمي أنفسنا من دون أن نصنع ضحايا جدد، وأن نربي أبناءنا على أن القوة ليست في القدرة على الإيذاء، وإنما في القدرة على ضبطها وتوجيهها نحو حماية الإنسان وكرامته.
قد لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا أن نمحو ما حدث، ولا أن نمنع بعض الجروح من أن تترك آثارها. لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تتحول إلى إرث من العنف. وربما تكون إحدى أعمق صور الانتصار على الألم أن يصل الإنسان إلى لحظة يقول فيها: لقد حدث لي ما يؤلمني، لكنني لن أجعل ما حدث لي سبباً لإيذاء إنسان آخر. عندها لا يصبح التعافي مجرد خروج من الماضي، وإنما يصبح بناءً لمستقبل مختلف؛ مستقبل لا يُقاس بما استطاع الإنسان أن ينتقم منه، وإنما بما استطاع أن يمنعه من التكرار.



اضف تعليق