يرصد البحث انتقال مكانة البنات من الوأد والازدراء في الجاهلية إلى التكريم والرعاية في الإسلام، مستندًا إلى آيات قرآنية وروايات تحث على الرحمة والإنصاف. ويؤكد فضل البنات وأثر حسن معاملتهن في بناء الأسرة، من خلال الإكرام والاحترام والإعالة وإدخال السرور عليهن، ويربط ذلك بصون الكرامة والعدل العاطفي وتجاوز التمييز...

كانت حياة المرأة قبل الإسلام مليئة بالظلم والمهانة؛ حيث كانت البنات يُعاملن كعبء أو مصدر خزي، وتُزهق أرواحهن بوحشية الوأد. وقد جاء الإسلام ليضيء نور الرحمة في القلوب، ويعيد للبنت كرامتها، ويحوّلها من ضحية إلى نعمة عظيمة، تُحترم وتُعطى مكانتها بين أفراد الأسرة والمجتمع. وقد شكّل هذا التحوّل نقلة حضارية وأخلاقية عميقة، أعادت للبنات مكانتهن الإنسانية، وأرست أسس رعايتهن وتكريمهن في المنظور الإسلامي.

المحور الأول: فظاعة جريمة الوأد وأسبابها

كان المجتمع الجاهلي قبل بزوغ نور الإسلام ينظر إلى الذكور بوصفهم رمز القوة والمنعة، ووقود الحروب والغارات، بينما كان ينظر إلى الإناث نظرة ازدراء وخوف، حتى تحوّل هذا الانحراف في القيم إلى سلوك وحشي تمثّل في وأد البنات ودفنهن أحياءً. وقد نشأ هذا الفعل الإجرامي من اعتقاد فاسد يرى في البنت مصدر عار وفضيحة، ولا سيما في أجواء الحروب، حيث كانت النساء يُؤخذن سبايا، ويُتعامل معهن كغنائم تُوزّع على الأعداء أو تُستغل لأغراض اقتصادية مهينة، مجرّدة من كل معنى.

فجاء الإسلام ثورة شاملة؛ ليقلب هذه المفاهيم رأسًا على عقب، ويعيد للمرأة إنسانيتها وكرامتها، وليستنكر تلك الممارسات الجاهلية بأشد عبارات الإدانة، محرّكًا الضمير وموقظًا الفطرة من سباتها، من خلال النداء القرآني المؤلم الذي يصوّر فظاعة الجريمة ويضع القاتل أمام فعلته، في قول الله (تعالى):

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(1).

وتكشف هذه الآيات المباركة لوحة قرآنية عن إحدى أبشع العادات الجاهلية، وهي بغض البنات واعتبار ولادتهن مصيبة لا نعمة. فحين يُبشَّر أحدهم بالأنثى، لا يشرق وجهه بالرضا، ويظل وجهه مسودًّا، تغمره الكآبة ويختنق صدره بالغيظ المكظوم، في صورة نفسية تعبّر عن الانكسار والرفض لما وهبه الله (سبحانه).

ولا يقف الانحراف عند هذا الحد؛ وإنما يهرب من الناس خجلًا واحتقارًا لما عُدَّ في ميزانه الفاسد عيبًا وعارًا، وكأن البشرى صارت فضيحة، والنعمة تحوّلت إلى نقمة.

ولم ينتهِ المطاف بعد، بل يستمر في الغوص في فكر مظلم قاسٍ، متردّدًا بين خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يُبقيها حيّة ذليلة مهانة، تعيش منكسرة الكرامة، وإما أن يقتلها ويدفنها في التراب، مطفئًا روحًا بريئة لم ترتكب ذنبًا سوى أنها وُلدت أنثى.

وفي ختام هذا المشهد المأساوي، يستنكر الله (عزّ وجلّ) حكمهم الجائر والعقيم بقوله الحاسم: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ حكم مشوّه، صادر عن عقل مريض وفطرة منطمسة، لا ترى النعمة إلا نقمة، ولا الرحمة إلا ضعفًا.

وأخيرًا، يكشف القرآن عن الجذر الحقيقي لهذا الانحراف العميق، فيشير إلى أنه نابع من غياب الإيمان بالآخرة: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾؛ فحين يغيب الإيمان بالحساب والجزاء، يسهل على الإنسان أن يبرّر الظلم، وأن يقتل الرحمة في قلبه. أما الله (سبحانه)، فله الكمال المطلق، والمثل الأعلى في العدل والحكمة والرحمة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وهكذا لا يكتفي القرآن الكريم بوصف الجريمة؛ وإنما يعالج جذورها الفكرية والعقدية؛ ليبني إنسانًا يؤمن بالآخرة، فيحترم الحياة، ويصون الكرامة، ويستقبل عطايا الله (تعالى) بالشكر لا بالسخط.

وكلما اقترب الإنسان من الله العزيز الحكيم، انعكست أنوار أسمائه وصفاته على قلبه، فتنفذ إليه نفحات العلم، وتترسّخ فيه معاني القدرة والحكمة، فيسمو وعيه وتستقيم بصيرته، ويغدو أقدر على التمييز بين الحق والباطل، فينأى بنفسه عن الخرافات، ويتحرّر من البدع، ويترفّع عن الأفعال المشينة التي تُسقطه من مقامه وكرامته.

أما إذا ابتعد عن الله (عزّ وجلّ)، فبقدر ذلك البعد يغوص في ظلمات الجهل، ويستحكم فيه الضعف، ويتلبّسه الذل، فتغدو روحه أرضًا خصبة لكل قبيح، وتتهيّأ نفسه لقبول الانحراف والتبرير له؛ إذ إن القطيعة مع الله (تبارك وتعالى) تفتح الباب لتسلّط الرذائل، وذوبان القيم، وانطفاء نور الفطرة.

والوأد في حقيقته أمر فظيع؛ لأنه بالإضافة إلى إزهاق روح بريئة، يسبقه تدمير لمنظومة المشاعر الإنسانية، حيث يُعطّل الفاعل في ذاته نوازع العطف والرحمة والشفقة، ليتمكّن من الإقدام على قتل إنسان أعزل، غالبًا ما يكون من أقرب الناس إليه وأشدّهم ارتباطًا به. والأشدّ انحرافًا من فعل القتل نفسه هو تحوّل هذه الجريمة إلى موضع اعتزاز ومباهاة في الوعي الجاهلي، بما يكشف عن خلل كبير في منظومة القيم والمعايير الأخلاقية السائدة آنذاك.

فأيّ معنى للفخر في إزهاق روح ضعيفة لا تملك أدنى قدرة على الدفاع عن نفسها؟

وأيّ منطق يمكن أن يبرّر لإنسان أن يطمر جزءًا من ذاته، وامتدادًا لوجوده، وهو ما يزال ينبض بالحياة؟

إن هذا السلوك هو نتاج بيئة مركّبة تتداخل فيها عوامل اجتماعية ضاغطة، وبُنى نفسية مضطربة، وظروف اقتصادية قاسية، تشكّلت مجتمعة لتُنتج هذا الانحدار الخطير، وتحوّل الجريمة إلى ممارسة مقبولة ومُحتفى بها، في سياق منحرف عن مقتضيات الفطرة السليمة.

وقصص الوأد مليئة بالأحداث المؤلمة التي تكشف عن عمق المعاناة والتداعيات النفسية والاجتماعية لهذا الفعل البشع؛ منها:

«رُوي أن رجلًا جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأعلن إسلامه، وجاءه يومًا فسأله: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إن الله توّاب رحيم»، قال: يا رسول الله، إن ذنبي عظيم. قال: «ويلك، مهما كان ذنبك عظيمًا فعفو الله أعظم منه». قال: لقد سافرت في الجاهلية سفرًا بعيدًا، وكانت زوجتي حبلى، وعندما عدت بعد أربع سنوات استقبلتني زوجتي، فرأيت بنتًا في الدار، فقلت لها: ابنة مَنْ هذه؟

قالت: ابنة جارنا. فظننت أنها سترحل عن دارنا بعد ساعة، فلم تفعل، ثم قلت لزوجتي: أصدقيني، مَنْ هذه البنت؟

قالت: ألا تذكر أني كنت حاملًا عندما سافرت؟ إنها ابنتك. فنمت تلك الليلة مغتمًّا، أنام وأستيقظ، حتى اقترب وقت الصباح. نهضت من فراشي، وذهبت إلى فراش ابنتي، فأخرجتها، وأيقظتها، وطلبت منها أن تصحبني إلى حائط النخل، فتبعتني حتى اقتربنا من الحائط، فأخذت بحفر حفيرة، وهي تعينني على ذلك، وعندما انتهيت من ذلك وضعتها في وسط الحفرة... وهنا فاضت عينا رسول الله بالدمع... ثم وضعت يدي اليسرى على كتفها، وأخذت أهيل التراب عليها بيدي اليمنى، فأخذت تصرخ، وتدافع بيديها ورجليها، وتقول: أبي، ما تصنع بي؟! ثم أصاب لحيتي بعض التراب، فرفعت يدها تمسحه عنها، وأدامت ذلك حتى دفنتها.

فقال رسول الله، وهو يمسح دموعه: «لولا أن سبقت رحمةُ الله غضبَه لعجّل اللهُ لك العذابَ»(2).

وكذلك ما رُوي في قيس بن عاصم، أحد أشراف ورؤساء قبيلة بني تميم في الجاهلية، وقد أسلم عند ظهور النبي (صلّى الله عليه وآله)، جاء يومًا إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقال له: إن آباءنا كانوا يدفنون بناتهم أحياءً، وقد دفنت أنا (12) بنتًا، وعندما وُلدت لي من زوجتي البنت الثالثة عشرة أخفت أمرها، وادّعت أنها ماتت عند الولادة، ثم أودعتها آخرين، وعندما علمت بذلك بعد مدة، أخذتها إلى مكان بعيد ودفنتها حيّة دون أن أعتني ببكائها وتضرعها.

فتأذّى النبي (صلّى الله عليه وآله) من ذلك، فقال ودموعه جارية: «من لا يَرحم لا يُرحم»، ثم التفت إلى قيس وقال: «إن لك يومًا سيئًا»، فقال قيس: ما أفعل لتكفير ذنبي؟ فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): «حرّر من العبيد بعدد ما وأدت» (3).

ورُوي أيضًا أن صعصعة بن ناجية، جد الفرزدق الشاعر المعروف، وكان رجلًا شريفًا حرًّا، فقيل: إنه كان في الجاهلية يحارب الكثير من العادات القبيحة، حتى إنه اشترى الكثير من البنات من آبائهن كي ينقذهن من القتل، وقد أعطى يومًا دابته مع بعيرين لأب كان يريد قتل ابنته.

وقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) ذات مرة، فيما معناه: «ما أحسن ما صنعت، وأجرك عند الله».

وقال الفرزدق فخرًا بعمل جدّه:

وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ فَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ تُوءَدْ (4).

المحور الثاني: فضل البنات في الإسلام

أما الإسلام، فقد أحدث تحوّلًا جذريًا في البناء الأخلاقي للمجتمع، حين أعاد بناء النظرة إلى البنت على أساس إنساني رفيع، فغرس في وجدان المسلمين مودّتهن، ورسّخ في وعيهم أنهن امتداد طبيعي للذات، وأن مكانتهن لا تقل عن مكانة الذكور، وتقوم على المساواة في الكرامة والقيمة الإنسانية. وفي هذا المجال، رُوي عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قوله: «خيرُ أولادِكم البناتُ»(5). في تعبير صريح عن نقض المقاييس الجاهلية، وإحلال مقياس يقوم على الرحمة والإنصاف.

كما تكشف الروايات الشريفة عن البعد التطبيقي لهذا التحوّل؛ إذ يُروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «كَانَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله) أَبَا بَنَاتٍ»(6). وهي عبارة تحمل دلالة عميقة، تشير إلى أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جسّد هذا الفهم عمليًا، فحوّل الأبوة للبنات من موضع حرج اجتماعي إلى مصدر شرف وافتخار.

وتتسع الدلالة أكثر في الروايات التي واجهت بوضوح بقايا الذهنية الجاهلية في النفوس؛ عن جارود قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «إِنَّ لِي بَنَاتٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ تَتَمَنَّى مَوْتَهُنَّ، أَمَا إِنَّكَ إِنْ تَمَنَّيْتَ مَوْتَهُنَّ فَمِتْنَ لَمْ تُؤْجَرْ، وَلَقِيتَ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يَوْمَ تَلْقَاهُ وَأَنْتَ عَاصٍ»(7). ويبيّن هذا النص موقفًا صارمًا، يُجرّم مجرد التمني السلبي تجاه البنت، بوصفه انحرافًا في النية، واختلالًا في العلاقة مع الله (تعالى).

وفي رواية أخرى، يقدّم النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) معالجة تربوية دقيقة للمشاعر السلبية المرتبطة بولادة الأنثى؛ عن حمزة بن حمران يرفعه قال: «أُتِيَ رَجُلٌ وَهُوَ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله)، فَأُخْبِرَ بِمَوْلُودٍ أَصَابَهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله): مَا لَكَ؟

فَقَالَ: خَيْرٌ، فَقَالَ: قُلْ، قَالَ: خَرَجْتُ وَالْمَرْأَةُ تَمْخَضُ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهَا وَلَدَتْ جَارِيَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله): «الْأَرْضُ تُقِلُّهَا، وَالسَّمَاءُ تُظِلُّهَا، وَاللهُ يَرْزُقُهَا، وَهِيَ رَيْحَانَةٌ تَشَمُّهَا»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَهُوَ مَفْدُوحٌ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ فَيَا غَوْثَاهُ بِاللهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ ثَلَاثٌ وُضِعَ عَنْهُ الْجِهَادُ وَكُلُّ مَكْرُوهٍ، وَمَنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعٌ فَيَا عِبَادَ اللهِ أَعِينُوهُ، يَا عِبَادَ اللهِ أَقْرِضُوهُ، يَا عِبَادَ اللهِ ارْحَمُوهُ»(8).

ويُفهم من هذا الخطاب أن الإسلام لم يكتفِ بتجريم الوأد جسديًا، بل سعى إلى اقتلاع جذوره النفسية والفكرية، عبر إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتحويل البنت إلى موضع رحمة، وسبب للأجر، وميدان للاختبار، وبذلك أعاد الاعتبار للأنثى بوصفها نعمة إلهية، لا عبئًا اجتماعيًا، ومظهرًا من مظاهر الفضل الإلهي، لا موضعًا للعار أو الخجل.

ومن الغريب أن يستدل البعض بكراهية البنات على أنهن لا ينفعن، وهذه شبهة لا أساس لها من الصحة، للجواب الآتي:

من قال: إنها لا تنفع؟

والنصوص الشريفة تصرّح بفضلها، وتؤكّد أنها من مصادر الخير والبركة، ومن أحسن إليها كان له الأجر العظيم والثواب الجزيل؛ عن إبراهيم الكرخي، عن ثقة حدّثه، قال: «تَزَوَّجْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قُلْتُ: مَا رَأَى رَجُلٌ مِنْ خَيْرٍ فِي امْرَأَةٍ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِيهَا، وَلَكِنْ خَانَتْنِي، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟

قُلْتُ: وَلَدَتْ جَارِيَةً.

قَالَ: لَعَلَّكَ كَرِهْتَهَا، إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يَقُولُ: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (9)» (10). فقد تكون البنت أنفع لوالديها من الابن، وقد يكون الابن أشد ضررًا لهما من البنت؛ لذا عليهما الرضا بما يختاره الله (تعالى) لهما.

وعن الحسن بن سعيد اللخمي، قال: «وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا جَارِيَةٌ، فَدَخَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فَرَآهُ مُتَسَخِّطًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) أَوْحَى إِلَيْكَ أَنْ أَخْتَارُ لَكَ أَوْ تَخْتَارُ لِنَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟

قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ: يَا رَبِّ، تَخْتَارُ لِي.

قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اخْتَارَ لَكَ.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْعَالِمُ الَّذِي كَانَ مَعَ مُوسَى (عليه السلام)، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾(11)، أَبْدَلَهُمَا اللَّهُ بِهِ جَارِيَةً وَلَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا»(12).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الْبَنُونَ نَعِيمٌ، وَالْبَنَاتُ حَسَنَاتٌ، وَاللَّهُ يَسْأَلُ عَنِ النَّعِيمِ، وَيُثِيبُ عَلَى الْحَسَنَاتِ»(13).

وعنه (عليه السلام) أيضًا قال: «إِنَّ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ ابْنَةً تَبْكِيهِ، وَتَنْدُبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ»(14).

ولعل المقصود بـ«تندبه» هو أن تبكيه، وتعدّد محاسنه أثناء البكاء، ولعل في ذلك فائدة عظيمة؛ إذ يذكّر الناس به وبأخلاقه وفضائله، مما يحفزهم على الاقتداء به، والسير على نهجه الكريم.

المحور الثالث: آداب التعامل مع البنات

يولي الإسلام عناية خاصة بآداب التعامل مع البنات، معتبرًا أن حسن المعاملة والرعاية العاطفية والمادية لهن أساس لبناء شخصية متوازنة ومجتمع فاضل. ومن هذه الآداب:

1. الإكرام

إن من يطلع على النظام التربوي الإسلامي سيلاحظ أن الإسلام اعتمد منهجًا تربويًا دقيقًا في إعادة ترتيب سلّم القيم داخل الأسرة، فدعا إلى تقديم البنات في مظاهر التحية والتكريم والعطاء، لما يترتب على ذلك من آثار نفسية وتربوية عميقة في نفوسهن، تُشعرهن بالأمان، وتُرسّخ لديهن الإحساس بالقيمة والاحترام، وتُعيد تصحيح الصورة الاجتماعية التي تعرّضت للتشويه في الموروث الجاهلي.

إن هذا التوجيه يمثّل سياسة واعية تهدف إلى بناء شخصية متوازنة للأنثى داخل الأسرة والمجتمع. رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَاشْتَرَى تُحْفَةً، فَحَمَلَهَا إِلَى عِيَالِهِ، كَانَ كَحَامِلِ صَدَقَةٍ إِلَى قَوْمٍ مَحَاوِيجَ، وَلْيَبْدَأْ بِالْإِنَاثِ قَبْلَ الذُّكُورِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَرَّحَ أُنْثَى فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِعَيْنِ ابْنٍ فَكَأَنَّمَا بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَمَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَدْخَلَهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(15).

حيث يقدّم الحديث تصورًا متكاملًا لمعنى العطاء الأسري، ويربط بين إدخال السرور على البنات وبين القيم العظمى في الإسلام، حتى شبّه التفريح بالأنثى بفعل من أعظم أعمال البرّ، لما يحمله من دلالة على إحياء الرحمة، وترسيخ العدالة العاطفية داخل البيت.

2. الاحترام

يؤكّد الإسلام، في سياق معالجته للجذور النفسية والاجتماعية للتمييز داخل الأسرة، ضرورة احترام البنت ورعايتها رعاية متوازنة، تقوم على العدل العاطفي والتربوي، وتمنع تفضيل الذكور عليها؛ لما يخلّفه هذا التفضيل من آثار سلبية عميقة في تكوين شخصيتها وشعورها بقيمتها الإنسانية. فالمعاملة التمييزية تشكّل اعتداءً يمسّ كرامة البنت، ويزرع في داخلها الإحساس بالدونية والحرمان.

وفي هذا الإطار، جاء التوجيه النبوي واضحًا وحاسمًا، فربط بين صيانة كرامة البنت وبين الفوز بالجزاء الأخروي، عن الرسول الأعظم محمد (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ وُلِدَتْ لَهُ ابْنَةٌ، فَلَمْ يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا ـ يَعْنِي الذَّكَرَ ـ أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ» (16).

3. الإعالة

يُبيّن الإسلام بُعدًا عمليًا آخر في منظومة رعايته للبنت، يتمثّل في التأكيد على إعالتها والقيام بشؤونها المعيشية، بوصف ذلك التزامًا ذا قيمة عالية، فالإعالة في المنظور الإسلامي تعبير عن التكفّل الإنساني الذي يصون كرامة الأنثى، ويمنحها الشعور بالأمان والاستقرار داخل الأسرة. رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: وَاثْنَتَيْنِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَوَاحِدَةً؟ فَقَالَ: وَوَاحِدَةً»(17).

وتدلّ هذه الرواية على أن الإسلام يسعى إلى تحويل التعامل مع البنات من عبء اجتماعي متوهّم إلى فرصة للارتقاء، حيث تصبح رعاية الأنثى بابًا من أبواب القرب الإلهي، وميدانًا لاختبار الصدق في الالتزام بالقيم التي أرساها الدين، وفي مقدّمتها الرحمة والعدل والتكافل الأسري.

4. إدخال السرور عليها

يدعو الإسلام ويشدّد على البعد النفسي والعاطفي في التعامل مع البنت والمرأة، من خلال حث المؤمنين على إدخال السرور عليها، وتعزيز شعورها بالحب والاهتمام والاحترام؛ باعتبار أن ذلك جزء أساسي من حسن التربية والرعاية الأسرية، ومظهر من مظاهر الرحمة الإلهية في الحياة اليومية. فالسرور الذي يشعر به الفرد يمتد أثره ليكون سببًا في نيل الأجر والرضوان الإلهي، وهو دليل على أن العلاقة بين الرجل والمرأة ينبغي أن تقوم على المودّة والرحمة، لا على الإهمال أو التجاهل.

ويؤكّد الإمام الرضا (عليه السلام) ذلك بقوله: «قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) عَلَى الْإِنَاثِ أَرْأَفُ مِنْهُ عَلَى الذُّكُورِ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ فَرْحَةً عَلَى امْرَأَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ إِلَّا فَرَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(18).

ومن هذا الحديث يظهر أن إدخال الفرح والسرور على المرأة عمل يُحتسب في الميزان يوم القيامة، ويقرّب الإنسان إلى الله (تعالى)، ويجسّد الرحمة التي ينبغي أن تتحلّى بها النفوس في التعامل مع الأبناء والزوجات، بما يعكس روح الإسلام القائمة على التقدير والعدل والمودّة.

وهكذا تبقى البنت في حياة أبويها نعمة تستحق الحمد، وأمانة أودع الله (تعالى) فيها من الرحمة والبركة ما قد تتجلّى آثاره مع الأيام، فتكون مصدر سعادة في بيتها، ونبع حنان في أسرتها، وسندًا لأبويها في مراحل العمر، وتحمل من الخير ما يفوق ما كان يُتوقّع لها في بدايات حياتها.

وحين تنشأ البنت في بيت يحيطها بالحب والقبول والاحترام، تنمو في نفسها مشاعر الأمن والثقة والاتزان، وترى في أبيها وأمها صورة للرحمة والعدل، فينعكس ذلك على نظرتها إلى ذاتها وإلى الحياة، ويظل أثره ممتدًا في شخصيتها وعلاقاتها ومستقبلها.

ومن هنا تتّضح عظمة التحوّل الذي جاء به الإسلام؛ فقد انتقلت البنت من صورة كانت تُدفن فيها حيّة تحت التراب خوفًا من العار والفقر، إلى حياة تُصان فيها كرامتها، وتُحفظ فيها حقوقها، وتُحاط فيها بالرعاية والمحبة، ويكون الإحسان إليها طريقًا إلى الأجر والثواب. فبعد أن كان التراب يخفي أنفاسها، صارت الرحمة تُحيط أيامها، وبعد أن كانت تُستقبل بالخوف والعار، أصبحت تُستقبل بالفرح والكرامة.

...........................................

الهوامش

1. سورة النحل، الآيات: 58-60.

2. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج8، ص222.

3. م. ن.

4. يُنظر: المعجم الكبير: ج8، ص77.

5. بحار الأنوار: ج101، ص91.

6. الكافي (دار الحديث): ج11، ص335.

7. م. ن: ج11، ص336.

8. الكافي: ج11، ص336.

9. سورة النساء، الآية: 11.

10. الكافي (دار الحديث): ج11، ص339.

11. سورة الكهف، الآية: 84.

12. الكافي (دار الحديث): ج11، ص339.

13. م. ن: ج11، ص338.

14. الكافي (دار الحديث): ج11، ص335.

15. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص201.

16. المصنف: ج6، ص103.

17. الكافي (دار الحديث): ج11، ص339.

18. م. ن: ج11، ص338.

اضف تعليق